سوزان كولينز... آخر جيل «جمهوريي نيوإنغلاند» الليبراليين

السيناتورة التي واجهت البيت الأبيض حول برنامج أوباما الصحي

سوزان كولينز... آخر جيل «جمهوريي نيوإنغلاند» الليبراليين
TT

سوزان كولينز... آخر جيل «جمهوريي نيوإنغلاند» الليبراليين

سوزان كولينز... آخر جيل «جمهوريي نيوإنغلاند» الليبراليين

خلال الأيام القليلة الماضية صوّت مجلس الشيوخ الأميركي مرتين على إلغاء برنامج الرئيس السابق باراك أوباما للرعاية الصحية. في الأولى – وكانت ذات طابع إجرائي – اضطر نائب الرئيس الأميركي مايك بنس إلى ممارسة حقه في التصويت لكسر تعادل الأصوات بعد وقوف عضوين من الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ مع الأعضاء الديمقراطيين، واقتراعهما ضد توجه حزبهما والرئيس دونالد ترمب الهادف إلى إلغاء البرنامج حتى قبل التوافق على برنامج بديل. أما «الشيخان» الجمهوريان المتمرّدان فكانا في الحقيقة «شيختين» هما السيناتورة سوزان كولينز (من ولاية مين) والسيناتورة ليزا موركاوسكي (من ولاية ألاسكا). السيناتورتان تُعدّان من التيار المعتدل - الليبرالي اجتماعياً في الحزب، وهما تمثلان ولايتين تقعان في أقصى شمال شرقي البلاد وأقصى شمال غربها. وفي المرة الثانية، في التصويت الحاسم على مشروع «قانون الرعاية الميسّرة» انضم السيناتور المخضرم والمرشح الرئاسي السابق جون ماكين إلى كولينز وموركاوسكي والديمقراطيين ليسقط الثلاثة خطط الحزب الجمهوري والبيت الأبيض. ولئن كان موقف موركاوسكي ظل موضع أخذ ورد، قبل أن تحسم أمرها، فإن كولينز أعلنت منذ البداية أنها لا تستطيع تأييد إلغاء البرنامج قبل إقرار برنامج بديل يحفظ حقوق الأميركيين وصحتهم.
ثمة توافق بين متابعي المشهد السياسي في العاصمة الأميركية واشنطن أن السيناتورة سوزان كولينز تعتبر اليوم العضو الجمهوري الأكثر اعتدالاً في مجلس الشيوخ، وأقربهم إلى عقد تفاهمات مع الشيوخ الديمقراطيين.
أكثر من هذا، فإن كولينز هي اليوم العضو الجمهوري في المجلس من ولايات إقليم نيوإنغلاند الست، وهو الإقليم الذي يحتل الزاوية الشمالية الشرقية من الولايات المتحدة، وذلك بعد تحوّل الحزب الجمهوري تدريجياً خلال العقود الأخيرة إلى حزب محافظ متشدد اجتماعياً ودينياً. وأدى هذا التحوّل عملياً إلى تزايد جاذبية الحزب في ولايات الجنوب الزراعية (في «حزام القطن» و«حزام التبغ») التي كانت حتى منتصف القرن الـ20 معاقل للديمقراطيين المحافظين، مقابل تراجع حضور الجمهوريين في ولايات نيوإنغلاند، وكذلك في ولايات نيويورك وكاليفورنيا وإيلينوي.
وحقاً، كانت ولايات إنجلاند بين أقدم ولايات الاتحاد الأميركي وأعرقها وأقدمها هجرة. وكانت مدينة بوسطن «العاصمة» غير الرسمية لنيوإنغلاند، والعاصمة الرسمية لماساتشوستس، كبرى ولايات الإقليم وما زالت تعدّ مهد الثقافة الأميركية ومعقل الأسر الأرستقراطية الراقية والثرية التي لعبت دوراً مباشرا في بناء أميركا. وكان الجمهوريون حتى نصف قرن من الزمن يشكلون القوة السياسية الرئيسة في بوسطن، قبل أن تغدو بوسطن وماساتشوستس من أهم معاقل الديمقراطيين الليبراليين.
موقف سوزان كولينز، في واقع الأمر يعبّر تماماً عن مفاهيم الحزب الجمهوري كما كان وليس كما أصبح. يعبّرون عمّا كان عليه «حزب أبراهام لنكولن» في اعتداله وإطلالاته على عموم البلاد... وليس عن الحزب المتشدّد ضد الأجانب والذي يعتمد على أصوات غلاة الإنجيليين البيض في ولايات الجنوب والوسط.
وحتى بضع سنوات خلت ما كانت كولينز الوجه الجمهوري الوحيد الذي أرسله ناخبو نيوإنغلاند إلى مجلس الشيوخ في واشنطن. فإبان رئاسة الرئيس بيل كلينتون كان في المجلس عدد من الشيوخ الجمهوريين الذين وقفوا معه ومع الديمقراطيين ضد حزبهم فحالوا دون إدانته بتهم الكذب للتستر على فضيحة مسلكية، وذلك من منطلق اعتبارهم أن سلوكيات الرئيس مسألة حرية شخصية لا تمسّ أمن البلاد، ولا تؤثر على إدارته شؤونها. وكان بين هولاء، إلى جانب كولينز، زميلتها من ولاية مين السيناتورة أوليمبيا سنو، والسيناتور جيمس جيفوردز من ولاية فيرمونت، والسيناتور جون تشايفي من ولاية رود أيلاند. وبعد ذلك استقال جيفوردز من الحزب الجمهوري وصار مستقلاً يصوت مع الديمقراطيين. أما تشايفي فقد خلفه أبنه لنكولن، الذي لم يكتف بمغادرة الحزب، بل انضم لاحقاً إلى الحزب الديمقراطي وخاض الانتخابات التمهيدية الرئاسية مرشحا ديمقراطيا.

بطاقة هوية
ولدت سوزان مارغريت كولينز يوم 7 ديسمبر (كانون الأول) 1952 في بلدة كاريبو الواقعة بأقصى شمال شرقي ولاية مين والولايات المتحدة، قرب خط الحدود مع كندا. ونشأت بين 6 أشقاء وشقيقات في أسرة ميسورة تتعاطى الشأن السياسي بجانب تجارة الخشب؛ إذ كان أبوها عمدة للبلدة كما كان عضواً في المجلسين التشريعين (الشيوخ والنواب) للولاية، كذلك كان عمها قاضياً بارزاً وأيضاً عضواً في مجلس شيوخ الولاية. وهي متزوجة منذ صيف العام 2012 من توماس دافرون، الرئيس التنفيذي لمجموعة استشارية.
ومنذ أيام المدرسة في بلدتها الصغيرة، برز اهتمام سوزان بالشأن العام والنشاط الاجتماعي والطالبي، فانتخبت رئيسة لمجلس الطلبة. وشاركت في سنتها الثانوية الأخيرة في برنامج الشباب الخاص بمجلس الشيوخ الأميركي؛ ما أتاح لها زيارة واشنطن لأول مرة. وهناك اجتمعت لمدة ساعتين بالسيناتورة الجمهورية المخضرمة مارغريت تشيز سميث، إحدى أشهر الشخصيات السياسية في تاريخ ولاية مين. ومن المفارقات أن كولينز كانت أول مندوب للبرنامج يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، بل ولقد احتلت بالذات المقعد الذي احتلته لسنين تشيز سميث.
وبعد الدراسة الثانوية، التحقت سوزان كولينز بجامعة سانت لورانس في شمال ولاية نيويورك، حيث درست العلوم السياسية وتخرّجت بتفوق عالٍ في هذه الجامعة الخاصة الراقية بشهادة بكالوريوس آداب. ومن ثم، بدأت العمل عام 1975 مساعدة تشريعية في فريق النائب فالسيناتور الجمهوري المعتدل ويليام كوهين (وزير الدفاع الأميركي لاحقاً إبان رئاسة بيل كلينتون) واستمرت في هذا المنصب حتى 1987. وبجانب عملها هذا، عيّنت عام 1981 مديرة للجنة الفرعية للرقابة على الإدارة الحكومية في مجال الأمن الوطني، وتولت المهمة أيضاً حتى 1987.
في العام 1987 عيّنها جون ماكيرنان، حاكم مين، مفوضة لإدارة الضبط والتنظيم المهني والمالي في الولاية. وبعد خمس سنوات، عام 1992. عيّنها الرئيس جورج بوش الأب مدير المكتب الإقليمي لإدارة الأعمال التجارية الصغرى، وكان مقرها في بوسطن.
وفي العام التالي، اختيرت كولينز وهي لا تزال في بوسطن نائب أمين صندوق لولاية ماساتشوستس. غير أنها بعد سنة، عام 1994 عادت إلى مين حيث رُشّحت لمنصب حاكم الولاية عن الحزب الجمهوري وباتت أول امرأة يرشحها أحد الحزبين الأميركيين الكبيرين لمنصب الحاكم في مين على الرغم من وقوف محافظي الحزب ضدها. إلا أنها احتلت المرتبة الثالثة بين أربعة مرشحين، خلف المرشح الديمقراطي الفائز جوزيف برينان والمرشح المستقل آنغوس كينغ (السيناتور الحالي). وبعد هذه المحطة السياسية المبكّرة أسست كولينز وأدارت مركز الأعمال التجارية العائلية في جامعة هاسون في الولاية.

في مجلس الشيوخ
العام 1996 كان بداية الصعود الحقيقي لسوزان كولينز، ففيه فازت بانتخابات الكونغرس ودخلت لأول مرة مجلس الشيوخ الأميركي محتلة مقعد «راعيها» السابق ويليام كوهين – الذي استقال كي يتولى منصب وزير الدفاع –، ولقد احتفظت فيما بعد بمقعدها في انتخابات أعوام 2002 و2006 و2014 بغالبية كبيرة، بل ومتزايدة. وهي راهناً – كما سبقت الإشارة – السيناتور الجمهوري الوحيد من ولايات نيوإنغلاند الست، وذلك بعد هزيمة السيناتورة كيلي آيلوت أمام منافستها الديمقراطية ماغي حسن في ولاية نيوهامبشير مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
منذ دخول كولينز مجلس الشيوخ تمكنت في إثبات نفسها، وبفضل قوة شخصيتها ومرونتها واعتدالها العاقل وقدرتها على المحاورة والمساومة مع الخصوم، نجحت في معظم المهام التي تولتها. ومنذ دخولها المجلس فإنها باتت أحد الأعضاء الأنشط والأكثر تصويتاً على مشاريع القرارات المرفوعة إلى المجلس، بما فيها تصويتها تأييداً على شن الحرب على العراق عام 2002، وبحلول سبتمبر (أيلول) 2015 كانت قد صوّتت ستة آلاف مرة – وهو ثاني أعلى رقم مسجل في تاريخ المجلس –، وفي هذا دليل على شدة التزامها وحضورها الدائم (لم تتغيب ولو مرة واحدة عن التصويت) ونشاطها الدؤوب.
وعلى صعيد علاقاتها بحزبها، فإنها تعدّ كولينز السيناتور الجمهوري الأقرب إلى التوافق الحزبي داخل مجلس الشيوخ، ولقد عزّزت سمعتها المعتدلة لسنوات طويلة تقاسمت خلالها تمثيل ولاية مين في المجلس مع زميلتها أوليمبيا سنو (ذات الأصل اليوناني). ونشطت عبر السنين في الكثير من التنظيمات التي تتبنى القضايا الليبرالية داخل الحزب الجمهوري ومنها التنظيمات المهتمة بنظافة البيئة وحرية الإجهاض وحقوق الإنسان، بل إنها كانت بين ستة مرشحين جمهوريين فقط أيدتهم «حملة حقوق الإنسان» عام 2008.
أكثر من هذا، اختارت مجلة «إل» في مارس (آذار) 2014 سيناتورة مين بين «أقوى عشر نساء في واشنطن». وفي استطلاع مسحي أعلنت نتيجته يوم 24 نوفمبر 2015 حصلت كولينز على نسبة قبول وتأييد تبلغ 78 في المائة، وهي الأعلى لسيناتور جمهوري وثاني أعلى نسبة قبول لأي سيناتور بعد النسبة التي يتمتع بها زميلها اليساري المستقل بيرني ساندرز، الذي نافس هيلاري كلينتون على ترشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو من ولاية فيرمونت الصغيرة القريبة من مين.

رفضها إدانة كلينتون
ولعل من أشهر المواقف التي أعطت سوزان كولينز سمعة واسعة على المستوى الوطني، موقفها إبان حملة الجمهوريين لإدانة الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون خلال عقد التسعينات من القرن الماضي. فيومذاك اقترحت كولينز وزميلتها سنو مشروع قرار يصوّت بموجبه مجلس الشيوخ بصورة منفصلة أولا على التهم الموجهة، وثانياً على التدابير المناسبة رداً عليها. ولكن بعد سقوط الاقتراح، صوّتت كولينز وسنو ومعهما زميلاهما في نيوإنغلاند الجمهوريان السيناتوران جون تشايفي وجيمس جيفوردز، وكذلك السيناتور الجمهوري آرلن سبكتر (من ولاية بنسلفانيا) مع الديمقراطيين لصالح براءة كلينتون من منطلق أنه على الرغم من أن كلينتون تقدم بإفادة كاذبة تحت القسم حول علاقاته الشخصية فإن ما يفعله لا يسوّغ عزله من منصب الرئاسة. وهكذا، خسر الجمهوريون المحافظون معركتهم لإطاحة الرئيس.
وخلال صيف العام الماضي، تحديداً يوم 8 أغسطس (آب) أعلنت كولينز أنها لن تصوّت لدونالد ترمب خلال المنافسات الترشيحية للحزب الجمهوري قبل انتخابات نوفمبر 2016. وبرّرت موقفها يومذاك بأنها لا ترى أنه «صالح للمنصب»، وأوضحت أن قرارها «يستند إلى قلة اكتراثه بمبدأ معاملة الآخرين باحترام، وهي فكرة تتجاوز السياسة». ومع أنها بعد ذلك وقفت معه، ثم أيدت قراره عزل جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (الإف بي آي)، فإنها يوم 28 يناير (كانون الثاني) الماضي كانت بين ستة جمهوريين عارضوا الحظر المؤقت الذي فرضه الرئيس ترمب على سفر أو هجرة المولودين في سبعة أقطار مسلمة. وانتقدت الشق الديني الذي يشمله مبدأ الحظر قائلة: «كما سبق لي القول خلال الصيف الماضي، لا يرتجى أي نفع ولا تخدم أي غاية الاختبارات الدينية في موضوع الهجرة، بل إنها تناقض قيمنا الأميركية».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».