المتحدث باسم «الخارجية»: الإقبال الكبير على اقتراع الخارج يعكس التفاف المصريين حول الاستحقاق الرئاسي

قال إن سياسة واشنطن تغيرت بالكامل تجاه بلاده وإن الكونغرس تعهد بمساندتها في الحرب على الإرهاب

السفير بدر عبد العاطي
السفير بدر عبد العاطي
TT

المتحدث باسم «الخارجية»: الإقبال الكبير على اقتراع الخارج يعكس التفاف المصريين حول الاستحقاق الرئاسي

السفير بدر عبد العاطي
السفير بدر عبد العاطي

قال المتحدث باسم الخارجية المصرية، السفير بدر عبد العاطي، لـ«الشرق الأوسط» إن الإقبال الكبير على اقتراع المغتربين في الخارج يعكس التفاف المصريين حول الاستحقاق الرئاسي، مشددا في الوقت نفسه على أن سياسة الولايات المتحدة الأميركية تغيرت بالكامل تجاه القاهرة، مشيرا إلى أن الكونغرس تعهد بمساندة مصر في حربها على الإرهاب.
وتعد انتخابات الرئاسة ثاني أهم استحقاق من استحقاقات خارطة الطريق التي أدت للإطاحة بحكم الرئيس السابق محمد مرسي، مما نتج عنه غضب واشنطن، وتعليق جانب من المساعدات الأميركية لمصر، التي كانت تتضمن مساعدات لوجستية وعسكرية.
وقام وزير الخارجية المصري، نبيل فهمي، طوال الأشهر الماضية بزيارات لعدة عواصم بما فيها واشنطن لشرح حقيقة التغير الجاري في البلاد، وانحياز الجيش والأزهر والكنيسة، وقوى سياسية أخرى، إلى ملايين المصريين الذين خرجوا في 30 يونيو (حزيران) الماضي للمطالبة بالإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين ومرسي الذي ينتمي إليها. وقال السفير عبد العاطي: «الموقف الأميركي تغير تماما مؤخرا، خاصة بعد المشاركة الكاسحة في انتخابات الخارج، ويمكن لمس هذا التغير بشكل أكبر في اللغة التي تم تضمينها في مشروع قانون موازنة وزارة الدفاع الأميركية الذي تم تمريره في مجلس النواب الأميركي، التي يظهر فيها الدعم الكامل لمصر والتزام الولايات المتحدة بمساعدة الدولة في مواجهة الإرهاب، خاصة أنها تواجه عناصر تتبع تنظيم القاعدة».
وتابع عبد العاطي قائلا إن «مصر تؤسس لبناء نظام ديمقراطي حقيقي لا يمكن بناؤه دون مشاركة حقيقية من المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة ومشاركة منظمات الحقوق المدنية وحقوق الإنسان في سير العملية الانتخابية.. وكل هذا يعكس حرص الدولة المصرية على المضي قدما في بناء نظام ديمقراطي حقيقي».
وتحدث السفير عبد العاطي عن سير العملية الانتخابية في الخارج التي بدأت يوم الخميس الماضي وكان من المقرر أن تنتهي أمس الأحد، إلا أنه جرى تمديدها إلى اليوم (الاثنين) بسبب الإقبال الكبير على صناديق الاقتراع في مقار القنصليات والبعثات الدبلوماسية حول العالم. وقال: «تابعنا على مدار اليومين السابقين سير العملية الانتخابية في الخارج، ولمسنا الجهد الخارق الذي قامت به جميع السفارات والقنصليات المصرية في الدول التي أجريت فيها عملية التصويت، والتي استطاعت بفضل التنسيق مع الجهات المعنية استيعاب الأعداد الغفيرة التي نزلت للإدلاء بصوتها في هذا الاستحقاق الرئاسي الهام».
وأضاف السفير عبد العاطي قائلا: «حتى الآن الأمور تسير بشكل أكثر من جيد، والصور تتحدث عن نفسها من خلال آلاف المصوتين الذين ينتظرون أمام الدوائر الانتخابية في الدول الأوروبية ودول الخليج العربي، وفي الولايات المتحدة وكندا.. كلها صور تبعث برسائل واضحة تؤكد التفاف المصريين في الخارج حول الانتخابات الرئاسية، يقابله التفاف شعبي مماثل بل ويزيد في الداخل من خلال دعم خارطة الطريق».
وأكد عبد العاطي أن كل هذه التطورات أدت إلى تغير واضح في سياسات ومواقف بعض الدول الأجنبية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لمسنا منها ذلك من خلال تصريحات المسؤولين الأميركيين التي نقلوها للوزير نبيل فهمي خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، والتي أكدوا فيها دعمهم الكامل لخارطة الطريق، ودعم الدولة المصرية في مكافحة الإرهاب».
وجاءت تصريحات السفير عبد العاطي لـ«الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر الصحافي الذي عقدته اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية في أحد فنادق القاهرة ليلة أول من أمس، وذلك لمتابعة موقف تصويت المصريين بالخارج وإجراءات التنسيق مع المتابعين الدوليين والمحليين في ضوء الموقف الأمني الراهن في البلاد، إلى جانب خطة المؤسسة الأمنية متمثلة في وزارة الداخلية لتأمين العملية الانتخابية في الداخل المزمع إجراؤها خلال يومي 26 و27 من الشهر الحالي. وحضر المؤتمر ممثلون دوليون عن المعهد الدولي للسلام والعدالة وحقوق الإنسان بجانب ممثلين عن الشبكة الدولية للحقوق والحريات ومؤسسة «ماعت» للتنمية وحقوق الإنسان، وممثلين عن وزارتي الداخلية والخارجية وأمين عام اللجنة العليا للانتخابات.
من جانبه، قال المستشار عبد العزيز سلمان، الأمين العام للجنة العليا للانتخابات، لـ«الشرق الأوسط» إن «كثافة المقترعين في العملية الانتخابية تؤكد نزاهتها وسيرها وفقا للمعايير الدولية واتجاه مصر الحقيقي نحو بناء الدولة الديمقراطية التي نسعى إليها جميعا»، مضيفا أن «هناك تنسيقا كاملا بين الجيش والشرطة لتأمين كل فرد خلال عملية التصويت ولتجنب حدوث أي احتكاكات قد تنتهجها جماعة (الإخوان) بهدف تعطيل سير العملية الانتخابية».
وعلى صعيد الاستعدادات لتأمين انتخابات الداخل، عرض اللواء هاني عبد اللطيف المتحدث باسم وزارة الداخلية، خلال المؤتمر، فيلما وثائقيا عن جهود الوزارة في مواجهة الإرهاب وعمليات استهداف المنشآت الحيوية والأمنية من قبل جماعة «الإخوان»، مع عرض اعترافات لأعضاء جماعة «أنصار بيت المقدس» وتفاصيل العمليات الإرهابية على لسان منفذيها، وتضمن الفيلم عرض مقتطفات لمشاهد تعذيب المواطنين السلميين أمام قصر الاتحادية الرئاسي من قبل أعضاء جماعة «الإخوان» أثناء فترة حكم الرئيس المعزول مرسي. وأكد اللواء عبد اللطيف أن أي محاولات من أعضاء الجماعة لعرقلة سير العملية الانتخابية ستقابل بكل حسم وحزم في إطار القانون.
وقال اللواء عبد اللطيف لـ«الشرق الأوسط» إن وزارة الداخلية وكل الأجهزة الأمنية تتخذ أعلى درجات الاستعداد والاحتياطات لتأمين سير العملية الانتخابية وتأمين الناخبين، حتى «نضمن الصورة الحضارية والسلمية لهذا الاستحقاق الرئاسي الهام».
من جهته، قال لؤي الديب، رئيس الشبكة الدولية للحقوق والتنمية، وهي إحدى المنظمات التي تعمل في مراقبة الانتخابات، لـ«الشرق الأوسط» عن المعايير التي تحكم عملية المراقبة، إنها تستند إلى مطابقتها المواصفات الدولية وحقوق الإنسان بشكل عام؛ و«أولها القانون المصري المنظم للعملية الانتخابية الذي نعمل وفق ضوابطه ولوائحه، مع الحفاظ على المعايير الدولية التي تضمن نزاهة الانتخابات، وكذلك نضع في الاعتبار مدونة السلوك الأخلاقية الصادرة عن الشبكة الدولية للحقوق والتنمية في متابعة سير العملية الانتخابية».
وأضاف الديب: «لم نرصد حتى هذه اللحظة أي تجاوزات في الدول التي أجريت فيها العملية الانتخابية، وكان التركيز الأساسي على نسبة المشاركين، حيث نهدف في المقام الأول والأخير إلى ضمان حق المصريين في الإدلاء بأصواتهم تجاه المرشح الذي يختارونه، وحقهم كذلك في إبطال الصوت، وهو ما سنتابعه أيضا في انتخابات الداخل خلال الأيام المقبلة».
من جانبه، أكد يان ليسكينين، ممثل الشبكة الدولية للحقوق والتنمية، وهي من المنظمات التي تراقب العملية الانتخابية، لـ«الشرق الأوسط» أن دور الشبكة الدولية «يكمن في ضمان عدة معايير دولية لنزاهة سير العملية الانتخابية ومنها الشفافية وحق التصويت لأي مرشح، وهو ما يجب أن يتبع من الدولة المصرية للمضي قدما تجاه النظام الديمقراطي الحقيقي الذي انتظره المصريون طويلا».
على صعيد متصل، استمر أمس وصول مراقبي الاتحاد الأفريقي من عدة دول أفريقية إلى مصر للانضمام لبعثة الاتحاد المشاركة في متابعة الانتخابات الرئاسية في الداخل. وقالت مصادر مسؤولة بوزارة الخارجية كانت في استقبال الوفد بالمطار: «وصل مراقب من جنوب أفريقيا على الطائرة المصرية الآتية من جوهانسبورغ، بينما وصل مراقب آخر على الطائرة الإثيوبية من أديس بابا، وثالث على الطائرة الإماراتية من دبي للانضمام لوفد وصل قبل يومين». وأوضحت المصادر أن وصول باقي مراقبي الاتحاد الأفريقي سيستمر خلال الأيام المقبلة.
وكان الاتحاد الأفريقي قرر المشاركة بنحو 43 مراقبا في الانتخابات مع عدد من المنظمات الدولية والإقليمية وهيئات المجتمع المدني، وسيجري توزيعهم على عدد من المناطق لمتابعة العملية الانتخابية من دعاية وتصويت وفرز وإعلان نتيجة لإصدار تقرير بشأن العملية الانتخابية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.