المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

على أعتاب فيلمها الجديد «ديترويت»

المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
TT

المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»

بعد منتصف ليلة الخامس والعشرين من يوليو (تموز) سنة 1967 داهمت قوّة من رجال البوليس والحرس الوطني فندقاً صغيراً اسمه «ألجيرز» (الجزائر) بحثاً عن قناصة محتملين أطلقوا النار على البوليس في ليلة من ليالي الشغب في مدينة ديترويت الأميركية.
تم إيقاف مجموعة من الشبان السود وتفتيش الفندق حجرة حجرة؛ بحثاً عن القناص أو القناصة. عندما لم يجد رجال القانون شيئا يثبت حتى أن الفندق كان مصدر القنص، غادروا المكان، لكنهم خلفوا وراءهم ثلاثة أفرو - أميركيين أبرياء. خلفوهم جثثاً على الأرض.
وضع المؤلف جون هيرسي كتاباً حول هذه الحادثة نشره سنة 1968، أي في منتصف سنوات مهنته التي كانت بدأت في العام 1942 وتوقفت بوفاته سنة 1993. قيامه هو بالتحقيق مفهوم لأن معظم ما وضعه هيرسي من مؤلفات كان عن أحداث حقيقية بدءاً من معركة جزيرة «باتان» وبما فيها كتابه عن كارثة هيروشيما وصولاً إلى «حادثة فندق ألجيرز» وما بعد. حتى رواياته الخيالية مالت إلى أسلوب تسجيلي يمنحها غطاءً واقعياً في أغلب الأعمال.

مواضيع زاخرة

في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، سعت المخرجة كاثرين بيغلو لتحويل كتاب هيرسي إلى فيلم سينمائي، لكن ورثة الكاتب امتنعوا عن بيع الحقوق. هذا ما قادها للتعاون مع كاتب السيناريو شبه الدائم لها، مارك بول، للقيام بتحرياتهما الخاصّـة حول الموضوع، ثم البدء في تصويره في منتصف السنة الماضية على نحو مستقل تحت عنوان «ديترويت»، الذي لا يقص فقط حكاية ما حدث في ذلك الفندق، بل يحيط بالمواجهة التي شهدتها المدينة في ذلك الوقت بين المناهضين للتفرقة العنصرية وبين رجال البوليس. جهتان كانتا تواجهتا مراراً وتكراراً من قبل ومن بعد (وحتى العام الماضي). في الصف الأول حشد من الرجال والنساء السود. وفي الصف المقابل حشد من رجال البوليس، معظمهم من البيض.
كاثرين بيغلو كعادتها تنبش في المواضيع الصعبة والمهام التي عادة ما يتولاها مخرجون رجال. هذا تمثل في السنوات الأخيرة بأفلام مثل «خزنة الألم» و«زيرو دارك ثيرتي»، لكن حتى من قبل أن تبلغ شهرتها بتحقيقيهما كانت أمّـت تلك المواضيع الخشنة في «قرب الظلام» و«بلو ستيل» و«بوينت بريك» و«أيام غريبة».
ليس فقط أن هذه الأفلام تطلب جهداً بدنياً يقبل عليه المخرجون دون المخرجات في معظم الأحوال، بل إن المواضيع ذاتها تشويقية تزخر بمشاهد الحركة والقوة التي تتحاشاها المخرجات النساء، في معظمهن، في ميلهن إلى ما هو دراما اجتماعية أو عاطفية، أو كوميديات من أصناف مختلفة. هذا لا يمنع من أن أعمالها دائماً ما هي نتيجة تفكير وتحمل مستوى من التنفيذ يعلو كثيراً عن مجرد تنفيذ أفلام حركة و«أكشن». بيغلو نفّـذت معظم أفلامها بأسلوب عمل فني راق. إلى حد بعيد هي كلينت ايستوود جنسها. المقابل النسائي لأمثاله من الذين يدمجون البطولة بالنوع الذي يجسد قوتها الذكورية من دون أن يمنع ذلك من أن تكون المرأة (كما في «يلو ستيل» عند بيغلو و«استبدال» عند ايستوود) هي التي تواجه المصاعب وتتحمل المحنة التي عادة ما يتبناها الرجل.
«يلو ستيل» (1990)، بالمناسبة، مبني على «الفورميلا» المعهودة: امرأة في خطر. هناك قاتل يهدد حياتها وتحاول النيل منه قبل أن ينال منها، لكنه أدهى من أن تستطيع ذلك. هي ليست أي امرأة، بل هي أنثى تعمل في السلك البوليسي (العنوان يرمز إلى المسدس الذي تستخدمه). بطلته جايمي لي كيرتس التي كانت دافعت عن حياتها قبل أعوام قليلة من ذلك التاريخ كبطلة فيلم جون كاربنتر «هالووين» تعيد هنا تجسيد الخطر الذي تعايشه. ثياب الشرطة التي ترتديها والمسدس الذي تحمله لا يمنع من أنها ما زالت امرأة ولا يحد من الخطر الماثل عليها تبعاً لجنسها.
المزيد من الإثارة ناتج من أن هذا القاتل الذي يهددها تسلل إلى حياتها متظاهراً بأن الصدفة قادت كلا منهما إلى الآخر. لكن ذلك بأسره ينضوي على طرح صورة امرأة أقوى من الرجل وليست فقط ضحية له.
بعد عام واحد على هذا الفيلم انتقلت من أكشن ذي بطولة نسائية إلى آخر غالب أبطاله من الرجال. «نقطة الانهيار» (Point Break) هو أيضاً فيلم بوليسي، لكنه شبابي حول عصابة يتولاها بودي (باتريك سوايزي) ويحقق في نشاطاتها شاب من الـ«أف بي آي» هو جني (كيانو ريفز). لا هو رجل القانون المعتاد ولا العصابة هي تلك التي تزرع الخوف في المدينة. إنها عصابة من هواة رياضة ركوب الأمواج على شواطئ كاليفورنيا الكسولة؛ ولكي ينجح جوني في عمله عليه أن ينضم إليها.
يكفي أن تتم المقارنة بين فيلم بيغلو هذا وبين النسخة المعادة التي تم إنجازها قبل عامين لمعرفة أي مستوى من ذكاء المعالجة تميّـز به الفيلم السابق.

عتمة داكنة

من هذا الفيلم انطلقت، سنة 1996، لتنفذ فيلم تشويق مستقبلي بطله رجل أسمه ليني (راف فاينس) يبحث عن الرجل الذي سينتقم منه الذي يعرف عنه أكثر مما يعرفه ذاك عن نفسه. لكن ليني ليس بطلاً، ولا هو يجيد القتال ونراه يُـطارد ويُـضرب، لكن لديه تلك الخامة التي في داخله التي لا تقل «بطولة» عن قدرات البطل التقليدي المعتمد على قواه البدنية أو مهاراته القتالية. هو، وجوني في الفيلم السابق بطلا الزمن المعاصر الذي يجيد التفكير ويجيد الكلام وأضعف شأناً في ترجمة ذلك إلى قوة بدنية.
هذه الأفلام وأخرى سواها حققتها المخرجة ما بين 1987 («قرب الظلام») وسنة 2000 («وزن الماء») حظيت بالاهتمام النقدي وبعض النجاح الشعبي، لكن فيلمها المقبل «خزنة الألم» سنة 2012 هو ما جعلها تتبوأ النجومية بين مخرجي السينما الأميركية. وهو فيلم مختلف عن كل ما حققته السينما الأميركية من أفلام دارت حول الحرب العراقية من حيث إنه يدور حول الجندي الأميركي في أرض الآخر يحاول حماية نفسه، وإذا ما استطاع حماية الآخرين، ومن حيث إن المخرجة تدلو بدلوها في مجرى نهر سياسي ما زادها ابتعاداً عن اختيارات مثيلاتها حول العالم. هو أيضاً فيلم يستحوذ على جهد بدني خلال تنفيذه وينبض بجهد آخر بين ممثليه. في بحث بطله (جيريمي رَنر في أول دور بارز له) عن مشتبه به ما يذكر ببحث ليني وكلاهما يبحث في أجواء غريبة عليه.
عملها هذا تميّز كذلك بأسلوب عملها الدؤوب، حيث فعل الكاميرا هو مواكبة الحدث بإيقاعه المفترض. هنا هي كاميرا محمولة من نوع Aaron A‪ - ‬Minima، التي كانت لا تزال جديدة آنذاك، مع علم المخرجة بأن الكاميرا لا تخلق فيلماً، ناهيك عن جودته، بل تشارك في توفير الهدف البصري من ورائه وفي صياغة المعنى المراد تضمينه. و«خزنة الألم» كان تعاونها الأول مع الكاتب مارك بول والأول أيضاً مع مدير التصوير باري أكرويد.
بعد عام نافست زوجها السابق المخرج جيمس كاميرون على أوسكار أفضل فيلم وحظيت به لجانب خمسة أخرى، من بينها أوسكار أفضل مخرج. ثم عادت بعد ثلاث سنوات وقدّمت فيلماً يتعاطى أيضاً والسياسة وحروب الأميركيين بأنواعها المباشرة والخفية، وذلك في «زيرو دارك ثيرتي» (باللغة العسكرية: الثانية عشرة والنصف ليلاً).
يبدأ هذا الفيلم بنحو دقيقة ونصف الدقيقة من العتمة الداكنة، ليس تيمـنا بالعنوان الذي هو التعبير العسكري عن ساعة الحسم المختارة لإنهاء حياة زعيم القاعدة، بل لوضع المشاهد في جو خانق بدكانته وخطره. لا نرى فيها شيئا، كحال مئات ملايين البشر المغيّـبة عن العلم بما يدور في عالم الحروب الحديثة، بل نسمع رنين الهواتف النقالة لأفراد بين ركامات وأنقاض مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي. هذه البداية تضع المشاهد أمام اختيار الانحياز مع أو ضد الفيلم؛ لأن رسالته بعد ذلك تسير في وجهة مناهضة: إذا ما كانت كارثة نيويورك الكبرى تلك حافزاً كافياً لشحن المشاهدين بخلفية الحدث الذي سيلي، وبتتويج مشاعرهم ضد مرتكبيها، فإن باقي الفيلم هو عن المنهج الذي اتبعته عميلة المخابرات مايا (جسيكا شستين) خصوصاً، والـ«سي آي إيه» عموماً للوصول إلى من أعطى الضوء الآخر (باعترافه) للهجوم الإرهابي، وهو منهج سيسحب بعض ما اختزنته البداية من تبريرات.
سينما بيغيلو، مهما اختلف بطولاتها، تبحث في جنس أبطالها: تبحث في أنوثة النساء وقد التحفن بالعنف الذي يعشنه وذكورة الرجال الذين عليهم إما نبذ العنف أو نبذ الإنسانية، ودائما ما هم على الحافة في هذا الاختيار أو ذاك.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً