المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

المرأة أقوى من الرجل في أفلام كاثرين بيغلو

على أعتاب فيلمها الجديد «ديترويت»
الجمعة - 12 ذو القعدة 1438 هـ - 04 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14129]
المخرجة خلال تصوير «خزنة الألم» - من «بلو ستيل»
لوس أنجيليس: محمد رُضـا
بعد منتصف ليلة الخامس والعشرين من يوليو (تموز) سنة 1967 داهمت قوّة من رجال البوليس والحرس الوطني فندقاً صغيراً اسمه «ألجيرز» (الجزائر) بحثاً عن قناصة محتملين أطلقوا النار على البوليس في ليلة من ليالي الشغب في مدينة ديترويت الأميركية.

تم إيقاف مجموعة من الشبان السود وتفتيش الفندق حجرة حجرة؛ بحثاً عن القناص أو القناصة. عندما لم يجد رجال القانون شيئا يثبت حتى أن الفندق كان مصدر القنص، غادروا المكان، لكنهم خلفوا وراءهم ثلاثة أفرو - أميركيين أبرياء. خلفوهم جثثاً على الأرض.

وضع المؤلف جون هيرسي كتاباً حول هذه الحادثة نشره سنة 1968، أي في منتصف سنوات مهنته التي كانت بدأت في العام 1942 وتوقفت بوفاته سنة 1993. قيامه هو بالتحقيق مفهوم لأن معظم ما وضعه هيرسي من مؤلفات كان عن أحداث حقيقية بدءاً من معركة جزيرة «باتان» وبما فيها كتابه عن كارثة هيروشيما وصولاً إلى «حادثة فندق ألجيرز» وما بعد. حتى رواياته الخيالية مالت إلى أسلوب تسجيلي يمنحها غطاءً واقعياً في أغلب الأعمال.



مواضيع زاخرة



في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، سعت المخرجة كاثرين بيغلو لتحويل كتاب هيرسي إلى فيلم سينمائي، لكن ورثة الكاتب امتنعوا عن بيع الحقوق. هذا ما قادها للتعاون مع كاتب السيناريو شبه الدائم لها، مارك بول، للقيام بتحرياتهما الخاصّـة حول الموضوع، ثم البدء في تصويره في منتصف السنة الماضية على نحو مستقل تحت عنوان «ديترويت»، الذي لا يقص فقط حكاية ما حدث في ذلك الفندق، بل يحيط بالمواجهة التي شهدتها المدينة في ذلك الوقت بين المناهضين للتفرقة العنصرية وبين رجال البوليس. جهتان كانتا تواجهتا مراراً وتكراراً من قبل ومن بعد (وحتى العام الماضي). في الصف الأول حشد من الرجال والنساء السود. وفي الصف المقابل حشد من رجال البوليس، معظمهم من البيض.

كاثرين بيغلو كعادتها تنبش في المواضيع الصعبة والمهام التي عادة ما يتولاها مخرجون رجال. هذا تمثل في السنوات الأخيرة بأفلام مثل «خزنة الألم» و«زيرو دارك ثيرتي»، لكن حتى من قبل أن تبلغ شهرتها بتحقيقيهما كانت أمّـت تلك المواضيع الخشنة في «قرب الظلام» و«بلو ستيل» و«بوينت بريك» و«أيام غريبة».

ليس فقط أن هذه الأفلام تطلب جهداً بدنياً يقبل عليه المخرجون دون المخرجات في معظم الأحوال، بل إن المواضيع ذاتها تشويقية تزخر بمشاهد الحركة والقوة التي تتحاشاها المخرجات النساء، في معظمهن، في ميلهن إلى ما هو دراما اجتماعية أو عاطفية، أو كوميديات من أصناف مختلفة. هذا لا يمنع من أن أعمالها دائماً ما هي نتيجة تفكير وتحمل مستوى من التنفيذ يعلو كثيراً عن مجرد تنفيذ أفلام حركة و«أكشن». بيغلو نفّـذت معظم أفلامها بأسلوب عمل فني راق. إلى حد بعيد هي كلينت ايستوود جنسها. المقابل النسائي لأمثاله من الذين يدمجون البطولة بالنوع الذي يجسد قوتها الذكورية من دون أن يمنع ذلك من أن تكون المرأة (كما في «يلو ستيل» عند بيغلو و«استبدال» عند ايستوود) هي التي تواجه المصاعب وتتحمل المحنة التي عادة ما يتبناها الرجل.

«يلو ستيل» (1990)، بالمناسبة، مبني على «الفورميلا» المعهودة: امرأة في خطر. هناك قاتل يهدد حياتها وتحاول النيل منه قبل أن ينال منها، لكنه أدهى من أن تستطيع ذلك. هي ليست أي امرأة، بل هي أنثى تعمل في السلك البوليسي (العنوان يرمز إلى المسدس الذي تستخدمه). بطلته جايمي لي كيرتس التي كانت دافعت عن حياتها قبل أعوام قليلة من ذلك التاريخ كبطلة فيلم جون كاربنتر «هالووين» تعيد هنا تجسيد الخطر الذي تعايشه. ثياب الشرطة التي ترتديها والمسدس الذي تحمله لا يمنع من أنها ما زالت امرأة ولا يحد من الخطر الماثل عليها تبعاً لجنسها.

المزيد من الإثارة ناتج من أن هذا القاتل الذي يهددها تسلل إلى حياتها متظاهراً بأن الصدفة قادت كلا منهما إلى الآخر. لكن ذلك بأسره ينضوي على طرح صورة امرأة أقوى من الرجل وليست فقط ضحية له.

بعد عام واحد على هذا الفيلم انتقلت من أكشن ذي بطولة نسائية إلى آخر غالب أبطاله من الرجال. «نقطة الانهيار» (Point Break) هو أيضاً فيلم بوليسي، لكنه شبابي حول عصابة يتولاها بودي (باتريك سوايزي) ويحقق في نشاطاتها شاب من الـ«أف بي آي» هو جني (كيانو ريفز). لا هو رجل القانون المعتاد ولا العصابة هي تلك التي تزرع الخوف في المدينة. إنها عصابة من هواة رياضة ركوب الأمواج على شواطئ كاليفورنيا الكسولة؛ ولكي ينجح جوني في عمله عليه أن ينضم إليها.

يكفي أن تتم المقارنة بين فيلم بيغلو هذا وبين النسخة المعادة التي تم إنجازها قبل عامين لمعرفة أي مستوى من ذكاء المعالجة تميّـز به الفيلم السابق.



عتمة داكنة



من هذا الفيلم انطلقت، سنة 1996، لتنفذ فيلم تشويق مستقبلي بطله رجل أسمه ليني (راف فاينس) يبحث عن الرجل الذي سينتقم منه الذي يعرف عنه أكثر مما يعرفه ذاك عن نفسه. لكن ليني ليس بطلاً، ولا هو يجيد القتال ونراه يُـطارد ويُـضرب، لكن لديه تلك الخامة التي في داخله التي لا تقل «بطولة» عن قدرات البطل التقليدي المعتمد على قواه البدنية أو مهاراته القتالية. هو، وجوني في الفيلم السابق بطلا الزمن المعاصر الذي يجيد التفكير ويجيد الكلام وأضعف شأناً في ترجمة ذلك إلى قوة بدنية.

هذه الأفلام وأخرى سواها حققتها المخرجة ما بين 1987 («قرب الظلام») وسنة 2000 («وزن الماء») حظيت بالاهتمام النقدي وبعض النجاح الشعبي، لكن فيلمها المقبل «خزنة الألم» سنة 2012 هو ما جعلها تتبوأ النجومية بين مخرجي السينما الأميركية. وهو فيلم مختلف عن كل ما حققته السينما الأميركية من أفلام دارت حول الحرب العراقية من حيث إنه يدور حول الجندي الأميركي في أرض الآخر يحاول حماية نفسه، وإذا ما استطاع حماية الآخرين، ومن حيث إن المخرجة تدلو بدلوها في مجرى نهر سياسي ما زادها ابتعاداً عن اختيارات مثيلاتها حول العالم. هو أيضاً فيلم يستحوذ على جهد بدني خلال تنفيذه وينبض بجهد آخر بين ممثليه. في بحث بطله (جيريمي رَنر في أول دور بارز له) عن مشتبه به ما يذكر ببحث ليني وكلاهما يبحث في أجواء غريبة عليه.

عملها هذا تميّز كذلك بأسلوب عملها الدؤوب، حيث فعل الكاميرا هو مواكبة الحدث بإيقاعه المفترض. هنا هي كاميرا محمولة من نوع Aaron A‪ - ‬Minima، التي كانت لا تزال جديدة آنذاك، مع علم المخرجة بأن الكاميرا لا تخلق فيلماً، ناهيك عن جودته، بل تشارك في توفير الهدف البصري من ورائه وفي صياغة المعنى المراد تضمينه. و«خزنة الألم» كان تعاونها الأول مع الكاتب مارك بول والأول أيضاً مع مدير التصوير باري أكرويد.

بعد عام نافست زوجها السابق المخرج جيمس كاميرون على أوسكار أفضل فيلم وحظيت به لجانب خمسة أخرى، من بينها أوسكار أفضل مخرج. ثم عادت بعد ثلاث سنوات وقدّمت فيلماً يتعاطى أيضاً والسياسة وحروب الأميركيين بأنواعها المباشرة والخفية، وذلك في «زيرو دارك ثيرتي» (باللغة العسكرية: الثانية عشرة والنصف ليلاً).

يبدأ هذا الفيلم بنحو دقيقة ونصف الدقيقة من العتمة الداكنة، ليس تيمـنا بالعنوان الذي هو التعبير العسكري عن ساعة الحسم المختارة لإنهاء حياة زعيم القاعدة، بل لوضع المشاهد في جو خانق بدكانته وخطره. لا نرى فيها شيئا، كحال مئات ملايين البشر المغيّـبة عن العلم بما يدور في عالم الحروب الحديثة، بل نسمع رنين الهواتف النقالة لأفراد بين ركامات وأنقاض مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي. هذه البداية تضع المشاهد أمام اختيار الانحياز مع أو ضد الفيلم؛ لأن رسالته بعد ذلك تسير في وجهة مناهضة: إذا ما كانت كارثة نيويورك الكبرى تلك حافزاً كافياً لشحن المشاهدين بخلفية الحدث الذي سيلي، وبتتويج مشاعرهم ضد مرتكبيها، فإن باقي الفيلم هو عن المنهج الذي اتبعته عميلة المخابرات مايا (جسيكا شستين) خصوصاً، والـ«سي آي إيه» عموماً للوصول إلى من أعطى الضوء الآخر (باعترافه) للهجوم الإرهابي، وهو منهج سيسحب بعض ما اختزنته البداية من تبريرات.

سينما بيغيلو، مهما اختلف بطولاتها، تبحث في جنس أبطالها: تبحث في أنوثة النساء وقد التحفن بالعنف الذي يعشنه وذكورة الرجال الذين عليهم إما نبذ العنف أو نبذ الإنسانية، ودائما ما هم على الحافة في هذا الاختيار أو ذاك.
أميركا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة