معركة الأمن المعلوماتي... كيف يمكن التخلص من فيروس الفدية؟

انتشار 400 سلالة منه وصل عدد هجماتها إلى 638 مليوناً العام الماضي

معركة الأمن المعلوماتي... كيف يمكن التخلص من فيروس الفدية؟
TT

معركة الأمن المعلوماتي... كيف يمكن التخلص من فيروس الفدية؟

معركة الأمن المعلوماتي... كيف يمكن التخلص من فيروس الفدية؟

توليفة من المنطق السليم، والدعم اللازم لوضع نسخ احتياطية من الملفات، والحماية الاستباقية، وأدوات الإزالة التلقائية... تشكل منظومة من الدفاع الإلكتروني الصلب في ظلّ تنامي هجمة فيروسات الفدية التي تعرف أيضاً بالـ«رانسوم وير ransomware».

هجمات متزايدة

ولا يتسلل فيروس الفدية الإلكترونية إلى أجهزة الكومبيوتر مثل البرمجيات الخبيثة الأخرى، بل يدخل بقوة ويستهدف بيانات صاحب الجهاز الهامة، طالباً أموالاً نقدية أو شيئا آخر مقابل الإفراج عنها. وأخيرا تعرضت أوكرانيا ومواقع أخرى حول العالم لهجمات فيروس يعرف باسم «بيتيا»، عمل على تشفير ملفات معينة حتى تم تحصيل الفدية التي طلبها مطلقوه. و«بيتيا» هو ثاني أكبر فيروس انتشر في الشهرين الأخيرين، بعد «وانا كراي»، الذي بدأ بالاستفادة من البرامج التي تطورها وكالة الأمن القومي الأميركي، ومن ثم تحوّل إلى برنامج خبيث. وقد هاجم «وانا كراي» هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا بالإضافة إلى عدد من البنوك والمنظمات.
وحسب إحصاءات شركة «سونيك وول» لأمن المعلومات، ارتفعت أعداد هجمات فيروسات الفدية من 3.8 مليون عام 2015 إلى 638 مليون عام 2016. أي بمعدل 167 مرة خلال عام واحد، على الرغم من تراجع عدد هجمات البرمجيات الخبيثة. ولكن لماذا يسرق المهاجمون البيانات في حين يمكنهم أن يطلبوا المال ببساطة؟
للمرة الأولى على الإطلاق، خصص «مؤتمر آر إس آي للأمن الإلكتروني» في آخر دورة له في سان فرنسيسكو يوماً كاملاً نظم خلاله ندوة سلطت الضوء على فيروسات الفدية، والجهات التي تتعرض للهجمات، وحجم الفدية التي يطلبها المهاجمون، والأهم، كيف يمكن لمستخدم جهاز الكومبيوتر أن يتخلص أو حتى يفاوض الجهات التي تحتجز بيناته.

خطوات وقائية

ويقدم الخبراء عددا من المعلومات المستخلصة من الهجمات واستراتيجيات مواجهة أي اعتداء من فيروسات الفدية، التي تستهدف أماكن حساسة مما يتطلب استعدادات كبيرة.
الخطوة الأولى: افهم عدوك، كما يقول راج ساماني، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «إنتل سكيوريتي إي إم إي آي»، الذي يضيف نحو 400 سلالة من فيروسات الفدية تنتشر اليوم، وتستهدف أيضا نظم تشغيل «ماك أو إس» و«لينوكس». كما تبين في استطلاع أجرته منصة «داتو» أن فيروس الفدية «كريبتو لوكر»، المسؤول عن ملاحقة وحجز مستندات مستخدمي أجهزة الكومبيوتر الشخصية وتشفيرها بقفل مؤقت، كان الأكثر انتشاراً. ويلفت جيريمايا غروسمان، رئيس قسم الاستراتيجية الأمنية في شركة «سينتينيل وان» المختصة بأمن الكومبيوتر إلى أن العمليات التي تنفذها فيروسات الفدية هذه مختلفة، إذ إن أحدها استهدف كاميرا الضحية واحتجز صوراً أو مقاطع محرجة وهدده بنشرها على الإنترنت.
وينصح الخبراء بالخطوات التالية التي يمكن أن تساعد في تخفيف مخاطر التعرض للبرمجيات الخبيثة وفيروسات الفدية:
- تحديث الجهاز بشكل مستمر من خلال تحديثات ويندوز، لأن فيروس «وانا كراي» مثلا لا يهاجم برنامج «ويندوز 10»، بل يختار «ويندوز إكس بي» أو أنظمة ويندوز القديمة.
- الحرص على استخدام جدار حماية (فاير وال) فعال، إضافة إلى حلول مضادة للبرمجيات الخبيثة antimalware solution. يمكن القول إن «ويندوز فايروال Windows Firewall» و«ويندوز ديفندر Windows Defender» لا يتمتعان بالفعالية اللازمة للحماية.
وكخطوة أمان إضافية، يمكن الاستفادة من برمجيات مضادة للبرمجيات الخبيثة من طرف ثالث. ولكن تجدر الإشارة إلى أن نظام تشغيل «ويندوز إكس بي» و«ويندوز 8» أصبحا صيداً سهلاً بالنسبة لفيروس «وانا كراي».
- يجب عدم الاعتماد على مضاد للبرمجيات فقط للتخلص من فيروس الفدية. إذ لفت الخبراء إلى أن الشركات المنتجة لمضادات الفيروسات الإلكترونية ما زالت في أول طريق محاربتها لفيروسات الفدية، أي أن أنظمة الحماية خاصتها ليست مضمونة.
- التأكد من أن برنامج «أدوب فلاش» مطفأ، أو متصل بمتصفح مثل غوغل كروم، الذي يطفئه أوتوماتيكياً.
- إطفاء برنامج «أوفيس ماكرو» حتى ولو كان مشغلاً. في نظام «أوفيس 2016»، يمكن إطفاؤه عبر الدخول إلى تراست سنتر>إعدادات ماكرو> أو ببساطة يمكن طباعة كلمة «ماكرو» بالإنجليزية في خانة البحث في أعلى الشاشة، ومن ثم فتح صندوق «الأمان».

روابط مشبوهة

- الالتزام بعدم فتح روابط مشبوهة، سواء كانت على صفحة موقع ما أو تلك التي ترد في رسالة إلكترونية. إن أكثر الطرق التي يقع من خلالها المستخدم ضحية فيروس فدية هي بالضغط على روابط خبيثة، إلا أن الأسوأ حسبما ما أظهر استطلاع «داتو» أن نحو ثلثي الاعتداءات التي تعقبها صدرت عن أكثر من جهاز، ما يعني أن المستخدمين الذين تعرضوا للهجوم أرسلوا الرابط الخبيث إلى عدة أشخاص.
- ويجب على مستخدمي الأجهزة أن يبقوا بعيدين عن المواقع غير الموثوقة في الإنترنت، إذ يمكن لإعلان فاسد على صفحة مرخصة أن يبث برمجيات خبيثة دون أن ينتبه المستخدم، فضلاً عن أن المخاطر تزيد عند تصفح مواقع خطرة.
ويقول مارك هوكمان المحرر الأقدم في مجلة «بي سي وورلد»، أنه ولأجل توفير حماية مخصصة من البرمجيات الخبيثة، يمكن للمستخدم اختيار «مالوير بايتز 3.0» Malwarebytes 3.0 المعروف بقدرته على محاربة فيروسات الفدية. وكما يعتبر «رانسوم فري RansomFree» أيضاً مضادا لفيروس الفدية.
تكون مضادات هذا النوع من الفيروسات عادة غالية الثمن، لأن الشركات المسؤولة عن تطويرها تخصص جزءا من ثمنها لتمويل إعلاناتها التجارية. لذا، يمكن للمستخدم أن يحمل برنامجا مجانيا مضادا لهذه الفيروسات كالـ«بيت - دفندر أنتي - رانسوم تولBitdefender’s Anti - Ransomware Tool»، الذي يحمي من أربعة أنواع شائعة فقط من هذه الفيروسات. وأخيراً، تزعم مختبرات كاسبرسكي أنها قادرة على صد فيروسات كـ «بيتيا» و«بتر وراب» من خلال تغييرات بسيطة في مكونات نظام المراقبة.

نسخ الملفات

الدعم بنسخ الملفات، دفاع جيد ولكنه ليس مثاليا. ويعمل فيروس الفدية على تشفير وإقفال أهم ملفات صاحب الجهاز. لهذا السبب، يجب ألا تترك مكشوفة، بل ويجب أيضاً دعمها باستراتيجية حماية قوية.
يجب على المستخدم أن يستفيد من مساحة التخزين الفارغة الموجودة في السحاب الإلكتروني مثل خدمات «بوكس»، و«وان درايف»، و«غوغل درايف»، وغيرها، لتدعيم المعلومات الموجودة فيها بشكل دوري. (ولكن يجب أن يحذر من أن الخدمة السحابية يمكن أن تدعم الملفات المصابة في حال لم ينتبه ويتصرف بسرعة).
ولكن الأفضل هو الاستثمار في قرص صلب خارجي «سيغايت» سعة 1 تيرابايت (سعره 55 دولارا)، لإضافة مساحة تخزين يندر الوصول إليها. يجب على المستخدم أن يخضع جهازه بشكل دوري لعملية مساندة من القرص، ومن ثم يفصله لعزل الملفات المنسوخة.

أنقذ كومبيوترك

كيف يجب التصرف في حال التعرض لهجوم فيروسات الفدية؟ أولا وقبل الإجابة عن هذا السؤال يطرح السؤال التالي: كيف يعرف المستخدم ما إذا كان وقع ضحية لفيروس الفدية؟ لا بد أنه سيعرف، لأن فيروس الفدية يعرض عادة صوراً مرتبطة بالملفات التي حجزها، خاصة أن هذا النوع من الفيروسات يتم تطويره ليكون قادراً على إثارة التوتر والخوف.
على المستخدم ألا يشعر بالجزع، وأول خطوة يجب أن يقوم بها هي التواصل مع السلطات المختصة، ومن ثم التحقق من نطاق المشكلة، من خلال تفقد الدلائل وتحديد الملفات التي استهدفت في الهجوم. وفي حال رأى المستخدم أن ملفاته الخاصة تغيرت أسماؤها إلى أخرى غريبة، يجب أن يحاول تغييرها مرة أخرى، لأن بعض فيروسات الفدية تستخدم رموزا مزيفة عبر تغيير الأسماء دون أن تشفرها فعلياً.
أما الخطوة التالية فهي تحديد الفيروس والتخلص منه. في حال كان المستخدم يستخدم برنامجا مضادا للبرمجيات الخبيثة، يجب أن يتفحص قرص الجهاز، وأن يحاول التواصل مع وكيل شرطة مضاد البرمجيات لمساعدته على حل المشكلة.
من الحلول المثالية الأخرى، يمكن أن يكون «NoMoreRansom.com’s Crypto - Sheriff»، وهي مجموعة من المصادر ومنظفات فيروسات الفدية من «إنتل، وإنتربول، ومختبرات كاسبرسكي» التي يمكنها أن تساعد في تحديد الفيروس واجتثاثه من نظام الجهاز عبر أدوات إزالة مجانية.



كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
TT

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

مع تسارع أنظمة الذكاء الاصطناعي في أتمتة مهام كانت تُعدّ في صميم القدرات البشرية؛ من الكتابة والتحليل إلى دعم اتخاذ القرار، تركّزت معظم النقاشات على الإنتاجية والكفاءة، وفقدان الوظائف. لكن خلف هذه التحولات الظاهرة، يبرز تغيّر أعمق بكثير، يطال ليس فقط طريقة عملنا، بل تعريفنا للذكاء والقيمة، وحتى معنى أن نكون بشراً.

بالنسبة للمؤلف العالمي في تطوير الذات، ديريك ريدال، لا يمثل هذا التحول مجرد نقلة تقنية، بل لحظة فلسفية واجتماعية مفصلية، حيث تتعرض مفاهيم راسخة حول الذكاء لإعادة نظر جذرية.

يقول ريدال خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» إن «السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الذكاء، بل ما إذا كنا قد عرّفناه بشكل صحيح منذ البداية».

لعقود طويلة، ارتبط مفهوم الذكاء بالقدرة على معالجة المعلومات، والتعرُّف إلى الأنماط، وحل المشكلات. وقد شكّلت هذه القدرات أساس أنظمة التعليم وسوق العمل والهياكل الاقتصادية. لكن مع تفوق الذكاء الاصطناعي في هذه المهام بسرعة وتكلفة أقل، يفقد هذا التعريف تفرده.

ديريك ريدال - مؤلف عالمي في تطوير الذات

من الذكاء إلى المعنى

مع تحوُّل الذكاء إلى مورد وفير، تبدأ قيمته الاقتصادية بالتراجع. ويختصر ريدال هذه الفكرة بقاعدة بسيطة، وهي أن «القيمة تتجه نحو ما هو نادر».

في هذا السياق، قد يصبح الذكاء بمعناه التقليدي مشابهاً للأكسجين، أي متاحاً للجميع، لكنه لم يعد عاملاً مميزاً. وعندما تصبح المعرفة والتحليل متاحين على نطاق واسع، تنتقل القيمة إلى بُعد آخر أقل قابلية للقياس، لكنه أكثر إنسانية. ويضيف ريدال أن «هناك المادة... وهناك ما له معنى».

فاللحظات التي تدفع البشر إلى الفعل، كالحب والإبداع والرسالة، نادراً ما تكون نتاج حسابات منطقية. إنها تنبع من إدراك أعمق يتجاوز البيانات، وهو ما يجعل القدرة على إنتاج المعنى محوراً جديداً للقيمة.

خطر انهيار الهوية

ورغم أن فقدان الوظائف يشغل حيزاً كبيراً من النقاش، يرى ريدال أن الخطر الأعمق يكمن في الهوية نفسها؛ فقد بنى الناس عبر أجيال تعريفهم لذواتهم على ما يفعلونه. لم تكن الوظيفة مجرد مصدر دخل، بل إطار للمعنى والانتماء. لكن مع قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء هذه الأدوار، ينهار هذا الإطار. ويردف: «لن يفقد الناس وظائفهم فقط، بل سيفقدون الإجابة عن سؤال: من أنا؟».

وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تظهر بالفعل في ازدياد الشعور بالعزلة وفقدان المعنى. ومع غياب الغاية، تتجاوز التأثيرات الجانب الاقتصادي لتطال الاستقرار النفسي والاجتماعي.

لا يعيد الذكاء الاصطناعي فقط تشكيل العمل، بل يفرض إعادة تعريف جوهر الذكاء الإنساني نفسه (شاترستوك)

وهم الاستعانة بالآلة في التفكير

في موازاة ذلك، يبرز خطر آخر أقل وضوحاً كتفويض التفكير للآلة. يحذر ريدال قائلاً: «عندما تفوّض تفكيرك النقدي، لا تحصل فقط على إجابة أسرع، بل تفقد تدريجياً القدرة على معرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة».

وهذا ما يسميه «التراجع الإنساني»، أي تآكلاً بطيئاً للقدرات الذهنية والقدرة على الحكم المستقل. والخطر هنا ليس فورياً، بل يتخفى خلف الراحة والكفاءة، بينما تتراجع القدرات الأساسية، دون أن نلاحظ.

تعزيز أم اعتماد؟

هذا يقود إلى سؤال محوري: هل يعزز الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان أم يستبدلها؟ يجيب ريدال: «السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإنسان خلف الأداة ينمو أم يتضاءل بهدوء».

عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة، يمكنه تطوير التفكير والإبداع. لكن عندما يحل محل الجهد الذهني، فإنه يضعف هذه القدرات. والاختبار هنا بسيط: إذا ابتعدت عن الأداة، هل تبقى لديك القدرة؟

أما على مستوى المؤسسات، فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى كفاءة ظاهرية، لكنه يخلق ثقافات عمل «فارغة». في المقابل، المؤسسات التي تستخدمه لتعزيز التفكير البشري تبني ميزة تنافسية مستدامة. ويصف ريدال هذه الميزة بـ«الإنسانية المصنوعة يدوياً» أي العمق والأصالة اللذين لا يمكن تحويلهما إلى سلعة.

يرى الكاتب أن الخطر الأكبر لا يكمن في فقدان الوظائف بل في اهتزاز هوية الإنسان المرتبطة بما يفعله

إعادة التفكير في التعليم

تكشف هذه التحولات أيضاً حدود أنظمة التعليم الحالية، التي صُممت لنقل المعرفة، وهي مهمة يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي، اليوم. ويرى ريدال أن التعليم يجب أن يُعاد بناؤه حول الإبداع والحكمة والشخصية. الإبداع يعني القدرة على إنتاج أفكار جديدة. والحكمة تنبع من التجربة والتأمل، لا من المعلومات فقط. أما الشخصية، فتشمل القيم والقدرة على بناء علاقات إنسانية حقيقية. وفي مناطق، مثل الشرق الأوسط، حيث لا تزال تقاليد التعلم المجتمعي، ونقل الحكمة حاضرة، قد تمثل هذه المقومات ميزة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي.

ما بعد الاقتصاد التقليدي

يذهب ريدال أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه؛ ففي عالم قد لا يعتمد على العمل البشري بالشكل التقليدي، تصبح مفاهيم، مثل الإنتاجية والناتج المحلي، بحاجة إلى إعادة تعريف. وقد تنتقل القيمة إلى معايير تتعلق بجودة الحياة والمعنى والعلاقات الإنسانية. لكن هل يمكن للآلة أن تحل محل الحدس؟

يرد ريدال، عادّاً أن جزءاً من الحدس يمكن تفسيره كتعرُّف سريع على الأنماط، لكن هناك بُعداً أعمق يسميه «المعرفة التلقائية»، وهو إدراك لا يعتمد على التحليل، بل على الحضور الذهني العميق؛

فكثير من الاكتشافات الكبرى لم تأتِ من التفكير المكثف، بل من لحظات صفاء. وما إذا كان هذا النوع من الإدراك يمكن للآلة الوصول إليه، يبقى سؤالاً مفتوحاً.

تحدّ تنظيمي يتجاوز الاقتصاد

مع توسع الذكاء الاصطناعي، تتجاوز آثاره الجانب الاقتصادي لتشمل الإدراك والصحة النفسية. ويؤكد ريدال ضرورة أن تأخذ السياسات العامة هذه الجوانب بعين الاعتبار، محذراً من «أن عدم القيام بذلك يمثل فشلاً تنظيمياً لا عذر لنا فيه». في النهاية، لا يتمثل التحدي في تطور الذكاء الاصطناعي، بل في قدرة الإنسان على الحفاظ على استقلاله. ويؤكد ريدال أن الحل يبدأ بالوعي الذاتي حيث إن «تنمية الوعي ليست رفاهية... بل شرط أساسي للبقاء إنساناً كاملاً».


مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
TT

مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)
منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)

في تطور لافت ضمن سباق تقنيات الذكاء الاصطناعي، أعلنت شركة «أوكارا للذكاء الاصطناعي» (Okara AI) عن إطلاق خدمة جديدة توصف بأنها الأولى من نوعها، تتمثل في «رئيس تسويق تنفيذي» (CMO) يعمل بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، في محاولة لإعادة تشكيل مفهوم التسويق الرقمي وإدارة النمو للشركات الناشئة، والمؤسسات التقنية.

وتقوم الفكرة على تقديم نظام متكامل من «وكلاء الذكاء الاصطناعي» يعملون بتناغم ضمن بيئة واحدة، بهدف إدارة مختلف قنوات التسويق الرقمي دون تدخل بشري مباشر، بدءاً من تحسين محركات البحث، ووصولاً إلى إدارة الحضور على المنصات الاجتماعية، والمجتمعات التقنية.

تحول في مفهوم التسويق الرقمي

يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد فيه أدوات تطوير البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل منصات كتابة الأكواد وبناء التطبيقات، تسارعاً غير مسبوق، حيث بات بالإمكان تحويل الأفكار إلى منتجات رقمية خلال فترة زمنية قصيرة. إلا أن التحدي الأكبر ظل يتمثل في «التوزيع»، أو الوصول إلى المستخدمين، وهي الفجوة التي تسعى «Okara AI» إلى معالجتها.

وبحسب الشركة، فإن «مدير التسويق الذكي» الجديد يتولى تشغيل مجموعة من الوكلاء المتخصصين يومياً، من بينهم كاتب محتوى آلي، ووكيل تحسين محركات البحث (SEO). أيضاً من مهام «مدير التسويق الذكي» تحسين الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO) وإدارة الظهور على منصات مثل «Reddit» و«X» و«Hacker News».

تهدف هذه المنظومة إلى تنفيذ استراتيجية تسويقية متكاملة تشمل إنتاج المحتوى، وتوزيعه، وتحسين ظهوره عبر محركات البحث التقليدية، والجيل الجديد من محركات البحث المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

نظام قابل للتكامل مع القنوات الرقمية لإدارة التسويق عبر منصة موحدة (أوكارا)

خفض التكاليف وتعزيز الكفاءة

تطرح شركة «أوكارا للذكاء الاصطناعي» (Okara AI) خدمتها الجديدة بوصفها بديلاً منخفض التكلفة مقارنة بالنموذج التقليدي لإدارة التسويق، الذي يتطلب فريقاً متكاملاً يضم مدير تسويق، وخبراء تحسين محركات البحث، وكتاب محتوى، ومديري مجتمعات رقمية.

وتشير تقديرات السوق إلى أن تكلفة هذا الفريق قد تتراوح بين 60 ألفاً و160 ألف دولار سنوياً، في حين توفر الخدمة الجديدة بديلاً رقمياً مقابل اشتراك شهري يبدأ من نحو 99 دولاراً، ما يعكس توجهاً متزايداً نحو أتمتة الوظائف المعرفية، وتقليل الاعتماد على الموارد البشرية.

يعالج انخفاض الزيارات عبر تحسين ترتيب صفحات الموقع (أوكارا)

ظهور مفهوم «تحسين محركات الذكاء الاصطناعي»

من أبرز ما يميز الخدمة الجديدة اعتمادها على مفهوم حديث نسبياً يعرف بـ«تحسين محركات التوليد» (Generative Engine Optimization-GEO)، والذي يركز على تحسين ظهور المحتوى داخل منصات الذكاء الاصطناعي، مثل محركات البحث التوليدية، بدلاً من الاقتصار على محركات البحث التقليدية.

ويعكس هذا التوجه تحولات أعمق في سلوك المستخدمين الذين باتوا يعتمدون بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، ما يفرض على الشركات إعادة صياغة استراتيجياتها التسويقية لتواكب هذا التحول.

نحو مستقبل تسويقي مؤتمت

يمثل إطلاق «مدير التسويق الذكي» من «Okara AI» خطوة إضافية في مسار أتمتة العمليات الرقمية، ويعكس اتجاهاً متنامياً نحو الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة النمو والتسويق.

وفي حين لا يبدو أن هذه الأنظمة ستلغي دور البشر بشكل كامل في المدى القريب، إلا أنها تؤسس لنموذج هجين يجمع بين قدرات الذكاء الاصطناعي وسرعته، وبين الرؤية الاستراتيجية والإبداع البشري، وهو ما قد يعيد رسم ملامح قطاع التسويق الرقمي خلال السنوات المقبلة.


الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية

الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية
TT

الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية

الذكاء الاصطناعي يُعقّد مخاطر الخصوصية

قضى قاضٍ فيدرالي هذا الشهر، بأن محادثات أي شخص مع برنامج الدردشة الآلي «كلود»، التابع لشركة «أنثروبيك»، لا تتمتع بحماية الحفاظ على السرية، التي تحظى بها محادثات المحامي وموكله، حتى وإن كان استخدام البرنامج بهدف للتحضير لمقابلة محامين.

خروق «ذكية»

وقبل أسابيع، أثارت شركة «رينغ»، المملوكة لشركة «أمازون»، والمتخصصة في صناعة كاميرات أجراس الأبواب، غضباً واسع النطاق عندما نشرت إعلاناً خلال مباراة «سوبر بول»، يُظهر كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للعثور على الكلاب الضائعة. وسرعان ما أشار النقاد إلى إمكانية استخدامه كذلك لمراقبة حيّ بأكمله. ومنذ ذلك الحين، أعلنت الشركة اعتذارها مرات عدة.

وأظهر إعلان شركة «رينغ»، صاحب كلب مفقود يستخدم ميزة «البحث الجماعي»، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، وصوراً من شبكة كاميرات مراقبة منزلية للعثور على الكلب المفقود. وأوضحت الشركة أن مالكي كاميرات «رينغ» مُلزمون بالموافقة على مشاركة المعلومات من خلال طلب «البحث الجماعي».

امرأة قاتلة تحادثت مع «جي بي تي»

وخلال الأسبوع الماضي، ظهرت أنباء تفيد بأن شركة «أوبن إيه آي»، المطورة لبرنامج «تشات جي بي تي»، كانت على علم بتفاعلات امرأة من مقاطعة كولومبيا البريطانية مع برنامج الدردشة الآلي، وأن الشركة فكرت في إبلاغ السلطات عنها قبل أشهر من ارتكابها جريمة إطلاق نار جماعي.

وفي الوقت الذي تواجه «أوبن إيه آي» تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي عليها أن تكون أكثر استباقية في الإبلاغ عما كتبته هذه السيدة، تسلط هذه الحادثة الضوء على احتمال تعرض شركات الذكاء الاصطناعي لمزيد من الضغوط لمشاركة سجلات المحادثات الخاصة مع السلطات.

في قلب هذه العناوين، احتل الذكاء الاصطناعي التوليدي موقع الصدارة - التكنولوجيا التي شاع استخدامها بفضل برامج الدردشة الآلية، والتي بدأت تتغلغل في الأدوات اليومية، التي يستخدمها الناس للبحث عبر الإنترنت وكتابة المقالات والبرمجة. ويثير التواتر المستمر للتقارير الإخبارية المتعلقة بخصوصية المستهلك، تساؤلات حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد كشف معلومات شخصية للأفراد، أكثر مما كان عليه في السابق.

في هذا الصدد، عبَّر خبراء معنيون بالخصوصية عن اعتقادهم بأنه على أرض الواقع، فإن المخاطر المرتبطة بمشاركة البيانات مع شركات التكنولوجيا لا تزال كما هي تقريباً دونما تغيير؛ فأي بيانات تُرسل إلى خوادم الشركة قد تكون متاحة أمام الموظفين أو الجهات الحكومية أو المحامين أو حتى المجرمين، الذين استولوا على البيانات من خلال ثغرات أمنية.

مخاطر المحادثات الحميمة مع الأدوات الذكية

بيد أن الطبيعة الحميمة للمحادثات مع برامج الدردشة الآلية تضيف بعداً جديداً لمشكلة قديمة؛ فالناس اليوم يشاركون معلومات أكثر بكثير مما كانوا يفعلون في السابق. وعلى عكس أدوات البحث التقليدية على الإنترنت، تدعو برامج الدردشة الآلية المستخدمين إلى كتابة أفكارهم كاملةً وطرح مزيد من الأسئلة؛ ما يكشف عن نواياهم بشكل أوضح.

في هذا السياق، شرح كريس جيليارد، الباحث المستقل بمجال الخصوصية في ديترويت، أنه: «في كثير من الحالات، تتشابه المشكلات، لكننا نعاين اليوم طريقة جديدة للتفاعل مع التكنولوجيا لم تكن مألوفة من قبل. وعندما يحدث ذلك، يحتاج الناس إلى إعادة صياغة رؤيتهم للمخاطر والأضرار».

الحقيقة أن هذا درسٌ اضطر مستخدمو الإنترنت إلى تعلمه مرة بعد أخرى. فقبل نحو ثماني سنوات، تعرضت شركة «ميتا»، المعروفة سابقاً باسم «فيسبوك»، لانتقادات حادة عندما انتشر خبر جمع شركة «كمبردج أناليتيكا»، المعنية بالاستشارات السياسية، بيانات 87 مليون مستخدم لـ«فيسبوك» بطريقة غير مشروعة.

عدم تسجيل المحادثات المؤقتة

كانت تلك لحظة فارقة دفعت الناس إلى إعادة النظر في مشاركة بياناتهم الشخصية عبر الإنترنت. ومع ذلك، يبدو أن هذا الدرس قد طواه النسيان في عصر روبوتات الدردشة، التي يلجأ إليها الناس طلباً للمساعدة في العمل، والعلاج النفسي، وحتى الرفقة الحقيقية.

من جهتها، أعلنت «أوبن إيه آي» أنها منحت المستخدمين تحكماً كاملاً في كيفية استخدام بياناتهم، بما في ذلك خيار استخدام محادثات مؤقتة لا تُسجل في سجل «تشات جي بي تي». كما أكدت «أنثروبيك» التزامها بالقوانين المعمول بها، وأنها قد تُطالب بمشاركة المعلومات عند تقديم طلبات قانونية مشروعة.

وفي حادثة المرأة مطلِقة النار جيسي فان روتسيلار أكدت شركة «أوبن إيه آي» في بيان لها أن: «حماية الخصوصية والأمان في (تشات جي بي تي) أمر بالغ الأهمية، ونحن نولي الأولوية للأمان عندما يكون هناك تخطيط موثوق ووشيك لإحداث ضرر حقيقي في العالم الواقعي. وتتولى أنظمتنا الآلية تصعيد الحالات الحرجة، مثل تشكيل تهديد للحياة أو التهديد بإلحاق الأذى الجسيم بالآخرين، لإخضاعها مراجعة بشرية محدودة لاتخاذ الإجراءات اللازمة».

مناقشات قانونية

وفي حين أنه ليس من المستغرب أن يكون لدى «أوبن إيه آي»، كغيرها من الشركات، نظام لمراقبة إساءة استخدام خدماتها، فإن الحادثة سالفة الذكر من المحتمل أن تثير نقاشاً في أوساط الخبراء القانونيين، حول ما إذا كان ينبغي تحميل شركات الذكاء الاصطناعي المسؤولية عن المحادثات، التي يجريها المستخدمون مع روبوتات الدردشة، ومتى يصبح من الضروري مشاركة البيانات مع جهات إنفاذ القانون، حسب ما ذكرته جينيفر غرانيك، المحامية المتخصصة في شؤون المراقبة والأمن السيبراني، لدى «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية».

وأضافت أن المادة 230 من قانون آداب الاتصالات تضفي حماية عامة على شركات الإنترنت من المسؤولية عن المحتوى، الذي ينشره المستخدمون عبر مواقع مثل «فيسبوك»، لكن من غير الواضح ما إذا كان ينبغي تطبيق هذه السياسات بالمثل على روبوتات الدردشة، بالنظر إلى اختلاف طبيعة المحادثات عن المنشورات عبر المنصات. وقالت: «سنبدأ الفترة المقبلة في معاينة المزيد من الدعاوى القضائية لتوضيح طبيعة مسؤولية الإبلاغ لجهات إنفاذ القانون».

قاضٍ يبتّ بقضية احتيال

وتُبيّن قصة برنامج الدردشة الآلي «كلود»، التابع لشركة «أنثروبيك»، كيف يمكن أن تحدث حالة من الارتباك، عندما يتعامل الناس مع برامج الدردشة الآلية التجارية كأداة لتدوين الملاحظات والبحث. وقد قرر قاضٍ فيدرالي السماح للمدعين العامين بالاطلاع على نصوص محادثات رجل متهم بالاحتيال الإلكتروني، كان قد تواصل مع «كلود» في خضم استعداده للحديث مع المحامين. وكان مبرر القاضي أن «كلود» ليس محامياً، وبالتالي لا يتمتع بحماية الحفاظ على سرية تفاعلات المحامي مع موكله. وقد أثار قرار القاضي جدلاً واسعاً بين المحامين في جميع أنحاء البلاد؛ لأنه سلّط الضوء على المخاطر المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي مقارنةً بالأدوات التقليدية.

في المقابل، إذا دوّن المتهم ملاحظات وشاركها مع محاميه فقط، فقد تكون محمية بموجب سرية العلاقة بين المحامي وموكله، كما أوضحت لورا ريبوسو فاندروف، الشريكة في مكتب كيلي دراي للمحاماة، والمعنية بشؤون خصوصية المستهلك وأمن البيانات. ونظراً لأن المحادثات مع روبوت الدردشة يجري تخرينها على خوادم الشركة، فقد لا تكون محمية قانونياً.

من جهتها، أوضحت شركة «أنثروبيك» أن المتهم الذي حاول حماية نصوص محادثاته مع «كلود»، بموجب سرية العلاقة بين المحامي وموكله، قدّم النصوص مباشرةً إلى المحكمة عندما صادرت السلطات الفيدرالية أجهزته، ما يعني أن «أنثروبيك» لم تشارك البيانات.

* خدمة «نيويورك تايمز»