انتقال {فارك} الكولومبية المتمردة إلى العمل السياسي

الحزب سيتشكل ليبدأ الانخراط في الانتخابات الرئاسية المقبلة

عضو سابق في {فارك} يحمل علم الحركة بعد تسلمه شهادة جامعية للانخراط في الحياة المدنية (أ.ف.ب)
عضو سابق في {فارك} يحمل علم الحركة بعد تسلمه شهادة جامعية للانخراط في الحياة المدنية (أ.ف.ب)
TT

انتقال {فارك} الكولومبية المتمردة إلى العمل السياسي

عضو سابق في {فارك} يحمل علم الحركة بعد تسلمه شهادة جامعية للانخراط في الحياة المدنية (أ.ف.ب)
عضو سابق في {فارك} يحمل علم الحركة بعد تسلمه شهادة جامعية للانخراط في الحياة المدنية (أ.ف.ب)

بعد إعلان حركة فارك المتمردة الكولومبية التي وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 اتفاق سلام مع الحكومة، عزمها تدشين حزب سياسي في أول سبتمبر (أيلول) المقبل، يفتح القرار الباب أمام فصيل التمرد الأسبق المشاركة في الحياة السياسية.
وبالفعل منذ أيام ظهرت حركة فارك أمام كاميرات العالم، وهي تسلم سلاحها إلى الأمم وتدمير أكثر من 7.132 قطعة سلاح في كثير من المواقع بمختلف أرجاء البلاد. في إشارة لإنهاء كولومبيا أكثر من 50 عاماً من الصراع الذي تضرر بسببه ملايين الأشخاص.
ومع ذلك، تظل هناك كميات ضخمة من الأسلحة الثقيلة التي أخفتها الجماعة المسلحة أثناء القتال، والتي توجد داخل قرابة 940 موقعاً منتشرة عبر أرجاء البلاد. ونظراً لصعوبة تضاريس المناطق التي أخفيت بها، لم يجرَ جمع هذه الأسلحة بعد، لكن الولايات المتحدة تتوقع أن يتم الانتهاء من تفتيش غالبية هذه المواقع وتدمير الأسلحة بحلول مطلع أغسطس (آب).
وبالنسبة لمواطني كولومبيا العاديين، لا يزال الشك يساور الكثيرين إزاء جدوى عملية السلام التي رفضها الناخبون في استفتاء شعبي، مما أجبر الجانبين على العودة إلى طاولة التفاوض.
ومع ذلك، تبقى عملية نزع التسليح تاريخية بكل المقاييس، وتشمل مرحلة ما بعد الصراع إعادة دمج أفراد الجماعة المسلحة في الحياة المدنية والانتقال من حمل السلاح إلى المشاركة بالحياة السياسية. ويعني ذلك أنه بمجرد تخليهم عن أسلحتهم، بمقدور أعضاء «القوات الثورية الكولومبية» الشروع في تأسيس حزب سياسي، الأمر الذي أكدوا أنه كان دوماً هدفاً نصب أعينهم.
من جهته، أوضح الباحث دانييل باردو لـ«الشرق الأوسط»، من «معهد أفكار للسلام» في كولومبيا، أن حركة فارك ليست جديدة تماماً على الحياة السياسية. وأضاف: «لقد شاركوا بصورة ما دوماً في العمل السياسي. ورغم أنه كانت لديهم قوات مسلحة، فإنهم مارسوا السياسة طيلة الوقت، بجانب مشاركتهم في كثير من النشاطات الاجتماعية. الآن، أصبح باستطاعتهم الاضطلاع بهذه الأعمال على نحو قانوني داخل إطار حركة سياسية قانونية وفي ظل نظام ديمقراطي».
وفي حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، شدد السيناتور إيفان سيبيدا من حزب «بول ديمكراتيكو» اليساري الكولومبي والقريب من حركة فارك على أهمية نتائج اتفاقات السلام. وشرح أن «أحد الأسباب التي ذكرت الجماعة المسلحة أنها دفعتها نحو حمل السلاح كان أنه لم يكن لديها ضمانات بالشعور بالأمن داخل مساحة سياسية قانونية. وعليه، فإن التخلي عن السلاح يرمي لتحويل جماعة متمردة إلى تنظيم سياسي مدني يعمل بصورة قانونية».
وتضمن اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الكولومبية والقوات الثورية عام 2016 فصلاً خاصاً يغطي مشاركة أعضاء الجماعة المسلحة في العملية السياسية. في بادئ الأمر، اتفق الطرفان على أن الحركة أو الحزب الذي ستقيمه الجماعة المسلحة سيضمن 10 مقاعد، بجانب تمثيله داخل مجلسي البرلمان في انتخابات عامي 2018 و2022. ويتمثل المطلب الوحيد الواجب تنفيذه قبل تحقيق ذلك الانتهاء من تسليم جميع الأسلحة والأصول الأخرى التي تملكها الجماعة المسلحة. ونظمت حركة «فارك» مؤتمراً تأسيسياً تمخض رسمياً عن الحزب السياسي للجماعة. وحتى الآن، لم يقع الاختيار على اسم محدد للحزب، لكن قيادات الجماعة المسلحة سبق أن ألمحوا فيما مضى إلى عزمهم إحياء «الحركة البوليفارية» التي ساندت مبدأ الاستقلال على مستوى أميركا اللاتينية.
ويعني ذلك أنه في غضون أيام قليلة ستتقدم الجماعة المسلحة بحزبها الوليد إلى الشعب الكولومبي وستشرع في الإجراءات القانونية اللازمة لتدشين حزب سياسي يملك الحق نفسه الذي تتمتع به الأحزاب الأخرى في ظل النظام السياسي الكولومبي، بما في ذلك الحصول على تمويل حكومي والوصول إلى وسائل الإعلام.
وفي مارس (آذار) 2018، ستقدم «فارك» أسماء مرشحيها للبرلمان. ومن الممكن أن يكون هؤلاء المرشحون من قياداتها الحاليين أو ربما مرشحين جدد، ذلك أن الجماعة لم تحسم قرارها بهذا الشأن بعد. ومن الممكن انتخاب قيادات الجماعة، الذين صدرت بحقهم إدانات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، أثناء قضائهم فترة العقوبة، بالنظر إلى أنه ليس ثمة قيود قانونية تعوق ترشحهم للانتخابات. وعليه، لن يكون من الغريب وصول قيادات «فارك» إلى البرلمان.
ومع ذلك، تدرس الجماعة الدفع بمرشحين لم يرتبطوا بالضرورة بصورة مباشرة بالجماعة. وأشار السيناتور سيبيدا إلى أن «رودريغو لوندونو، قائد (القوات الثورية)، أثار فكرة بناء ائتلاف حكومي»، مضيفاً أن «فارك» ستسير بهذا الاتجاه خلال مؤتمرها الحزبي. وبطبيعة الحال، ستحتاج الحكومة الجديدة، إذا ما اقترحوا تشكيل حكومة ائتلاف، إلى القوة اللازمة لتنفيذ الاتفاقات المبرمة لتعزيز جهود السلام.
وحال عدم اختيار مرشحين من «القوات الثورية» في انتخابات 2018، سيبقى لدى الحزب 10 مقاعد داخل البرلمان. وستبقى هذه الحصة سارية لدورتين فقط، بين عامي 2018 و2026.
وقال همبرتو دي لا كايي، الذي قاد فريق التفاوض الحكومي في محادثات السلام مع الجماعة المسلحة، إن الصراع كان مريراً للغاية. وهناك أشخاص يدينون «القوات الثورية» حتى اليوم، الأمر الذي يخلق شكوكاً، لكن نهاية الأمر ستفرض الحقائق نفسها.
يذكر أن كولومبيا تشهد العام المقبل عقد انتخابات رئاسية. ويتوقع محللون أن تدفع «القوات الثورية» بمرشح لها، الأمر الذي سيجعل المشهد السياسي بوجه عام أكثر إثارة نظراً لتنامي حجم التنوع السياسي. وقد كشفت أحدث استطلاعات الرأي أن غالبية الكولومبيين، أكثر ما يزيد على 60 في المائة، لا يوافقون على مشاركة «القوات الثورية» بالحياة السياسية. والمؤكد أن هذا مناخ غير ملائم أمام الجماعة المسلحة للشروع في مسارها السياسي القانوني. ومع ذلك، من المتوقع أن تتمكن من الفوز بأصوات في المناطق التي تتمتع بنفوذ داخلها.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.