الإرهاب يستهدف فرنسا وقواها الأمنية من جديد

إصابة 6 جنود في بعملية دهس في ضاحية باريسية

وصول مروحية لإسعاف رجال الأمن عقب الاعتداء أمس (أ.ف.ب)
وصول مروحية لإسعاف رجال الأمن عقب الاعتداء أمس (أ.ف.ب)
TT

الإرهاب يستهدف فرنسا وقواها الأمنية من جديد

وصول مروحية لإسعاف رجال الأمن عقب الاعتداء أمس (أ.ف.ب)
وصول مروحية لإسعاف رجال الأمن عقب الاعتداء أمس (أ.ف.ب)

مجدداً، يضرب الإرهاب فرنسا في الصميم، ويستهدف للمرة السادسة في الأشهر القليلة الماضية، الأجهزة الأمنية المكلفة تحديداً بمحاربته وتوفير الأمن للمواطن الفرنسي. وبانتظار أن تنجلي تفاصيل وخلفيات عملية دهس مجموعة من الجنود في قلب ضاحية مدينة لوفالوا - بيريه، وهي ضاحية تقع على مدخل العاصمة الغربي، فإن الثابت أن فرنسا ما زالت في قلب العاصفة. وما دأب المسؤولون الحكوميون والأمنيون يحذرون منه وهو استمرار التهديد الإرهابي حقيقة واقعة وليست محاولة لحرف أنظار الفرنسيين ولا مسعى للاستغلال السياسي.
وعملية القبض على الجاني، المولود في عام 1980، والذي امتنعت السلطات الأمنية، حتى مساء أمس، عن الكشف عن هويته، قام بها أفراد من الشرطة الذين اضطروا إلى إطلاق النار على السائق وإصابته بعدة رصاصات، بعد أن حاول الفرار وعمد إلى صدم إحدى سيارات الشرطة؛ إلا أنها كشفت في وقت متأخر أمس أنه جزائري الجنسية، وغير معروف في مجال الإرهاب من قبل الأجهزة الأمنية، إلا أن هنالك مخالفة في حقه لدخوله غير الشرعي للأراضي الفرنسية.
وأفادت المصادر الأمنية بأن جروحه بليغة، وبأنه اقتيد للمستشفى للمعالجة. وباشرت العناصر الأمنية عملية دهم بحثاً عن متواطئين مع الجاني. وعلم أن شرطياً واحداً من الستة الذين تمت مهاجمتهم أصيب بالرصاص؛ لكن لم تعلم بدقة كيفية إصابته.الواضح أن مرتكب عملية الأمس يعرف جيدا مكان الحادث الذي وقع في شارع هادئ تحيط به حديقة ولا يبعد سوى 200 متر عن مركز بلدية لوفالوا - بيريه. وفي إحدى أبنية الشارع التابعة للبلدية، يستفيد أفراد القوة العسكرية منذ شهور من تسهيلات في المبنى المذكور، حيث يأتون إليه لتناول الطعام والراحة. وما يدل على معرفة الجاني التامة بالمكان أنه انتظر صباحاً لحظة التبديل بين مجموعتين من الجنود فتقدم بهدوء نحوهم.
وبحسب ما قاله عمدة المدينة باتريك بلقاني وشهود عيان، فإنه عمد إلى الإقلاع بسرعة فائقة نحو مجموعة الجنود التابعة لعملية «سانتينيل» المولجة دعم وتعزيز أجهزة الشرطة والدرك والحفاظ على الأمن في المراكز الأساسية والحساسة والأماكن العامة، وذلك منذ خريف عام 2017.
وأفاد أحد سكان المبنى أن السائق أصاب ثلاثة جنود في مرحلة أولى ثم ثلاثة آخرين لاحقا وأن العملية لم تدم سوى ثوانٍ عمد بعدها إلى الفرار من المكان باتجاه محور عريض للسير. والمرجح أنه لم يضع وقته فاتجه إلى الطريق السريع التي تصل العاصمة بالشمال الفرنسي ومنه إلى بلجيكا.
ليست المرة الأولى التي تنفذ فيها عملية دهس في فرنسا. ولعل أبرزها تلك التي قام بها التونسي محمد لحوج بوهلال في مدينة نيس الشاطئية ليل 14 يوليو (تموز) 2016 والتي أوقعت 86 قتيلا و458 جريحا على كورنيش المدينة المسمى «متنزه الإنجليز». لكن ما يميز عملية الأمس أنها استهدفت كوكبة من الجنود وأوقعت بينهم ثلاثة أصيبوا بجروح خطيرة فيما أصيب ثلاثة آخرون بجروح خفيفة.
وسارعت وزيرة الدفاع ووزير الداخلية لعيادتهم في مستشفى بيجين، الواقع في ضاحية سان مانديه (منطقة فال دو مارن). وأعلن رئيس الحكومة أدوار فيليب عصر أمس أن حياة العسكريين الثلاثة «لم تعد في خطر».
من جهته، قال وزير الداخلية جيرار كولومب، في تصريح مقتضب للصحافة، قبل القبض على المشتبه به، إن ما حصل «عمل متعمد وليس حادثا عاديا». وأفاد الوزير بأن سيارة الجاني كانت تتقدم ببطء إلى أن وصلت إلى بعد 5 أمتار من كوكبة الجنود ثم زادت سرعتها لدهس هؤلاء. كذلك قال عمدة لوفالوا - بيريه باتريك بلقاني إنه «بلا شك عمل متعمد» وأن من ارتكب العملية كان على ما يبدو «ينتظر» خروج الجنود لمهاجمتهم. ويبدو أن السلطات السياسية والأمنية متأكدة من الطبيعة الإرهابية لهجوم الأمس، والدليل على ذلك أن النيابة العامة المتخصصة بشؤون الإرهاب هي من تولى الملف وعمدت إلى فتح تحقيق قضائي تحت عنوان «محاولة اغتيال استهدفت ممثلين للسلطات العمومية على علاقة بمشروع إرهابي». وأوكل التحقيق إلى الأجهزة الناشطة في ميدان مكافحة الإرهاب.
في المائة يوم الأخيرة، تعرضت القوى الأمنية لثلاثة اعتداءات إرهابية. ففي عشرين أبريل (نيسان) الماضي، قتل رجل شرطة في جادة الشانزليزيه. وفي 6 يونيو (حزيران)، هوجمت دورية شرطة أمام كاتدرائية نوتردام في باريس. وفي التاسع عشر من الشهر نفسه، حاول مهاجم تفجير السيارة التي كان يقودها بعربة نقل تابعة لقوى الدرك على جادة الشانزليزيه أيضا.
وبانتظار الحصول على معلومات إضافية من الجاني إذا بقي على قيد الحياة وأن ينجز التحقيق تقدما، فإن ثمة مجموعة من التساؤلات مطروحة وأولها يتناول اختيار لوفالوا - بيريه لارتكاب هذه العملية. لعل اختيار الجاني لها على علاقة بأنها تحتضن مجموعة من مقرات الأجهزة الأمنية، أبرزها الإدارة العامة للأمن الداخلي أي عمليات المخابرات الداخلية المولجة تحديدا محاربة الإرهاب في الداخل.
أما الأسئلة الأخرى فتتناول بالطبع دوافع الجاني وسوابقه معرفة ما إذا كان قد تصرف بمفرده أو هو على علاقة مع جهات خارجية طلبت منه التحرك. فضلاً عن ذلك، سيكون على المحققين أن مسألة تلقيه مساعدة لوجيستية محتملة.
وأفادت أجهزة الشرطة بأن سيارة الجاني التي استخدمها في عملية الدهس تم استئجارها وأنه عمد إلى صدم عدة سيارات للشرطة، محاولا الإفلات منها على الطريق السريع الذاهب إلى شمال فرنسا، الأمر الذي دفع بالشرطيين إلى فتح النار وإصابته.
ككل مرة، سارعت الحكومة والطبقة السياسية إلى التنديد بالعملية وإلى الإعراب عن تضامنها ووقوفها إلى جانب القوى الأمنية التي تدفع ضريبة حماية المواطنين. وقد حصل الهجوم قبل أقل من ساعتين من آخر اجتماع لمجلس الوزراء الفرنسي قبل مباشرة المسؤولين لعطلهم الصيفية، بحيث سيغيب رئيسا الجمهورية والحكومة ومعهما الوزراء والنواب حتى أواخر الشهر الجاري. وككل مرة، يطرح المحللون مسألة استمرار العمل بحالة الطوارئ ومدى فعاليتها في منع أعمال إرهابية. وفي الأسابيع الأخيرة، عمدت الحكومة إلى تقديم مشروع قانون إلى البرلمان من شأنه تعزيز صلاحيات القوى الأمنية وغرضها أن تضمنه ما يكفي من الإجراءات والتدابير التي ستتيح لاحقا وضع حد لحالة الطوارئ التي فرضت منذ خريف عام 2015. ومبدئيا سيستمر العمل بحالة الطوارئ حتى الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم. وكانت الحكومة تخطط لوضع حد لها في هذا التاريخ.
لا شك أن اعتداء الأمس الذي لا تساور السلطات بشأنه الشكوك لجهة كونه عملا إرهابيا سيدفع بالحكومة إلى إعادة النظر بخططها الأمنية. وتجدر الإشارة إلى أنه بموجب حالة الطوارئ، توفر القوات المسلحة وتحديدا قوات المشاة ما يزيد على 7 آلاف عنصر لرفد وإسناد قوى الشرطة والدرك والأجهزة الأمنية الأخرى. ومن جانب آخر، فإن العملية الأخيرة ستعيد طرح موضوع خفض ميزانية القوات المسلحة الذي أقرته حكومة أدوار فيليب عملا بتوجيهات الرئيس إيمانويل ماكرون.
وقد أفضى ذلك إلى نشوب «أزمة ثقة» بين ماكرون وبين القائد السابق للأركان الجنرال بيار فيليه الذي اعتبر التدبير «غير مناسب» بسبب الالتزامات الكبرى للقوات الفرنسية داخل الأراضي الفرنسية «عملية سانتينيل» وخارجها في سوريا والعراق وبلدان الساحل الأفريقي. وحسمت الأزمة التي أبرز فيها ماكرون عضلاته الدستورية باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة باستقالة الجنرال فيليه التي كانت إقالة مقنعة. وفي أي حال، فإن الرئيس الفرنسي أشار يوم 14 يوليو الماضي بمناسبة العيد الوطني الفرنسي إلى الحاجة لـ«إعادة النظر بالعمق» بهندسة عملية «سانتينيل» بحيث تتلاءم مع تطور التهديد الإرهابي.
وخلال الحملة الرئاسية، طغى الملف الأمني وارتباطاته بالهجرة والإرهاب على المناقشات السياسية. لكن الطبقة السياسية أمس أبدت الكثير من التحفظ في تعليقاتها وركزت على الإعراب على التضامن مع القوى الأمنية والقوات المسلحة ومن غير التفريط بالحادث لتوجيه الانتقاد لخطط الحكومة التقشفية الخاصة بوزارتي الدفاع والداخلية. واللافت أمس أن الرئيس ماكرون بقي بعيدا عن الواجهة الإعلامية تاركا لرئيس الحكومة والوزيرين المختصين (الداخلية والدفاع) مهمة التوجه إلى المواطنين ربما بانتظار توافر معلومات إضافية.
وفي أي حال، فإن الملف الإرهابي يأتي ليضاف إلى ملفات داخلية أخرى متفجرة (الضرائب، تعديل قانون العمل) التي تنتظر الرئيس وحكومته مع عودة النشاط إلى الدوائر الرسمية بداية الشهر القادم. ولا يستبعد أن تثار أيضا مسألة سياسة فرنسا الخارجية ودورها في محاربة الإرهاب، أكان ذلك في بلدان الساحل أم في سوريا والعراق. وإذا ما تبين أن الجاني كان معروفا لدى الأجهزة الأمنية، فإن مسألة السياسة التي تتبعها الحكومة في الموضوع الأمني والتعاطي مع المتطرفين أو الذين قد يشكلون خطرا إرهابيا ستثار مجددا وعلى نطاق واسع.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended