عقدت محكمة الجنايات العليا في إسطنبول أمس الجمعة آخر جلسات الاستماع إلى 17 من الصحافيين والمسؤولين في صحيفة «جمهوريت» يحاكمون بتهمة تقديم الدعم لتنظيمات إرهابية، فيما حثت واشنطن السلطات التركية على الإفراج عنهم فوراً.
واستمرت جلسات الاستماع على مدى 5 أيام بحضور جميع المتهمين الذين يواجهون اتهامات بـ«عضوية منظمات إرهابية مسلحة» و«مساعدة منظمات إرهابية مسلحة دون أن يكونوا أعضاء فيها».
وأمضى المحبوسون من صحافيي وإداريي صحيفة «جمهوريت» 272 يوماً في السجن، باستثناء الكاتب الاستقصائي البارز أحمد شيك الموقوف منذ 211 يوماً. وظلّت الصحيفة منذ اعتقالهم تخصص مساحات بيضاء في مكان أعمدتهم.
وجاء في لائحة الاتهام الواقعة في 324 صفحة أن جماعة الداعية فتح الله غولن (حركة الخدمة التي أعلنتها السلطات منظمة إرهابية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) 2016 واتهمتها بتدبير المحاولة) سيطرت بشكل فعال على صحيفة «جمهوريت»، وتم استغلالها «للتغطية على أعمال الجماعات الإرهابية». ووصفت الصحيفة التهم بأنها «اتهامات وهمية وتشهير».
ونشرت الصحيفة أخباراً وتقارير سبق أن نشرتها على مدى السنوات الماضية تحذّر فيها من تغلغل حركة غولن في مفاصل الدولة. واتهم الكاتب الصحافي أحمد شيك، في إفادته أمام المحكمة، الحكومة التركية، بأنها أكبر فصيل تابع لحركة غولن وأنها أكبر من استفاد من محاولة الانقلاب الفاشلة في تعزيز سلطتها بعدما مكّنت للحركة من قبل التغلغل في أجهزة الدولة.
وتشكّل التدوينات على تطبيقات التواصل الاجتماعي الجزء الأكبر من الأدلة التي استندت إليها لائحة الاتهام، إضافة إلى مزاعم بأن المتهمين كانوا على اتصال بمستخدمي تطبيق «بايلوك» للرسائل المشفرة، الذي تقول الحكومة إن أتباع غولن كانوا يستخدمونه للتواصل فيما بينهم. وتتضمن اللائحة اتهامات أيضاً بدعم حزب العمال الكردستاني وحزب جبهة التحرير الشعبي الثوري وحركة غولن التي تسميها الحكومة «منظمة فتح الله غولن الإرهابية».
ويطالب الادعاء بعقوبات تتراوح بين السجن 7 سنوات ونصف سنة و43 سنة للعاملين في الصحيفة، وبينهم بعض أشهر الصحافيين في تركيا اتهموا باستهداف الرئيس رجب طيب إردوغان بـ«وسائل حرب غير متكافئة». ومن الأسماء المعروفة في الأوساط الإعلامية والسياسية والشعبية في تركيا من بين الخاضعين للمحاكمة، الكاتب قدري غورسال ورئيس التحرير مراد صابونجو، إضافة إلى رسام الكاريكاتير موسى كارت، والكاتب الصحافي الاستقصائي أحمد شيك، المعروف خصوصاً بكتابه الذي نشر عام 2011 تحت عنوان «جيش الإمام» الذي كشف فيه عن مدى قوة القبضة التي كانت لدى «حركة الخدمة» التابعة للداعية غولن، المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا العام الماضي، على الدولة التركية.
ومن بين المتهمين السبعة عشر يحاكم 11 منهم وهم رهن الحبس الاحتياطي بمن فيهم غورسال وصابونجو وكارت وشيك، بينما الستة الآخرون خارج السجن لكنهم يخضعون للإشراف القضائي.
وإضافة إلى ذلك، يحاكم غيابياً رئيس تحرير الصحيفة السابق جان دوندار الذي فر إلى ألمانيا، حيث حكم عليه بالسجن لمدة خمسة أعوام وعشرة أشهر على خلفية تقرير في الصفحة الأولى اتهم فيه الحكومة التركية بإرسال أسلحة إلى سوريا في القضية المعروفة باسم «شاحنات المخابرات» التي حكم فيها بالسجن المؤبد في 14 يونيو (حزيران) الماضي على نائب حزب الشعب الجمهوري أنيس بربر أوغلو، بتهمة إفشاء أسرار الدولة بغرض التجسس السياسي أو العسكري بعدما سلّم الصحيفة نفسها مقاطع فيديو تظهر عمليات نقل أسلحة إلى تنظيم داعش أو منظمات متطرفة أخرى في سوريا من خلال 3 شاحنات ترافقها عناصر من المخابرات التركية أوقفت في أضنة (جنوب) في 19 يناير (كانون الثاني) عام 2014. وقالت الحكومة إن الشاحنات كانت تنقل مساعدات طبية إلى التركمان في شمال سوريا، وإن حركة غولن دبرت عملية توقفها في أضنة بهدف إحداث اضطراب في البلاد والإطاحة بالحكومة التي كان يرأسها إردوغان في ذلك الوقت، ونشرت الصحيفة هذه المقاطع في مايو (أيار) 2015.
وتأسست الصحيفة عام 1924، بعد عام واحد من تأسيس الجمهورية التركية.
وتشير لائحة الاتهامات إلى أن «جمهوريت» أطلقت عملية تهدف إلى بدء «حرب غير متكافئة» ضد إردوغان وكتابة أخبار تخدم «المناورة الانفصالية».
ويسعى الادعاء إلى استصدار عقوبة بالسجن لمدة تتراوح بين 5 و15 عاماً بالنسبة إلى كل من دوندار وصابونجو وغورسال وأيدين إنجين وبولنت ينار وغونشيلي أوزالطاي بتهمة «مساعدة منظمة إرهابية مسلحة دون أن يكونوا أعضاء فيها». فيما طالبت النيابة العامة بالسجن مدداً تتراوح بين 11 عاماً ونصف عام و43 عاماً لكل من رئيس وأعضاء مجلس إدارة الصحيفة أكن أتالاي ومحمد أورهان أرينتش وأوندر تشيليك بتهمة مساعدة منظمة إرهابية مسلحة دون أن يكونوا أعضاء فيها و«إساءة استخدام الثقة».
وإضافة إلى ذلك، طلب المدعي العام السجن لمدة تتراوح بين 7.5 و15 عاما بحق الصحافي أحمد شيك لاتهامه بأنه عضو في حزب العمال الكردستاني وحزب جبهة التحرير الشعبية الثورية المحظورين.
في السياق نفسه، حثت واشنطن السلطات التركية على الإفراج فوراً عن الصحافيين والمسؤولين بصحيفة «جمهوريت»، وأشارت إلى أن القبض عليهم تم بموجب حالة الطوارئ المعلنة في البلاد عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، وأنهم تعرضوا للسجن لمدة تقترب من عام دون توجيه اتهامات إليهم.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت: «إننا نواصل حث الحكومة التركية على احترام وضمان حرية التعبير وضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء وحقوق الإنسان والحريات الأساسية الأخرى، وإطلاق سراح الصحافيين وغيرهم ممن نعتقد أنهم محتجزون بشكل تعسفي في ظل حالة الطوارئ». وأضافت نويرت رداً على سؤال بشأن محاكمات صحافيي «جمهوريت» في مؤتمر صحافي الليلة قبل الماضية أن «الولايات المتحدة لا تزال تشعر بقلق بالغ إزاء الاعتقال الواسع النطاق والاحتجاز السابق على المحاكمة الذي يحدث لأفراد في تركيا ينتقدون الحكومة». وتابعت أنها تحدثت مع السفير الأميركي في أنقرة جون باس حول المحاكمة، وأنه أخبرها بأن أعضاء من السفارة الأميركية انضموا إلى زملائهم من البعثات الأخرى في مراقبة بعض إجراءات المحاكمة، وأنه قام بزيارة للصحيفة، و«هذا يدل حقاً على مستوى قلقنا، وحقيقة أنه ذهب إلى هناك للتعبير عن دعمه للصحافيين، ودعمه لإيماننا بالحريات، بما في ذلك حرية التعبير على الرغم من أن حكومات أخرى لا يروق لها الأمر، هو بمثابة تأكيد جدي على دعمنا لوسائل الإعلام الحرة والمستقلة، والعمل المهم الذي يقومون به في المجتمعات الديمقراطية».
وتتعرض تركيا لانتقادات حادة من الاتحاد الأوروبي، بشكل أساسي لكونها دولة مرشحة لعضويته، بسبب اعتقال الصحافيين بموجب قانون الطوارئ، وإن كانت الإدارة الأميركية الجديدة أقل صخباً من الإدارة السابقة برئاسة باراك أوباما في انتقادها أوضاع حقوق الإنسان والديمقراطية في تركيا.
وكانت محاكمة الصحافيين والمسؤولين الـ17 في «جمهوريت» انطلقت الاثنين الماضي، لتضاف إلى كثير من القضايا التي تتعلق بحرية الصحافة والتعبير التي تواجه الحكومة التركية بسببها انتقادات داخلية وخارجية واسعة.
وتجمّع مئات من نواب حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي المعارضين والناشطين الحقوقيين والمواطنين من قراء الصحيفة، التي تعد أحد الأصوات القليلة المعارضة في تركيا، أمام القصر العدلي في منطقة تشاغليان في إسطنبول وأمام مقر الصحيفة نفسها في حي بيشكتاش للاحتجاج على محاكمة الإعلاميين، مرددين هتاف «الصحافة ليست جريمة». وتواصلت التجمعات الداعمة للمتهمين طوال الأيام الخمسة لجلسات الاستماع.
تركيا تختتم محاكمة صحافيي «جمهوريت» وواشنطن تطالب بالإفراج الفوري عنهم
الادعاء يطالب بعقوبات تصل إلى السجن 43 عاماً لإعلاميين متهمين بـ«دعم الإرهاب»
تركيا تختتم محاكمة صحافيي «جمهوريت» وواشنطن تطالب بالإفراج الفوري عنهم
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




