تنظيم لا ينمو إلا في «البيئات المتوحشة»

فواز جرجس في كتابه «داعش إلى أين؟»

تنظيم لا ينمو إلا في «البيئات المتوحشة»
TT

تنظيم لا ينمو إلا في «البيئات المتوحشة»

تنظيم لا ينمو إلا في «البيئات المتوحشة»

يواكب الأستاذ في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية فواز جرجس في كتابه الأخير «داعش إلى أين؟» انحسار تنظيم داعش وبوادر أفول «دولته» في ظل الانكسارات المتتالية التي بدأ يعاني منها منذ 2016. حيث يحاول التنبؤ بمستقبل التنظيم بناء على ماضيه ووضعه الراهن، مركزاً على السياق الاجتماعي والسياسي لولادة التنظيم لفهم طبيعته وتفسير هذا الظهور المحير والمفاجئ له في 2013 و2014 على نحو لم يتوقعه أحد، ويحاول بالعودة إلى السياقين الاجتماعي والسياسي إنشاء فهم عقلاني وواقعي لتنظيم ينتشر فهمه على نحو سطحي وأسطوري ودعائي. حيث يرى جرجس أن الجوهري في التنظيم أنه مثل على نحو ما رداً عنيفاً موازياً للهيمنة الشيعية في العراق والعلوية في سوريا وتهميش العرب السنة وهو ما يمثل السياق الاجتماعي السياسي الأول لتكوينه، في حين أن السياق السياسي الذي مثل بيئة مواتية لصعوده هو الاضطراب السياسي الذي ساد الشرق الأوسط بعد إحباط ثورات الربيع العربي، إذ بدا كما لو أنه بديل للشباب المحبطين والناقمين من فشل التغيير السياسي السلمي وانسداد أفقه.
ورغم أن «داعش» يتحدر من الآيديولوجيا القاعدية المتطرفة فإنه ليس مجرد امتداد لها، فهو دمج بين البعد العالمي والبعد المحلي، وهو أمر يستند إلى إعادة تعريف العدو، هل هو العدو البعيد؟ أم هو العدو القريب؟ أم هو كلاهما معا؟ ومن الواضح أن هذا الدمج بين العدو البعيد والعدو القريب إنما تشكل في ظل الحرب الأهلية في العراق، أي بعد 2013. والسياسات الطائفية التي لا تطاق والتي انتهجتها حكومة المالكي ضد العرب السنة بعد ذلك. وانطلاقاً من ذلك يركز جرجس على ما يسميها المفاتيح الأربعة لفهم ظهور «داعش»، الأول هو الغزو الأميركي للعراق، والثاني هو تشظي المؤسسة السياسية العراقية، والثالث هو تحطم مؤسسات الدولة في سوريا، والرابع هو الربيع العربي.
يلاحظ المؤلف أن الموجة الحالية من السلفيين الجهاديين وبشكل خاص في تنظيم داعش يغلب عليها – وليس كلها - الأصول الريفية والعشائرية ومن طبقة الفقراء والحرفيين العاملين بالمهن اليدوية، وهي شرائح اجتماعية ناقمة على السلطات المركزية عموماً، وهؤلاء انضموا لـ«داعش» بالأساس ليس بدوافع آيديولوجية بقدر ما رأوا في التنظيم أداة مقاومة ضد السلطة المركزية الطائفية، خصوصاً مع تصوير «داعش» نفسه المدافع الوحيد عن السنة المظلومين والمضطهدين، وهو أمر يغذيه، ويبحث المؤلف في حالة الانقسام الاجتماعي السني الشيعي والتدخل الإيراني المتزايد في المنطقة، وخصوصاً بعد اندلاع الثورة في سوريا والعراق دفعت بقوات عسكرية من المرتزقة ومولتها لإنقاذ حليفيها بشار الأسد ونوري المالكي وهو أمر زاد من زخم المظلومية السنية ومنح قوة وتأكيداً لآيديولوجيا «داعش». لكن جرجس لا يقدم تفسيراً لجاذبية التنظيم للمقاتلين الأجانب، وخصوصاً الغربيين.
يدين صعود التنظيم وعودته مرة أخرى في العراق للقوة التي اكتسبها في سوريا، فنجاحه في احتلال المدن والسيطرة على الموارد النفطية والخزائن المالية سمح له بتدمير الحدود بين البلدين والمضي قدماً نحو الموصل وهزيمة الجيش العراقي الذي كان قد أصبح مجرد ميليشيا طائفية كبيرة في عهد المالكي.
وبقدر ما يبدو تنظيم الدولة مديناً للآيديولوجيا القاعدية، فإنه بصعوده الجديد مدين بشكل رئيسي للصراعات الجيو - سياسية والجيو - طائفية في المنطقة، وهو أمر منح «داعش» الفرصة لتطوير الآيديولوجيا القاعدية والافتراق عنها بنفس الوقت، وأفضى ذلك إلى تصارع على النفوذ وحرب داخلية بين الجهاديين الداعشيين والقاعديين بدءاً من عام 2013.
يؤكد جرجس ما يلاحظه الكثير من الباحثين أيضاً بأن البيئة التي ينمو فيها هذا التنظيم هي «البيئة المتوحشة» التي تعاني من الاضطراب والعنف، ففي صلب عقيدته السياسية أن التغيير لا يمكن أن يكون إلا بالعنف والقوة، وعلى هذا الأساس تشكلت عداوة ملحوظة مع تيارات الإسلام السياسي التقليدية التي تقبل بقواعد العمل السلمي وشروط اللعبة الديمقراطية، ويتكرر بشكل دائم نقد لهذه التيارات والتشهير بفشل مشاركتهم بالعملية الديمقراطية مقابل «نجاح» نهجهم العسكري وفرض وقائع على الأرض.
وإذ تكوَّن التنظيم في ظل انهيار مؤسسات الدولة وتراجع الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط فقد نجحت الأنظمة الحليفة للنظام السوري والعراقي في تسويق فكرة أن الربيع العربي يعادل وجود «داعش» وإطلاق حروب طائفية تتهدد الإقليم وما بعده، وواقع الحال أن – حسب جرجس - إجهاض الربيع العربي، وليس فشله كان هدية بالنسبة للسلفية الجهادية لم تحلم بها أو تتوقعها.
يخلص المؤلف بعد ثمانية فصول غنية تدرس التنظيم وتاريخه إلى البحث في نقاط قوة التنظيم ونقاط ضعفه، ويمكن للقارئ أن يكتشف بسهولة أن نقاط قوة التنظيم الأساسية هي عناصر خارجية ليست متأتية من بنية التنظيم نفسه، في حين أن معظم عوامل ضعف التنظيم هي عوامل ذاتية. فقوة التنظيم تتأتى سرديته والمستندة إلى تهميش العرب السنة مع أنهم المكون الأساسي للمنطقة، بنشوء حكم طائفي متطرف وقمعي في العراق بعد الاحتلال الأميركي وسيطرة الأقلية العلوية على الأكثرية بقوة الحديد والنار في سوريا، بمعنى آخر وجود وقائع دامغة حول المظلومية السنية، التي كانت كل الظروف تسوق سرديتها وتدفع للقناعة بها.
من نقاط قوة التنظيم تقديم بديل عن النظام العالمي الجائر والدولة الوطنية متمثلا بـ«الخلافة العادلة» وهو مفهوم مكتنز بالرمزية التاريخية والدينية في آن، كما أن التنظيم سعى للسيطرة على موارد اقتصادية (النفط ومؤسسات الطاقة والمؤسسات الحيوية) وفرض نظاما ضريبياً شكل له ذلك بمجموعه تمويلا ذاتياً كبيراً وفائضاً مالياً جعله صار أغنى تنظيم جهادي في العالم.
وفضلاً عن ذلك تسمح المفاهيم الدينية التي استخدمت كمكمل للآيديولوجيا الجهادية بأقصى درجات التضحية والمفاصلة الجذرية والولاء للتنظيم. لكن نقاط القوة هذه تقابلها نقاط ضعف قاتلة، فمن جهة يفتقد التنظيم برنامجا إيجابيا في الحكم، وخبرات معدومة في إدارة الحكم، وهو مبني على نمط ديكتاتوري قمعي وتنعدم فيه الحريات، وهو نمط كان الحافز أساساً للربيع العربي. ويلاحظ جرجس أن عنصر ضعفه الرئيسي يكمن في قاعدته الاجتماعية الهشة، ففي العراق بسبب تقبله كعدو للشيعة وليس كبديل للحكم، وفي سوريا بسبب واقع الحال وقدرته على مواجهة القوة والوحشية الهائلة التي أظهرها نظام الأسد في قمع معارضيه. يضاف إلى نقاط الضعف هذه أن التنظيم «متقن لصنع الأعداء» سواء من خلال لعبة التخويف بالعمليات الإرهابية، أو من انعدام قدرته على ممارسة المرونة السياسية عندما تقتضيها مصالحه.
يخلص المؤلف إلى أن القضاء على التنظيم يتطلب أولاً وقبل أي شيء نزع الشرعية عن سردية التنظيم القائمة على المظلومية السنية من جهة، وانعدام العدالة من جهة ثانية، وهو أمر يعني أن كف يد إيران عن التلاعب بالمنطقة وتعزيز الانقسام الشيعي السني، وتوفير حل سلمي للنزاعات الأهلية وتحقيق الحد الأدنى من طموحات شعوب المنطقة الأساسية في نشوء أنظمة ديمقراطية تعبر عنها ولا تهمشها. ويتطلب ثانياً حرمان التنظيم من تكوين مصادر تمويل ذاتية والسيطرة على موارد اقتصادية يمكن أن توفر له متطلبات التسليح والتجنيد والفعالية.
ما المآل الذي سينتهي إليه التنظيم إذا ما تم انتزاع مناطق السيطرة من يده؟ يجيب جرجس أن من دون إحداث تغيير سياسي يمنح شعوب المنطقة التي ينتشر فيها على الأقل أملاً بحياة أفضل، ويجبر الانقسام الاجتماعي السني الشيعي فإن فرصة بقاء هذا التنظيم ستكون كبيرة، وانحساره عن المشهد لن يعني أنه قد لا يعود بصورة جديدة وبنسخة أكثر وحشية وعنفاً مما ظهر حتى الآن.
* كاتب سوري



كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».