المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

على أعتاب فيلمها الجديد «ديترويت»

المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
TT

المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»

بعد منتصف ليلة الخامس والعشرين من يوليو (تموز) سنة 1967 داهمت قوّة من رجال البوليس والحرس الوطني فندقاً صغيراً اسمه «ألجيرز» (الجزائر) بحثاً عن قناصة محتملين أطلقوا النار على البوليس في ليلة من ليالي الشغب في مدينة ديترويت الأميركية.
تم إيقاف مجموعة من الشبان السود وتفتيش الفندق حجرة حجرة؛ بحثاً عن القناص أو القناصة. عندما لم يجد رجال القانون شيئا يثبت حتى أن الفندق كان مصدر القنص، غادروا المكان، لكنهم خلفوا وراءهم ثلاثة أفرو - أميركيين أبرياء. خلفوهم جثثاً على الأرض.
وضع المؤلف جون هيرسي كتاباً حول هذه الحادثة نشره سنة 1968، أي في منتصف سنوات مهنته التي كانت بدأت في العام 1942 وتوقفت بوفاته سنة 1993. قيامه هو بالتحقيق مفهوم لأن معظم ما وضعه هيرسي من مؤلفات كان عن أحداث حقيقية بدءاً من معركة جزيرة «باتان» وبما فيها كتابه عن كارثة هيروشيما وصولاً إلى «حادثة فندق ألجيرز» وما بعد. حتى رواياته الخيالية مالت إلى أسلوب تسجيلي يمنحها غطاءً واقعياً في أغلب الأعمال.

مواضيع زاخرة

في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، سعت المخرجة كاثرين بيغلو لتحويل كتاب هيرسي إلى فيلم سينمائي، لكن ورثة الكاتب امتنعوا عن بيع الحقوق. هذا ما قادها للتعاون مع كاتب السيناريو شبه الدائم لها، مارك بول، للقيام بتحرياتهما الخاصّـة حول الموضوع، ثم البدء في تصويره في منتصف السنة الماضية على نحو مستقل تحت عنوان «ديترويت»، الذي لا يقص فقط حكاية ما حدث في ذلك الفندق، بل يحيط بالمواجهة التي شهدتها المدينة في ذلك الوقت بين المناهضين للتفرقة العنصرية وبين رجال البوليس. جهتان كانتا تواجهتا مراراً وتكراراً من قبل ومن بعد (وحتى العام الماضي). في الصف الأول حشد من الرجال والنساء السود. وفي الصف المقابل حشد من رجال البوليس، معظمهم من البيض.
كاثرين بيغلو كعادتها تنبش في المواضيع الصعبة والمهام التي عادة ما يتولاها مخرجون رجال. هذا تمثل في السنوات الأخيرة بأفلام مثل «خزنة الألم» و«زيرو دارك ثيرتي»، لكن حتى من قبل أن تبلغ شهرتها بتحقيقيهما كانت أمّـت تلك المواضيع الخشنة في «قرب الظلام» و«بلو ستيل» و«بوينت بريك» و«أيام غريبة».
ليس فقط أن هذه الأفلام تطلب جهداً بدنياً يقبل عليه المخرجون دون المخرجات في معظم الأحوال، بل إن المواضيع ذاتها تشويقية تزخر بمشاهد الحركة والقوة التي تتحاشاها المخرجات النساء، في معظمهن، في ميلهن إلى ما هو دراما اجتماعية أو عاطفية، أو كوميديات من أصناف مختلفة. هذا لا يمنع من أن أعمالها دائماً ما هي نتيجة تفكير وتحمل مستوى من التنفيذ يعلو كثيراً عن مجرد تنفيذ أفلام حركة و«أكشن». بيغلو نفّـذت معظم أفلامها بأسلوب عمل فني راق. إلى حد بعيد هي كلينت ايستوود جنسها. المقابل النسائي لأمثاله من الذين يدمجون البطولة بالنوع الذي يجسد قوتها الذكورية من دون أن يمنع ذلك من أن تكون المرأة (كما في «يلو ستيل» عند بيغلو و«استبدال» عند ايستوود) هي التي تواجه المصاعب وتتحمل المحنة التي عادة ما يتبناها الرجل.
«يلو ستيل» (1990)، بالمناسبة، مبني على «الفورميلا» المعهودة: امرأة في خطر. هناك قاتل يهدد حياتها وتحاول النيل منه قبل أن ينال منها، لكنه أدهى من أن تستطيع ذلك. هي ليست أي امرأة، بل هي أنثى تعمل في السلك البوليسي (العنوان يرمز إلى المسدس الذي تستخدمه). بطلته جايمي لي كيرتس التي كانت دافعت عن حياتها قبل أعوام قليلة من ذلك التاريخ كبطلة فيلم جون كاربنتر «هالووين» تعيد هنا تجسيد الخطر الذي تعايشه. ثياب الشرطة التي ترتديها والمسدس الذي تحمله لا يمنع من أنها ما زالت امرأة ولا يحد من الخطر الماثل عليها تبعاً لجنسها.
المزيد من الإثارة ناتج من أن هذا القاتل الذي يهددها تسلل إلى حياتها متظاهراً بأن الصدفة قادت كلا منهما إلى الآخر. لكن ذلك بأسره ينضوي على طرح صورة امرأة أقوى من الرجل وليست فقط ضحية له.
بعد عام واحد على هذا الفيلم انتقلت من أكشن ذي بطولة نسائية إلى آخر غالب أبطاله من الرجال. «نقطة الانهيار» (Point Break) هو أيضاً فيلم بوليسي، لكنه شبابي حول عصابة يتولاها بودي (باتريك سوايزي) ويحقق في نشاطاتها شاب من الـ«أف بي آي» هو جني (كيانو ريفز). لا هو رجل القانون المعتاد ولا العصابة هي تلك التي تزرع الخوف في المدينة. إنها عصابة من هواة رياضة ركوب الأمواج على شواطئ كاليفورنيا الكسولة؛ ولكي ينجح جوني في عمله عليه أن ينضم إليها.
يكفي أن تتم المقارنة بين فيلم بيغلو هذا وبين النسخة المعادة التي تم إنجازها قبل عامين لمعرفة أي مستوى من ذكاء المعالجة تميّـز به الفيلم السابق.

عتمة داكنة

من هذا الفيلم انطلقت، سنة 1996، لتنفذ فيلم تشويق مستقبلي بطله رجل أسمه ليني (راف فاينس) يبحث عن الرجل الذي سينتقم منه الذي يعرف عنه أكثر مما يعرفه ذاك عن نفسه. لكن ليني ليس بطلاً، ولا هو يجيد القتال ونراه يُـطارد ويُـضرب، لكن لديه تلك الخامة التي في داخله التي لا تقل «بطولة» عن قدرات البطل التقليدي المعتمد على قواه البدنية أو مهاراته القتالية. هو، وجوني في الفيلم السابق بطلا الزمن المعاصر الذي يجيد التفكير ويجيد الكلام وأضعف شأناً في ترجمة ذلك إلى قوة بدنية.
هذه الأفلام وأخرى سواها حققتها المخرجة ما بين 1987 («قرب الظلام») وسنة 2000 («وزن الماء») حظيت بالاهتمام النقدي وبعض النجاح الشعبي، لكن فيلمها المقبل «خزنة الألم» سنة 2012 هو ما جعلها تتبوأ النجومية بين مخرجي السينما الأميركية. وهو فيلم مختلف عن كل ما حققته السينما الأميركية من أفلام دارت حول الحرب العراقية من حيث إنه يدور حول الجندي الأميركي في أرض الآخر يحاول حماية نفسه، وإذا ما استطاع حماية الآخرين، ومن حيث إن المخرجة تدلو بدلوها في مجرى نهر سياسي ما زادها ابتعاداً عن اختيارات مثيلاتها حول العالم. هو أيضاً فيلم يستحوذ على جهد بدني خلال تنفيذه وينبض بجهد آخر بين ممثليه. في بحث بطله (جيريمي رَنر في أول دور بارز له) عن مشتبه به ما يذكر ببحث ليني وكلاهما يبحث في أجواء غريبة عليه.
عملها هذا تميّز كذلك بأسلوب عملها الدؤوب، حيث فعل الكاميرا هو مواكبة الحدث بإيقاعه المفترض. هنا هي كاميرا محمولة من نوع Aaron A‪ - ‬Minima، التي كانت لا تزال جديدة آنذاك، مع علم المخرجة بأن الكاميرا لا تخلق فيلماً، ناهيك عن جودته، بل تشارك في توفير الهدف البصري من ورائه وفي صياغة المعنى المراد تضمينه. و«خزنة الألم» كان تعاونها الأول مع الكاتب مارك بول والأول أيضاً مع مدير التصوير باري أكرويد.
بعد عام نافست زوجها السابق المخرج جيمس كاميرون على أوسكار أفضل فيلم وحظيت به لجانب خمسة أخرى، من بينها أوسكار أفضل مخرج. ثم عادت بعد ثلاث سنوات وقدّمت فيلماً يتعاطى أيضاً والسياسة وحروب الأميركيين بأنواعها المباشرة والخفية، وذلك في «زيرو دارك ثيرتي» (باللغة العسكرية: الثانية عشرة والنصف ليلاً).
يبدأ هذا الفيلم بنحو دقيقة ونصف الدقيقة من العتمة الداكنة، ليس تيمـنا بالعنوان الذي هو التعبير العسكري عن ساعة الحسم المختارة لإنهاء حياة زعيم القاعدة، بل لوضع المشاهد في جو خانق بدكانته وخطره. لا نرى فيها شيئا، كحال مئات ملايين البشر المغيّـبة عن العلم بما يدور في عالم الحروب الحديثة، بل نسمع رنين الهواتف النقالة لأفراد بين ركامات وأنقاض مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي. هذه البداية تضع المشاهد أمام اختيار الانحياز مع أو ضد الفيلم؛ لأن رسالته بعد ذلك تسير في وجهة مناهضة: إذا ما كانت كارثة نيويورك الكبرى تلك حافزاً كافياً لشحن المشاهدين بخلفية الحدث الذي سيلي، وبتتويج مشاعرهم ضد مرتكبيها، فإن باقي الفيلم هو عن المنهج الذي اتبعته عميلة المخابرات مايا (جسيكا شستين) خصوصاً، والـ«سي آي إيه» عموماً للوصول إلى من أعطى الضوء الآخر (باعترافه) للهجوم الإرهابي، وهو منهج سيسحب بعض ما اختزنته البداية من تبريرات.
سينما بيغيلو، مهما اختلف بطولاتها، تبحث في جنس أبطالها: تبحث في أنوثة النساء وقد التحفن بالعنف الذي يعشنه وذكورة الرجال الذين عليهم إما نبذ العنف أو نبذ الإنسانية، ودائما ما هم على الحافة في هذا الاختيار أو ذاك.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز