خامنئي يصدق على حكم روحاني لفترة رئاسية ثانية

استمرار التباين في مواقف المرشد والرئيس الإيراني حول الاقتصاد والسياسة الخارجية والحريات العامة

المرشد الإيراني علي خامنئي يلقى خطابا خلال مراسم المصادقة على ولاية رئاسية ثانية لحسن روحاني في حسينية «الخميني» وسط طهران أمس (أ.ب)
المرشد الإيراني علي خامنئي يلقى خطابا خلال مراسم المصادقة على ولاية رئاسية ثانية لحسن روحاني في حسينية «الخميني» وسط طهران أمس (أ.ب)
TT

خامنئي يصدق على حكم روحاني لفترة رئاسية ثانية

المرشد الإيراني علي خامنئي يلقى خطابا خلال مراسم المصادقة على ولاية رئاسية ثانية لحسن روحاني في حسينية «الخميني» وسط طهران أمس (أ.ب)
المرشد الإيراني علي خامنئي يلقى خطابا خلال مراسم المصادقة على ولاية رئاسية ثانية لحسن روحاني في حسينية «الخميني» وسط طهران أمس (أ.ب)

بدأ الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، رسميا فترة رئاسية ثانية لأربع سنوات، بعدما صدق المرشد علي خامنئي على الحكومة الجديدة بالوقوف «بقوة وصلابة» بوجه أميركا، فيما قال روحاني إنه يتطلع لـ«منع عزلة» إيران عبر تعامل مؤثر مع المجتمع الدولي، يترك آثاره على تحسين الوضع الاقتصادي.
وقدم خامنئي مرسوم الرئاسة الثانية، وسط حضور كبار المسؤولين في الحكومة والبرلمان والقضاء وقادة القوات العسكرية، وسفراء دول أجنبية ومسؤولين في الأجهزة السيادية الأخرى، إضافة إلى منافسي روحاني في الانتخابات الأخيرة، إبراهيم رئيسي ومحمدباقر قاليباف ومصطفى ميرسليم وعدد من الشخصيات السياسية الإصلاحية.
ومن المقرر أن يؤدي روحاني، غدا، اليمين الدستورية أمام البرلمان وسط إجراءات أمنية مشددة من الحرس الثوري ويتعين على روحاني تقديم التشكيلة الوزارية في غضون أسبوعين بعد أداء اليمين في ظل تقارب في الأوساط الإيرانية. وبعد تسلمه مرسوم رئاسته الثانية دافع روحاني عن سياسته على الصعيدين الداخلي والخارجي، خلال الأعوام الأربعة الماضية معتبرا مشاركة مواطنيه في الانتخابات الأخيرة دليلا على النمو والنضج السياسي وذكر أن حكومته أقدمت على خطوات أساسية لإعادة البلاد للثبات الاقتصادي وخفض التضخم وتقليل الفقر والتمييز، إلا أنه في الوقت ذاته شدد على أن الخطوات «لا تليق بالشعب» حسب ما أوردت وكالات أنباء إيرانية.
وجدد روحاني موقفه من توقيع اتفاق فيينا في يوليو (تموز) 2015 حول البرنامج النووي الإيراني واعتبره «دليل حسن نوايا إيران» وقال: «رغم أننا ندفع ثمن استقلالنا بسبب الكرامة، لكننا لا نقبل إطلاقا فرض العزلة من قبل الأعداء».
كما تطرق روحاني إلى شعاراته خلال حملته الانتخابية وقال إن «جميع الناشطين في البلد، توصلوا إلى أنه بغض النظر عن الشعارات الملونة لا حل إلا في مجتمع عادل وبمسار معتدل»، مضيفا أن حكومته تعمل على حصول الشعب على حقوقه والخلاص من الفقر والسيطرة على التضخم والوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية وتنمية أجواء الحرية وحرية الوصول إلى المعلومات والمساواة أمام القانون والمستقبل الواثق والشفافية حول وضع البلاد من حق الشعب قبل أن يرهن تحقيق شعاراته بالوحدة والاعتدال والابتعاد عن التطرف والتشدد وتقديم ثقافة القانون.
كذلك، أوضح روحاني سياسة حكومته على الصعيد الاقتصادي وقال إن أولويته مكافحة الفقر ومواجهة أزمة البطالة مشيرا إلى أن الاتفاق النووي خطوة من أجل إعادة إعمار الوضع الاقتصادي الإيراني.
من جهة ثانية، دعا روحاني إلى الاعتراف بالاختلاف والتنوع داخل إيران معتبرا أن «القوميات جزء من الوطن» مضيفا أنه «من حق القوميات أن تطالب بالاهتمام والمشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكي تتحقق المساواة». وأطلق روحاني في الانتخابات الأخيرة جملة من الوعود لتحسين أوضاع القوميات ورفع التمييز في فرص العمل والتعليم وتقسيم الثروات مما دفع المرشد الإيراني إلى تحذير المرشحين من خطورة تحرك الفوالق الأرضية والتسبب بزلزال كبير في البلاد.
انطلاقا من ذلك، رمى الوضع الاقتصادي بثقله على خطابات المرشد والرئيس وبينما قال روحاني إنه يريد تحسين الوضع الاقتصادي، كرر خامنئي مطالبه خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة وطالب الرئيس الإيراني بالتركيز على الطاقات الداخلية. ورغم النبرة الهادئة في خطاب المرشد والرئيس لكن التباين في مواقف الرجلين من السياسة الخارجية والاقتصاد والحريات كان لافتا وهو يشكل مصدر قلق بين أوساط صوتت لصالح روحاني خشية تعطل وعوده.
واختلف روحاني خلال فترته الرئاسية الأولى مع الحرس الثوري المدعوم من خامنئي حول الاستثمار الداخلي ويعارض الحرس الثوري دخول الشركات الأجنبية على خط الاستثمار الداخلي خلافا لرغبة سياسة روحاني الاقتصادية بعد رفع العقوبات وقال خامنئي في مايو (أيار) الماضي إنه «على المرشحين للانتخابات الرئاسية أن يعتمدوا في إطلاق الشعارات الاقتصادية على الطاقات الداخلية» وهي إشارة إلى دعم الشركات التابعة للحرس الثوري والتي تقوم بنشاط اقتصادي واسع.
وكانت مفاجأة المدعوين لمراسم التصديق، حضور الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد وذلك بعدما تمرد على منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية ومواجهته الأخيرة مع القضاء الإيراني بعد اعتقال مساعده التنفيذي حميد بقايي بتهمة التجاوزات الانتخابية.
وفي المقابل، غاب الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي، من قائمة الرؤساء السابقين لحضور مراسم تنفيذ حكم روحاني وهو تأكيد للقيود التي تمارس على خاتمي. واختتمت مراسم المصادقة على حكم الرئيس الإيراني بخطاب خامنئي وقال خامنئي إنه يصادق على تعيين روحاني في منصب الرئاسة بناء على نتائج الانتخابات الإيرانية الأخيرة. وفي كلامه الموجه إلى روحاني، شدد خامنئي على ضرورة انتخاب حكومة تدعم الوحدة والكرامة وتأخذ الطاقات الداخلية بعين الاعتبار معتبرا أولوية الحكومة الثانية عشرة القضاء على الفقر والفساد والسيطرة على التضخم والتنمية الاقتصادية. في هذا الصدد، قال خامنئي في نص مرسوم الرئاسة إنه «يجب التأكيد مرة أخرى على تنفيذ برنامج الاقتصاد المقاوم والانتباه إلى خلق فرص العمل والإنتاج الداخلي» لافتا إلى أن تصديقه على مرسوم رئاسة روحاني بناء على أصوات الإيرانيين، مرهون بحفظ الأصول الإسلامية والثورية.
في هذا الخصوص، قال خامنئي يجب أن يكون فريق الحكومة قادرا «على تحقيق المطالب والقضايا التي أشار إليها الرئيس في خطابه».
وردا على ما قاله روحاني حول التعامل مع المجتمع الدولي، رسم خامنئي أفق السياسة الخارجية للحكومة الجديدة وقال: «يجب ألا ننسى أن الأعداء منشغلون بالتخطيط والعداوات» وشدد على ضرورة مواجهة «أميركا بشدة» مضيفا أن «النظام الأميركي أكثر وقاحة واعتداء من الآخرين».
وتابع خامنئي أن «واحدة من إنجازات أربعة عقود من إدارة النظام، تعامل الشعب الإيراني مع العالم وبنفس الوقت مواجهة نظام الهيمنة والوقوف ضد خدع الأعداء».
وقال خامنئي إن الدول الغربية «أثارت ضجة كبيرة على أمر عادي واعتيادي» في إشارة إلى تجربة صاروخ قادر على حمل أقمار صناعية إلى مدار الأرض الأسبوع الماضي، وذلك غداة تقديم شكوى رباعية قدمتها واشنطن وباريس ولندن وبرلين إلى مجلس الأمن احتجاجا على اختبار إيران صاروخا قادرا على حمل الأقمار الصناعية. وأفاد خامنئي أن النظام الإيراني أقوى من الماضي وبإمكانه مقاومة الأعداء.
في جزء آخر، من خطابه رد خامنئي على ما ذكره الرئيس حول الحريات، قائلا: «اتركوا أن يعيش الشعب بمذاقاته المختلفة» وتابع: «لا تقلقوا من الآراء المختلفة، لأن الأعمال والمهام الثقيلة تتضمن النقص، يجب أن تتقبلوا النقد وأن تتركوا للمنتقدين التعبير عن وجهات نظرهم». في نفس السياق طالب المسؤولين الإيرانيين بالنزول إلى الشارع والتواصل المباشر.
وفي إشارة إلى التلاسن بين روحاني والحرس الثوري قال خامنئي يجب أن «تثمن القوى الثورية لأنها تصون البلاد مثل درع مقابل المشكلات» محذرا من التسبب في الانقسام بين الشعب الإيراني. ويأتي كلام خامنئي بعد نحو شهر من تلويح خامنئي بسيناريو مشابه لعزل الرئيس الإيراني الأول أبو الحسن بني صدر وذلك بعد تحذيره من انقسام الشعب إلى قطبين.



روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
TT

روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)

ندَّدت وزارة الخارجية الروسية، اليوم الأربعاء، بالضربة التي استهدفت محطة بوشهر النووية الإيرانية أمس، والتي قالت إنها وقعت على بُعد أمتار قليلة من وحدة لتوليد الطاقة، ودعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف مهاجمة المنشآت النووية لطهران.

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وأدلت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الوزارة، بهذه التصريحات، في مؤتمر صحافي.

وقامت روسيا ببناء محطة بوشهر، وتساعد إيران في تشغيلها.

وأبلغت إيران، أمس الثلاثاء، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الهجوم لم يتسبب في أضرار مادية أو بشرية.


استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران
TT

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

ذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء شبه الرسمية، أن بعض المنشآت التابعة لقطاع النفط في حقل بارس الجنوبي ومنطقة عسلوية في إيران تعرضت لهجوم، الأربعاء، مضيفة أن حجم الأضرار لم يتضح بعد.

وأضافت الوكالة أن منشآت بتروكيماوية في حقل بارس الجنوبي كانت من بين الأهداف.

قال التلفزيون الرسمي في إيران، الأربعاء، إن طهران استهدفت تل أبيب بصواريخ ​تحمل رؤوساً حربية عنقودية، فيما وصفته بأنه رد على قتل إسرائيل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.

بدوره، قال وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي إن موقف طهران ‌الرافض لصنع ‌أسلحة ​نووية ‌لن ⁠يتغير ​بشكل كبير، ⁠مشيراً إلى أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لم يعبّر بعد ⁠عن رأيه ‌علناً ‌في هذا الشأن.


واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تنتصر عسكرياً في إيران... ولا تضمن الحسم السياسي

ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)
ضربات جوية على منطقة فرمانية شمال طهران (شبكات التواصل)

مع نهاية الأسبوع الثالث من الحرب ضد إيران، تبدو الصورة أقل التباساً من الضوضاء السياسية المحيطة بها... فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا بالفعل اختراقات عسكرية هائلة: تصفية قيادات عليا، وتدمير واسع للبنيتين الصاروخية والبحرية، مع التآكل الواضح في قدرة طهران على الضرب بالحجم نفسه الذي بدأت به الحرب.

لكن هذا التقدم لم يُترجم حتى الآن إلى نهاية سياسية واضحة، لا في شكل انهيار للنظام، ولا في شكل قبول إيراني بشروط أميركية نهائية. وفي هذا التوقيت، لا تبدو طهران على وشك الانهيار، كما لا تبدو واشنطن في وارد التراجع، وفي هذه الفجوة تحديداً يتموضع السؤال الأهم: أين تقف واشنطن من تحقيق أهدافها فعلاً، وهل تضغط على طهران نحو التفاوض، أم تدفعها إلى مزيد من التشدد واستخدام مضيق هرمز سلاحاً لمساومة العالم؟

تفوق عسكري دون حسم سياسي

على المستوى العسكري، يصعب إنكار أن واشنطن تمضي بعيداً في تحقيق أهدافها المباشرة. فالحملة الأميركية - الإسرائيلية أصابت منذ يومها الأول مئات المواقع، واستهدفت القيادة العليا والبنية الصاروخية والدفاعات الجوية ومراكز «الحرس الثوري»، فيما تقول إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تراجعت بشكل حاد. كما أن مقتل علي لاريجاني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه القائد المدني الفعلي في ظروف الحرب، وغلام علي رضا سليماني قائد «الباسيج»، يمثل ضربة إضافية ثقيلة لطبقة القيادة التي تدير الأمن الداخلي والحرب معاً.

هنا يبرز ما قاله مايكل روبين، كبير باحثي شؤون إيران والشرق الأوسط في «معهد أميركان إنتربرايز»، لـ«الشرق الأوسط»: «عسكرياً، تهزم الولايات المتحدة إيران بسهولة. لكن في الرأي العام، تتفوق إيران على الولايات المتحدة عبر عملياتها المعلوماتية وحربها النفسية».

وهذه الملاحظة تصيب جوهر المرحلة الراهنة. فواشنطن، وفق روبين، «أزالت قسماً كبيراً من القيادة الإيرانية، وضربت بدقة معظم الأهداف التي أرادت إصابتها، بما يوحي بأن البنتاغون كان يجمع بنك الأهداف منذ سنوات طويلة». ويضيف روبين: «لكن هذا النجاح لم يتحول بعد إلى سردية انتصار سياسي مكتمل؛ لأن طهران لا تزال قادرة على إظهار تماسك الدولة، وعلى تصوير الحرب بوصفها معركة صمود لا هزيمة».

المشكلة أن أجهزة الاستخبارات الأميركية نفسها كانت قد قدّرت قبل الحرب أن هجوماً واسعاً لن يكون كافياً لإسقاط النظام الإيراني أو فتح الطريق سريعاً أمام بديل داخلي. وبعد أكثر من أسبوعين من القصف، لا تزال التقديرات الغربية تتحدث عن نظام أضعف؛ لكنه أشد تصلباً مع قبضة أكبر لـ«الحرس الثوري»، لا عن نظام يتداعى. بهذا المعنى، فإن واشنطن تقترب من تحقيق «سقفها العسكري» أكثر مما تقترب من إنجاز «هدفها السياسي» الأشمل، خصوصاً إذا كان هذا الهدف يتجاوز الردع وتخريب البرنامجين الصاروخي والنووي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية في إيران.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة بمقر الانتخابات الإيرانية في طهران خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

إضعاف للنظام أم دفعه لمزيد من التشدد؟

اغتيال لاريجاني مهم ليس فقط لرتبته، بل لدلالته. الرجل كان يوصف في تغطيات أميركية بأنه من أكبر الشخصيات قدرة على الجمع بين البراغماتيين والمتشددين، كما كان يمثل، في نظر بعض التقديرات، شخصية يمكن أن تتكلم مع الغرب بلغة سياسية أعلى مرونة من كثيرين داخل الحلقة الصلبة. لذلك؛ فإن مقتله يضعف، دون شك، القدرة المؤسسية للنظام، لكنه قد يدفع أيضاً نحو نتيجة معاكسة: تقوية الجناح الأكبر تشدداً وارتباطاً بـ«الحرس الثوري»، أي الجناح الأقل استعداداً لتقديم تنازلات سريعة.

وتعزز التقارير الأميركية والإسرائيلية الأخيرة هذا الاستنتاج؛ فـ«واشنطن بوست» نقلت عن تقديرات استخبارية أميركية أن النظام الإيراني يرسخ سلطته رغم الخسائر، وأن الاحتمال الأرجح هو بقاء الجمهورية الإسلامية، ولكن في صيغة أكبر تشدداً وتغولاً أمنياً، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الرهان الإسرائيلي على انتفاضة شعبية سريعة يصطدم بواقع أن أجهزة القمع لا تزال ممسكة بالأرض، وأن أي حراك واسع قد يتعرض لمذبحة أكثر من تحوله إلى تغيير نظام.

وهنا يبرز رأي باراك بارفي، الباحث في «نيو أميركا»، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، بوصفه النقيض المباشر بشكل شبه كلي لقراءة روبين. يقول: «مع كل يوم يمر، تزداد مغالطات هذه الحرب اتضاحاً، كما يزداد اتضاحاً عجز الإدارة عن إيجاد مخرج منها. وبينما يتباهى الرئيس بأن الحرب تسير بشكل رائع، فإن الواقع أنه لا يملك مخرجا آمناً لإنهائها». يذهب بارفي أبعد من ذلك حين يعدّ أن الإيرانيين هم من سيحددون توقيت نهاية الحرب، لا ترمب. قد يكون في هذا الرأي قدر من المبالغة إذا قيس بحجم التدمير العسكري الذي لحق بإيران، لكنه يلتقط عقدة أساسية: طهران لم تعد تراهن على كسب الحرب في الميدان، بل على إفشال ترجمة الإنجاز الأميركي إلى تسوية سياسية مريحة لواشنطن. وهذا فرق جوهري.

ناقلة نفط راسية في مسقط بعد تعطل حركة الملاحة بمضيق هرمز (رويترز)

مضيق هرمز لم يُحسم

إذا كان ميزان النار يميل بوضوح إلى واشنطن، فإن ميزان الضغط السياسي والاقتصادي لا يزال أشد تعقيداً. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، تحول إلى عقدة الحرب الأساسية.

واللافت أن الولايات المتحدة، رغم سيطرتها الجوية وضرباتها المكثفة، لم تنجح حتى الآن في تحويل هذه السيطرة إلى «أمن ملاحي» كامل. تقارير أميركية وصفت المضيق بأنه أشبه بـ«صندوق قتل» بفعل الصواريخ المتحركة والزوارق السريعة والألغام والطائرات المسيّرة، فيما تباطأت حركة الشحن وارتفعت أسعار النفط العالمية بقوة.

هنا أيضاً تتكشف حدود القوة الأميركية. فترمب صعّد هجومه على الأوروبيين وحلفاء «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» بعدما رفضت دول أساسية إرسال قوات بحرية للمشاركة في فتح المضيق، بينما شدد قادة أوروبيون على أن هذه ليست حربهم، وأن الـ«ناتو» تحالف دفاعي لا يُلزمهم بالانضمام إلى حرب اختيارية في الشرق الأوسط.

هذا الرفض ليس تفصيلاً دبلوماسياً؛ إنه مؤشر إلى أن واشنطن تريد تدويل تكلفة إدارة الأزمة بعدما انفردت شبه كلياً بقرار إشعالها. كما أنه يفسر جانباً من نبرة ترمب الغاضبة: هو يريد من الحلفاء تخفيف الضغط الاقتصادي الذي قد يرغمه هو نفسه على إنهاء الحرب قبل أوانها السياسي المرغوب.

لكن القراءة الأخرى، الأقرب إلى منطق ترمب، تقول إن الرجل يحاول تحويل هرمز من نقطة ضعف إلى أداة ابتزاز استراتيجية. فما دام أن العالم - من أوروبا إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية - يحتاج إلى انسياب الطاقة عبر هذا الممر، فإن واشنطن تستطيع أن تستخدم الأزمة لفرض اصطفافات جديدة وتحصيل أثمان سياسية وأمنية من الجميع.

غير أن هذه المقاربة، حتى لو صحت، تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأن استمرار إغلاق المضيق أو اضطرابه لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط أيضاً على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأميركي نفسه قبل انتخابات التجديد النصفي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء مجلس أمناء مركز «جون إف كيندي» للفنون المسرحية في واشنطن (إ.ب.أ)

هل اقتربت طهران من المفاوضات؟

الجواب الأدق عن هذا السؤال هو: اقتربت من الاختبار التفاوضي، لا من التسوية بعد... فالمعطيات المتوفرة تشير إلى إعادة تفعيل قناة اتصال مباشرة بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وفق «أكسيوس»، في أول تواصل معروف منذ اندلاع الحرب. لكن طهران سارعت إلى النفي، وكرر عراقجي أن التفاوض لا يكون تحت التهديد.

ولا يعني هذا التناقض أن التواصل غير موجود بالضرورة، بل يعني أن ما يجري لا يزال في مرحلة جس النبض ومحاولة استكشاف الشروط، لا في مرحلة تفاوض رسمي على وقف دائم للحرب.

المؤشر الأهم هنا أن واشنطن نفسها لا تبدو واثقة بمن يملك قرار التفاوض داخل طهران بعد سلسلة الاغتيالات، وأنها تشك في أن عراقجي مخول فعلاً حسم المسائل الكبرى. وفي المقابل، تقول التقديرات الأميركية إن النظام لا يزال متماسكاً بما يكفي لرفض «استسلام» سريع، فيما يفضّل استخدام هرمز والصمود الداخلي لرفع تكلفة الحرب على خصومه. لذلك؛ يبدو أن إيران تريد التفاوض من «موقع مَن لم يسقط»؛ لا من «موقع مَن هُزم بالكامل»، وأنها تسعى أولاً إلى ضمانات أقوى من مجرد هدنة تسمح لواشنطن وإسرائيل بإعادة التموضع.