«جبال» من القمامة في شوارع دمشق... والأرصفة بيوت الفقراء و{قصور} المتنفذين

سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)
سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)
TT

«جبال» من القمامة في شوارع دمشق... والأرصفة بيوت الفقراء و{قصور} المتنفذين

سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)
سيارات عامة وخاصة في شوارع دمشق (أخبار دمشق)

اتسعت في مدنية دمشق مشاهد تراكم النفايات في الأحياء الراقية والفقيرة وانتتشار الأوساخ في الطرقات، وطغت رائحة شبكات الصرف الصحي على رائحة الياسمين الذي عرفت به العاصمة السورية، إضافة إلى ترسخ ظاهرتي التشرد والتسول في الطرقات وارتفاع أعدادها إلى أضعاف مضاعفة بسبب الفقر.
وتُعد دمشق التي تعرف بأسماء كثيرة منها «الشام» و«الفيحاء» و«مدينة الياسمين»، أقدم مدينة مأهولة في العالم، حيث يعود تأسيسها إلى نحو تسعة آلاف سنة قبل الميلاد، وأقدم عاصمة في التاريخ. وهي عاصمة لسوريا منذ عام 635 وتمتد مساحتها إلى نحو 105 كيلومترات مربعة. وتقع فيها مدينة دمشق القديمة المحاطة بسور تاريخي، وتمتاز بأبنيتها المشيدة بأسلوب العمارة الدمشقية الشهيرة، وبطرازها الفريد، وبأوابدها العائدة لعصور قديمة، وأماكنها المقدسة من جوامع وكنائس تعد رمزاً للديانات، ومدارس تاريخية، ومقامات وأضرحة وقصور.
طرقها مسحورة ومسكونة بعبق التاريخ، مشى عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقديسون والملوك والقادة والعلماء والعظماء من صناع التاريخ، مما جعلها محط اهتمام الأدباء والشعراء والرحالة ونُظم في وصفها كثير من النصوص الشعريّة والأدبيّة، وتُحولها إلى مقصد ثقافي وسياسي وسياحي مهم، وتسجيلها على لائحة التراث العالمي لمنظمة «يونيسكو» في عام 1979.
وإن كانت المدينة القديمة، تعتبر أساس دمشق التاريخي، فإن ضواحي وأحياء بدأت بالنشوء حولها في النصف الثاني من القرن العشرين، فزحف العمران نحو سفوح جبل قاسيون وبساتين غوطة دمشق. وباتت أحياء مستقلة عنها تعتبر جزءًا منها، مثل برزة، وجوبر، والمزة، ومشروع دمر، وكفر سوسة، وأبو رمانة، والزاهرة، والتضامن... حتى أصبحت المدينة تقسّم إلى 15 منطقة، تضم 95 حياً، ملتصقة بضواحي حديثة النشوء تتبع إداريا محافظة ريف دمشق، منها جرمانا وأشرفية صحنايا، والبعض الآخر مدن تاريخية مثل دوما وعربين.

شوارع وأوساخ
في شوارع وسط المدينة، أكثر ما يلفت الانتباه في الأعوام الثلاثة الماضية، التشويه الذي أصابها، مع ازدياد عدد «الأكشاك» و«البسطات» المنتشرة على الأرصفة إلى عشرات أضعاف ما كانت عليه، وشغلها لمعظم مسافة عرض الرصيف، مع «تكرّم القائمين» عليها بالإبقاء للمارة على مسافة بين متر إلى متر ونصف، ليتدافعوا من أجل المرور وخصوصا المستعجلين منهم، أو السير على الطريق وتعريض أنفسهم لخطر السرعات الجنونية لكثير من السيارات مع عدم تقيد عناصر تنظيمات موالية للنظام بـ«آداب القيادة»، وذلك وسط محاولات كثيرة قامت بها محافظة دمشق لإزالة تلك «الأكشاك» و«البسطات»، لكنها وفي كل مرة كانت تبوء بالفشل في مؤشر على مدى النفوذ الذي يتمتع به أصحابها، الذين غالبا ما يكونون ضباط أمن، وإصرارهم على بقائها نظرا لما تدر عليهم من أموال طائلة.
الحال هذه، تؤدي إلى امتلاء حاويات القمامة المتوسطة الحجم والموزعة في الطرقات بسرعة فائقة بمخلفات تلك «الأكشاك» و«البسطات»، وانتشار تلك الأوساخ من عبوات عصير وماء ومغلفات وبقايا المأكولات بكثافة على الأرصفة وجانبي الطرقات ومنصفاتها. وكل ذلك وسط حال من اللا مبالاة من محافظة دمشق المعنية بنظافة المدينة، بحجة أنها «لم تعد تمتلك الإمكانات الكافية، بسبب الحرب» التي باتت بالنسبة للنظام «شماعة» يبرر من خلالها تقصيره وإفلاسه.

قصور على الأرصفة
لا يقتصر الأمر على ذلك. وإضافة إلى مئات الحواجز المنتشرة في الشوارع والكتل الإسمنتية التي وضعها عناصر جيش النظام والأمن والميليشيات لتقسيم الطريق الواحدة إلى «مسرب مدني» و«مسرب عسكري» لمرور السيارات، بات العامة من الناس وزائر المدينة يشاهد ما يمكن أن يطلق عليه «فيلات (قصور) الأرصفة» التي أقامها رؤساء تلك الحواجز، ليس فقط للإشراف على عملها اليومي، بل للإقامة بها مع عوائلهم بشكل دائم، ذلك أنه يجري تجهيزها بأحدث المفروشات والخدمات من مطابخ وحمامات. الكثير منها يحتوي على أكثر من غرفتين، عدا عن البذخ الفائق على مظهرها الخارجي.
وما يزيد طين تشويه الطرقات بلة، قيام عناصر جيش النظام والأمن والميليشيات بإحاطة مباني المؤسسات والوزارات التابعة لها والخاصة بكتل إسمنتية كبيرة تأخذ مسافة 50 في المائة من الطريق أحيانا بذريعة الدواعي الأمنية، وبنشر إطارات السيارات ولمسافات طويلة في الطرق، وذلك القسم القريب من الأرصفة، لمنع السيارات من المركون فيها. ومع الترهل الكبير الذي أصاب أغلب مؤسسات النظام ومنها مؤسسة الكهرباء، باتت عمليات الإصلاح التي تجريها الأخيرة «شكلية» غير كاملة، وما يدل على ذلك بقاء أغلب الحفريات دون ردم بعد عملية الإصلاح، وترك الكابلات خارجها في الطرقات، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الأتربة والغبار في الطرقات وتشويهها وتعريض المارة للخطر، عدا عن الصعوبة التي يواجهونها في عملية المرور وتعرض كثير منهم بشكل يومي للسقوط.
ورغم أنّ دمشق معروفة، بأنها مدينة النور، والكهرباء دشنت فيها منذ عام 1907، أضحى كثير من سكانها وزوارها يطلق عليها «مدينة الظلام» في فترات التقنين، بسبب انقطاع التيار الكهربائي.
في المدينة القديمة، التشويه البصري كبير في معظم أحيائها، ويبدو أن وراء الأكمة ما وراءها، مع سيطرة ميليشيات إيرانية وعراقية ومواصلتها السعي لتغيير المعالم التاريخية، عبر شراء البيوت الدمشقية القديمة من مالكيها الدمشقيين وتهجيرهم والحلول مكانهم، لدرجة أنها باتت تبدو للزائر أنها «قم الثانية»، بعدما كانت في يوم من الأيام عاصمة الدولة الأموية، وسط حالة خوف لدى الدمشقيين في ظل سياسة التهجير القسري والتغيير الديموغرافي المتبعة من قبل النظام.
في حي الميدان العريق الواقع في جنوب المدينة القديمة، ويحوي على بيوت دمشقية تقليدية كبيرة وقديمة تتميز بطرزها المعمارية الجميلة الشعبية وأرضيات مرصوفة بالحجر الأزرق والأسود، يلاحظ الزائر أن هناك عدداً من البيوت تكاد تسقط على رؤوس ساكنيها بسبب ترهلها، وعدم قدرتهم على ترميهما بسبب غلاء المعيشة، وسط معلومات تفيد بامتناع النظام عن مساعدة مالكيها في ذلك وتقديم نافذين فيه يعتقد أن لهم علاقة وطيدة مع إيران عروض لهم للبيع لحساب أو تحويلها إلى مطاعم للسهر والمجون. وبات شائعاً مشاهدة أرصفة في أحياء دمشق القديمة مثل القنوات والقيمرية والعمارة وباب توما والأمين وخان أسعد باشا... بلا أحجار رصف بعد أن خلعتها ورشات الإصلاح لصيانة شبكات الكهرباء والصرف الصحي وترك الأحجار دون إعادتها.
أسواق دمشق الشعبية التي تحيط الجامع الأموي كالسوار في معصم النساء، لم تسلم من التشويه. وفي أبريل (نيسان) العام الماضي التهم حريق ضخم منتصف الليل يعتقد أنه مفتعل معظم محال سوق العصرونية الواقع وسط منطقة أثرية تشهد إقبالاً كبيراً من دارسي الآثار والسياح، وسط توجيه أصابع الاتهام للنظام وإيران، خصوصاً أن عروضاً كثيرة سبقت الأشهر الأخيرة من قبل ضباط إلى أصحاب هذه المحلات ويعرضون عليهم مبالغ ضخمة مقابل بيعها لهم، لكن أحداً من التجار لم يبِع.
وطاول التشويه أيضاً نهر بردى الرمز الأهم في تاريخ المدينة والذي ذكره المؤرخون والشعراء وتغنى به المغنون، ذلك أنه تحوّل إلى مجرى هزيل روائحه تزكم الأنوف والتلوث فيه كبير جداً إلى درجة ظهور الأوساخ الصلبة على سطحه وأصبح مجرى للصرف الصحي!

تلال من النفايات
في المناطق والأحياء المحيطة بدمشق قصص أخرى. وفي «حي الزهور» جنوب شرقي العاصمة، أكثر ما يلفت الانتباه في سوق الخضراوات، هو مشهد تراكم كميات كبيرة من «القمامة» ليومين أو ثلاثة وحتى أربعة في المكان الذي وضعت فيه نحو ثلاث حاويات وانتشار الكميات الزائدة عن طاقة الحاويات الاستيعابية حولها لدرجة تغطيتها على الحاويات. وتشكل تلاً من النفايات تحوم فوقه شتى أنواع الحشرات، بينما ترشح من تحته مياه ملوثة وتنساب إلى منتصف الطريق، لتنبعث منها روائح كريهة، مع غياب كامل لحملات رش المبيدات الحشرية التي يفترض أن تقوم بها المحافظة، للقضاء على القوارض والحشرات المؤذية.
ورغم عشرات الشكاوى وربما المئات التي يقدمها الأهالي للبلديات، فإن الوعود والكلام المعسول الذي ملأ آذانهم لم يغير من واقع الحال شيئاً، بل على العكس تماماً، فالخط البياني لمشكلتهم آخذ بالارتفاع. البعض من الأهالي يأخذ على وسائل الإعلام الرسمية «انشغاله بنفايات لبنان لأنها نفايات خمس نجوم، وإعلامنا يتابعها لحظة بلحظة، أما نفايات البلد فهي مشكلة شخصية على أغلب الظن، ولسنا بصدد الاهتمام لمثل هذه التفاهات»، بحسب معارض في دمشق.
كانت كمية النفايات قبل الحرب في مدينة دمشق وحدها تصل من ألفي إلى ثلاثة آلاف طن يومياً، فيما وصلت اليوم إلى ستة آلاف طن بسبب ورود نفايات ضواحي دمشق إليها، وخروج مكبات النفايات في المناطق المتوترة عن الخدمة، مما أدى إلى تردي وضع النظافة في سوريا بشكل عام.
ويبرر مسؤولون حكوميون التقصير في تقديم خدمات النظافة بـ«تناقص عدد الآليات المخصصة لذلك جراء الحرب، ونقص الكادر البشري منذ نهاية عام 2010 وحتى نهاية عام 2015 لأسباب كثيرة منها بلوغ البعض السن القانونية، إضافة إلى الوفيات والاستقالات، حيث بلغ تناقص العمال خلال الفترة المذكورة نحو 1900 عامل أي ما يعادل 30 المائة من مجموع عدد العمال». ويبررون تقصيرهم أيضاً بزيادة عدد سكان المدينة بسبب عمليات النزوح، حيث وصل عدد سكان المدينة بحسب تصريحاتهم إلى 8 ملايين نسمة بعد أن كان عدد سكان المدينة وريفها قبل الحرب 4 ملايين و400 ألف نسمة.
وأما في ضاحية جرمانا شرق العاصمة، اعتاد الأهالي في حي الروضة على مشهد بحيرة من مياه الصرف الصحي والروائح الكريهة، جراء انسداد الشبكة وتركها دون إصلاح منذ عدة أشهر، حيث يصعب السير في هذا الطريق ليس للأشخاص فقط وإنما للسيارات أيضاً.عدا عن ترك كثير من فتحات الصرف الصحي دون أغطية، مما يشكل خطر السقوط فيها على المارة وخصوصا الأطفال.

أرصفة فنادق النازحين
وفي ظل حالة الفقر المدقع الذي باتت أغلب الأسر تعاني منه، وتأكيد التقارير والدراسات، أن 86 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، يلفت للانتباه ترسخ ظاهرتي التسول والتشرد في معظم شوارع ومناطق دمشق وريفها. ولم يعد يخلو شارع من الشوارع والساحات والحدائق من انتشار عشرات المتسولين سواء الأطفال أو كبار السن من النساء والرجال، أغلبهم دفعتهم الحاجة للتسول، وآخرون امتهنوا العمل به من خلال استغلال تعاطف الناس معهم.
فما إن يقف المرء عند إشارة مرور حتى يهرع إليه ثلاثة أو أربعة أطفال ليمسحوا له زجاج السيارة، وليأخذوا بعد ذلك منه ما تسمح به نفسه، بينما يتخذ كثير من كبار السن مراكز لهم في المناطق المزدحمة يجلسون فيها على الأرض، ويطلقون بصوت عالٍ عبارات لاستعطاف المارة من أجل إعطائهم شيئاً من المال أو الطعام. وما يعكس مدى الحال التي وصلت إليها كثير من العائلات النازحة، اتخذ كثيرون الأرصفة «بيتاً دائماً». وما إن يقترب القادم من جنوب دمشق ليلاً من دوار باب مصلى حتى يشاهد عائلة تفترش عدداً من «البطانيات» على الأرصفة وتنام عليها وحولها عدد من عبوات الماء وبقايا الخبر.
في الفترة الأخيرة، شنت قوات النظام حملة شعواء على إشغالات الرصيف وحتى لوقف محلات مؤقتة لبيع الخضراوات على الأرصفة. لكن الحملة طاولت فقط الفقراء وليس المتنفذين من القريبين من المسؤولين.



تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.


حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
TT

حضرموت تشدد قبضتها الأمنية في مواجهة السلاح المنفلت

صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)
صرامة في تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

واصلت قوات «درع الوطن» اليمنية تعزيز حضورها الأمني في ساحل ووادي حضرموت، ضمن تحركات ميدانية واسعة تستهدف ضبط السلاح غير المرخص، وملاحقة محال بيعه، ومنع حمله والتجول به داخل المدن والمناطق السكنية، في إطار مساعٍ متواصلة لترسيخ الاستقرار، وفرض هيبة النظام، وتوسيع مظلة الأمن في واحدة من أكثر المحافظات اليمنية أهمية على المستويين الأمني والاقتصادي.

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة أمنية متكاملة تستند إلى الانتشار الميداني، وتكثيف الحملات التفتيشية، ومداهمة المواقع المشبوهة، إلى جانب إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، في رسالة واضحة بأن السلطات الأمنية ماضية في إنهاء مظاهر التسلح العشوائي، وتجفيف منابع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخائر.

وفي وادي حضرموت، نفَّذ اللواء الثاني التابع للفرقة الثانية في قوات درع الوطن حملة أمنية واسعة لمنع حمل السلاح غير المرخص ومصادرته بشكل كامل، شملت المدن الرئيسية والثانوية، وذلك بناءً على توجيهات قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء فهد بامؤمن.

قوات «درع الوطن» اليمنية عززت قبضتها الأمنية في حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

ووفقاً لما أعلنته قيادة الحملة، فإن الأطقم العسكرية تواصل انتشارها الميداني في مختلف مدن ومناطق الوادي، حيث تنفذ عمليات مداهمة للمحال المخالفة، وتضبط حاملي السلاح غير المرخص، وتصادر المضبوطات، تمهيداً لإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.

وأكدت قيادة الحملة أن الهدف الرئيسي يتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، وفرض هيبة النظام، وحماية السكان من تداعيات انتشار السلاح داخل الأحياء السكنية، مشددةً على أن حمل السلاح داخل المدن بات يمثل تجاوزاً مرفوضاً وخطاً أحمر لن يكون هناك أي تهاون في التعامل معه، مع تأكيد التعامل بحزم مع كل من يخالف التعليمات أو يحاول الالتفاف عليها.

ملاحقة تجارة السلاح

في امتداد لهذه الحملة، واصل اللواء الخامس في الفرقة الثانية بقيادة العقيد عماد الحدادي تنفيذ عملياته الأمنية في مدينة سيئون، حيث أعلن ضبط ومصادرة عدد من الأسلحة غير المرخصة، وإحالة المضبوطين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

كما كانت الفرقة الثانية، بقيادة مساعد القائد الرائد أحمد الديني، ورئيس عمليات اللواء الثاني المقدم صادق المنهالي، قد نفَّذت حملة أمنية واسعة استهدفت مديريتي القطن وحوره، وشملت مداهمة مواقع مشبوهة، إلى جانب محال تبيع الأسلحة والذخائر بصورة غير قانونية.

وأسفرت تلك الحملة عن مصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، وإغلاق عدد من المحال المخالفة التي تمارس تجارة السلاح دون تراخيص، في خطوة تعكس توجهاً أمنياً واضحاً نحو ضرب شبكات الاتجار بالسلاح عند منابعها، وليس فقط الاكتفاء بضبط حامليه في الشوارع والمدن.

إجراءات تفتيش دقيقة لمنع تهريب الأسلحة والذخائر في وادي حضرموت (الإعلام العسكري اليمني)

وأوضحت قيادة الفرقة الثانية أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية محكمة لاجتثاث ظاهرة حمل السلاح العشوائي، والقضاء على أوكار تجار السلاح، ومنع المظاهر المسلحة التي تشكل تهديداً مباشراً لأمن المديريات واستقرارها، مؤكدة استمرار الحملات خلال الأيام المقبلة لملاحقة كل من يعبث بالأمن العام.

وبالتوازي مع هذه الحملات، واصلت الأجهزة الأمنية في وادي حضرموت تعزيز حضورها المؤسسي في مواجهة الجرائم المنظمة والجنائية، حيث أحالت الإدارة العامة للأمن والشرطة 15 متهماً إلى النيابة الجزائية المتخصصة، على ذمة قضايا جنائية جسيمة جرى ضبطها والتحقيق فيها خلال الشهر الحالي والذي سبقه.

وشملت القضايا المحالة ستة متهمين في قضايا مخدرات، وستة آخرين في قضايا اختطاف، إضافة إلى متهمين في قضية تتعلق بالإضرار بالاقتصاد الوطني، إلى جانب مطلوب للنيابة العامة، وذلك بعد استكمال التحقيقات وجمع الاستدلالات، وتسليم ملفات القضايا مع المضبوطات وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

رفع الجاهزية

في ساحل حضرموت، دشن قائد لواء «الريان» العميد الركن خالد التميمي، الدورة التنشيطية الأولى لمنتسبي اللواء ضمن الخطة التدريبية للعام الحالي، في خطوة تستهدف توحيد المفاهيم العسكرية، وتعزيز الجاهزية والانضباط، ورفع كفاءة الأداء الميداني.

وأكد التميمي خلال افتتاح الدورة أهمية ترسيخ المفاهيم العسكرية الصحيحة، ورفع مستوى الحس الأمني لدى الأفراد، والالتزام بالتفتيش الدقيق للمركبات، واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة، بوصفها أدوات أساسية في حفظ الأمن ومنع أي تهديدات محتملة.

كما شدد على أهمية العمل بروح الفريق الواحد، وتعزيز روح الزمالة والانضباط بين الأفراد، بوصف ذلك أحد المرتكزات الأساسية لنجاح الوحدات العسكرية في أداء مهامها بكفاءة ومسؤولية، مع التعهد بمواصلة البرامج التدريبية بما يضمن رفع جاهزية القوات لمواجهة مختلف التحديات.

خفر السواحل اليمني في مبادرة لتنظيف حوض ميناء المكلا (الإعلام العسكري اليمني)

في سياق متصل، نفذت قوات خفر السواحل مبادرة ميدانية لتنظيف حوض ميناء المكلا، بالتزامن مع الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من عناصر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بهدف إزالة المخلفات البحرية من قاع الحوض، والحفاظ على البيئة البحرية وصون نظافة السواحل والموانئ.

وأكدت قيادة خفر السواحل أن ما تحقق من تطوير في قدراتها، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية، من خلال تزويدها بزوارق حديثة ومنظومات اتصالات متطورة، أسهم في تعزيز قدرتها على تأمين السواحل وحماية الأمن البحري، إلى جانب توسيع مساهمتها في المبادرات البيئية والخدمية المرتبطة بالمصلحة العامة.

Your Premium trial has ended


تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».