أحلام النساء في الغرب والمتاجرة بجين أوستن

الذكرى المئوية الثانية لرحيل صاحبة «الكبرياء والهوى» فرصة للكسب؟

جين أوستن
جين أوستن
TT

أحلام النساء في الغرب والمتاجرة بجين أوستن

جين أوستن
جين أوستن

لا تكاد تخلو صحيفة أو مجلة في الغرب هذه الأيّام من مقالة عن الروائيّة الإنجليزيّة جين أوستن (1775 – 1817). صدر عنها وعن تجربتها أكثر من عشرة كتب مهمة هذا العام فحسب، وهنالك أخرى على الطريق. طبعات جديدة من كل رواياتها الست بالإضافة إلى نسخة الأعمال الكاملة التي تحتل واجهات المكتبات في المملكة المتحدة حيث يتوقع الخبراء أن تتجاوز المبيعات هذا العام حاجز المليون نسخة قبل انتهاء موسم الصّيف. عدد كبير من الأفلام والمسلسلات التي قدّمت رواياتها واستعرضت حياتها عادت للتداول بكثافة غير معهودة على الشاشات.

مهرجانات متوازية بأنشطة كثيفة للاحتفال بجوانب من سيرة جين أوستن تتنافس على امتلاك (جين أوستن): مسقط رأسها في مقاطعة هامبشير، وحيث قضت شطراً مهماً من حياتها في مدينة باث، وأيضاً وينشيستر حيث ماتت ودفنت. الرّسم الوحيد لوجهها - من ريشة شقيقتها كاساندرا - معلّق داخل متحف البورتريهات الوطني بلندن. تحول بيتها إلى مزار، وتُنظّم مؤتمرات على شطري الأطلسي لمناقشة وتحليل المحتوى الفكري والفلسفي والاجتماعي لرواياتها. تضاعف عدد أعضاء الجمعية الأميركيّة لجين أوستن حتى زادت فروعها عن الثلاثين عبر الولايات المتحدة. بل إن بنك إنجلترا المركزي أعلن إصدار ورقة نقديّة من فئة العشرين جنيه إسترليني تحمل صورتها ونصاً على لسان إحدى شخصياتها بخصوص متعة القراءة (كانت قد تقاضت من ناشرها مقابل أوّل عمل روائي قدمته للمطبعة).
ليس في حياة جين أوستن ما يستحق بالفعل كل هذا التمجيد. فهي بالكاد عاشت أربعة عقود من العمر. وبالرغم أن ثيمة رئيسية طبعت نهايات أعمالها بأجواء الزواجات الرومانسيّة السعيدة إلا أنها لم تتزوج قط، ومع أنها بدأت تكتب منذ العام 1789 إلا أنها لم تنشر أيّاً من أعمالها قبل العام 1811 ليخطفها مرض غامض أنهكها آخر أيامها، فلم تتح لها فرصة تطوير تجربتها الأدبية إلى منتهاها. وحتى وصفها بأنها مُبدِعَة (الواقعيّة الاجتماعيّة) يبدو فارغاً من المضمون اليوم بعد أن تبدلت الوقائع والأزمنة ولم تعد تلك الواقعيّة ذات قيمة فعليّة سوى ربما للمؤرخين الاجتماعيين المعنيين بفترة الوصاية على العرش بين تنحي الملك جورج الثالث وتولي الملك جورج الرابع عرش المملكة المتحدة، كما أن أسلوبها النثري - على ألمعيته - قد لا يؤهل رواياتها للوصول إلى الكلاسيكيّة وفق كثير من النقّاد أقلّه مقارنة بروائيين من جيلها.
فما السّر إذن في هذا الاحتفاء - الأسطوري - بشخص الروائيّة وكيف يمكن أن نفسّر تلك الشعبيّة المتزايدة والإقبال غير المسبوق على أعمالها في القرن الحادي والعشرين، حيث لم يعد هذا العالم يشبه عالمها البتة، حتى أن الرواية نفسها كعمل أدبي باتت معرضة للاندثار بسبب التقدّم التكنولوجي الذي غيّر طبيعة تلقي الترفيه والمعلومات بشكل جذري. وكيف نجحت المنظومة الرأسماليّة في تسليع جين أوستن وتحويلها إلى أيقونة قادرة على استقطاب المعجبين وتنتج أرباحاً متزايدة لمجموعة متقاطعة من الناشرين والمؤسسات وحتى البلديّات في بريطانيا؟
تركت أوستن ست روايات: (العقل والعاطفة)، (مانسفيلد بارك)، (إيما)، (إقناع) و(دير نورثانجر) وأشهرها (كبرياء وهوى) وكلّها رومانسيّة الطابع كوميديّة المزاج عن صبايا من الطبقة الوسطى البريطانيّة مطلع القرن التاسع عشر في رحلة بحثهن (الخطرة) عن أزواج مناسبين. الخطورة هنا متأتية كونَ قيم تلك المرحلة وظروفها الاجتماعيّة كانت تمنح النّساء فرصة واحدة وحيدة للظفر بسعيد الحظ وإلا انتهين - إن هنّ أسأن الاختيار - وحيدات وفقيرات. السرد الأدبي في الروايات الست متمكن ومتماسك، وأعمالها بمجموعها كان لها دور محوري في تطوير المنتج الروائي الذي أصبح عشيّة تطوّر الرأسماليّة الصناعيّة البريطانيّة بمثابة التسلية الوحيدة تقريباً لأبناء الطبقة الوسطى لا سيما النساء. لكن ما يُضفي على إرثها المكتوب تلك الهالة أمر يبدو أعمق من مجرد تماسك النثر الأدبي للروائيّة، وعلى نحو ما يمكن القول بأننا أعدنا إنتاجها كجين أوستن معاصرة بما يوافق هوانا وتطلعاتنا في الزمن الراهن. فهي تقدّم في رواياتها تصويراً لقيم الطبقة البرجوازيّة الصاعدة وقتها في المجتمع البريطاني، مما يساعد الأفراد على تحليل ذواتهم وفق مسطرة أخلاقيّة متعالية، في وقت تراجع الديّن كمصدر للقيم العامة، وتمايزت الطبقة في مساحة وسطى بين الأرستقراطيّة الباذخة والفلاحين المهمشين، فأفرادها ليسوا أثرياء بما يكفي لتجاوز القلق من تدبير أمور العيش، لكنّهم في الوقت ذاته ليسوا معدمين وبإمكانهم التمتع ببعض الترفيه والأجواء الصاخبة.
على عكس النهج المعاصر في الرواية - الذي يعطي القارئ الرّخصة للتغلغل في عقل وسيكولوجيا الشخصيات كي يدرك ما يعتمل في عقولها بينما هي تتعامل مع الأحداث - فإن شخصيات أوستن بقيت مساراتها دوماً طوع يد مؤلفتها تتحكم بها كما تشاء وتقيّم سلوكها فيما يشبه المحاكم الأخلاقيّة التي ترسم من خلالها حدوداً لما ترى أنه يشكل السلوك الإيجابي وتفرض عليها نهايات سعيدة غير متوقعة، دون السماح مطلقاً لها بالتطور تلقائياً من سياق النص. ولذا فأوستن تقدّم لقرائها المعاصرين - الذين لا يزالون برجوازيين وتهيمن على وعيهم القيم البرجوازيّة تماماً كما كان أسلافهم قبل مائتي عام من اليوم - ما يشبه خريطة أخلاقيّة متكاملة توجههم في بحثهم عن ذواتهم وكيف يمكن أن يعيشوا أيّام حياتهم القلقة - من دون الخروج ولو للحظة عن السرد الأدبي إلى الوعظ الأخلاقي المباشر. ومع أن بعض المعجبين بجين أوستن حاولوا تصويرها كشخصية متمردة ثائرة على قيم مجتمعها البطركية وناقدة لها بعين خبيرة، إلا أن حقيقة شخصياتها جلها تعمل ضمن المنظومة القائمة، ولم تَدع مطلقاً للتمرد أو كسر الأقفاص، بل كانت غايتها البحث عن مساحات في قلب الظلام للجوء إليها بمواجهة الواقع القاتم حتى من دون طرح إمكانيّة التفكير في هز أسس الوضع القائم.
كما أن أوستن غير مؤهلة حقيقة لتقديم دور الشخصيّة النسويّة التقدميّة، فكل خطاباتها تكريس للثقافة القائمة في عصرها، ثقافة تقمع المرأة وتحاصرها وتفرض عليها قوالب مجهّزة في كيفيّة التصرف بالإطار العام. وحتى على الصعيد العنصري هي تتجاهل العبوديّة بوصفها مصدر ثراء المجتمعات المبهرجة التي هي مسرح رواياتها حتى وصفها إدوارد سعيد بأنها جزء من ثقافة الكولونياليّة البريطانيّة وأنها يجب أن تدان لا أن يرحّب بها. مع ذلك كله نجحت أوستن بالاحتفاظ بتواصل استثنائي مع قلوب النساء - المعاصرات على وجه التحديد - إذ إن التطور الاجتماعي - في الغرب على الأقل - جعل مسألة التقاء النساء بأزواج محتملين مسألة في غاية البساطة والسهولة، وأخرجهن من وصمة الزواج أو العلاقات السابقة التي كانت أيام أوستن كافية لتدمير سمعة المرأة حتى نهاية حياتها. لكن ذلك أفقدهن تلك الحالة السحريّة المتخيّلة عن الرحلة الرومانسيّة للفوز بالرجل المناسب ومواجهة استحقاقات وتحديات قبل تتويج العلاقة بنهاية الزواج السعيد وحتى الترفل - ولو لليلة واحدة تكلّف الكثير - في أجواء البذخ والثياب والتجهيزات المستوحاة من حياة البرجوازيّة القديمة التي لا مبرر معاصر لها. بالتالي فإن أوستن تعطيهن هذه المساحة لعيش الوهم وإبقاء جذوته بين أجيال الأمهات والبنات.
وهي أيضاً تبدو معاصرة لناحية ثقافة التلصص على الآخرين والنميمة والفضول التي وسعت من آفاقها أدوات التكنولوجيا المعاصرة ومواقع التواصل الاجتماعي من دون أي عمق حقيقي في فهم دواخل الآخرين ودوافعهم الحقيقية، فشخصيات عوالمها إما أن تكون في موقع التلصص ومراقبة الآخرين وانتقادهم والثرثرة بشأنهم أو تكون هي موضوعاً لكل ذلك، وأوستن دون شك نجحت وبعبقرية في رسم إتيكيت السلوك العام على نحو يجعل من تلك المراقبة الاجتماعيّة عملاً لا يتسم بالفضول والانشغال بالمظاهر في حياة الآخرين بقدر ما هو نشاط أساسي لفهم خريطة القيم المجتمعيّة والتعلم منها في السعي نحو الحياة الأمثل.
جين أوستن، لا يستسيغها الذوق الأرستقراطي المترفع عن صراعات المتشبثين بأطراف الثراء، ولا تعني كثيراً للبروليتاريا والفلاحين. أوستن منتج برجوازي محض، يروج لقيم البرجوازيّة البريطانيّة، وتوظفه المؤسسات الثقافيّة البرجوازيّة اليوم للترفيه عن برجوازيين لتسلبهم بعضاً من دخلهم الزائد عن حاجتهم الأساسيّة في إطار الترويج للشخصيّة الإنجليزيّة التي يراها هؤلاء تتعرض للتهديد بسبب الهجرة وميلان كفة الاتحاد الأوروبي لمصلحة البرجوازيّة الألمانيّة.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».