مخاوف أوروبية من تأخر المفاوضات التجارية مع لندن

حكومة ماي تضع الأسس لاتفاقات تجارية لما بعد «بريكست»

وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون (يمين) ووفده خلال محادثات مع مسؤولين أستراليين بقيادة وزيرة الخارجية جولي بيشوب بسيدني أمس (رويترز)
وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون (يمين) ووفده خلال محادثات مع مسؤولين أستراليين بقيادة وزيرة الخارجية جولي بيشوب بسيدني أمس (رويترز)
TT

مخاوف أوروبية من تأخر المفاوضات التجارية مع لندن

وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون (يمين) ووفده خلال محادثات مع مسؤولين أستراليين بقيادة وزيرة الخارجية جولي بيشوب بسيدني أمس (رويترز)
وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون (يمين) ووفده خلال محادثات مع مسؤولين أستراليين بقيادة وزيرة الخارجية جولي بيشوب بسيدني أمس (رويترز)

أفادت مصادر دبلوماسية في بروكسل، أمس، بأن كبير المفاوضين الأوروبيين حول ملف «بريكست» نبّه إلى أن المفاوضات حول مستقبل العلاقات التجارية مع بريطانيا قد تتأخر بسبب موقف لندن الملتبس حول تكلفة خروجها من الاتحاد الأوروبي.
وكان ميشال بارنييه يعتزم البدء بالمفاوضات الأولية حول اتفاقات تجارية مقبلة في أكتوبر (تشرين الأول)، شرط إحراز «تقدم كافٍ» بحلول هذا الموعد على صعيد تفاصيل خروج لندن من الاتحاد، الأمر الذي بدأ في يونيو (حزيران). ولكن يبدو أن هذا الشرط صعب التحقيق بسبب التقدم الخجول في ملف الالتزامات المالية التي على لندن الإيفاء بها حيال الاتحاد الأوروبي، والتي يقدّرها الأوروبيون بشكل غير رسمي بما بين ستين ومائة مليار يورو.
وقال مصدر أوروبي لم يشأ كشف هويته، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «بارنييه وممثليه أعربوا عن شكوك إزاء إمكان بلوغ الهدف غير الرسمي المتمثل في شهر أكتوبر، بالنظر إلى موقف المملكة المتحدة من كلفة الخروج».
وأضاف أنه «إذا لم يتم التزام موعد أكتوبر، يمكن أن يكون الموعد غير الرسمي المقبل في ديسمبر (كانون الأول)، أي تزامناً مع القمة الأوروبية المقبلة.
ومن المقرر أن يجتمع القادة الأوروبيون من دون بريطانيا لتقييم مدى إحراز «تقدم كافٍ» في المفاوضات. وخلال آخر جولة مفاوضات في وقت سابق من هذا الشهر ببروكسل، طلب بارنييه من لندن أن تكون «واضحة» على صعيد تسوية التزاماتها في الموازنات الأوروبية التي سبق أن حددت. وعلّق مصدر أوروبي أن الحاجة إلى «بذل جهد أكبر لتحقيق (تقدم كافٍ) بحلول أكتوبر لا يمكن أن يكون مفاجأة بالنسبة إلى بريطانيا».
وإضافة إلى فاتورة «بريكست»، يعطي الاتحاد الأوروبي أولوية لملفين آخرين، هما مصير المواطنين الأوروبيين في المملكة المتحدة والبريطانيين في الاتحاد الأوروبي بعد خروج لندن، إضافة إلى مستقبل الحدود بين آيرلندا وآيرلندا الشمالية.
وكان البريطانيون أعربوا عن رغبتهم في مناقشة مستقبل علاقاتهم التجارية مع الاتحاد منذ البداية، لكن الأوروبيين شددوا على أن هذه المفاوضات الموازية لا يمكن أن تتم سوى في مرحلة ثانية.
وبهذا الصدد، أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية آمبر رود، أمس، أنها ستطلب من لجنة مستقلة تقييم التأثير الاقتصادي للمهاجرين الأوروبيين في المملكة المتحدة بهدف تحديد سياستها المقبلة في مجال الهجرة.
وكتبت الوزيرة في مقال نشرته «فاينانشيال تايمز» أن اللجنة الاستشارية حول الهجرة، وهي هيئة مستقلة عن الحكومة، ستنجز «دراسة مفصلة عن المهاجرين الآتين من الاتحاد الأوروبي والفضاء الاقتصادي الأوروبي إلى اقتصادات إنجلترا واسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية».
وتدافع الوزيرة التي أيدت بقاء المملكة في الاتحاد الأوروبي أثناء حملة استفتاء يونيو 2016، عن موقف معتدل في مفاوضات «بريكست» بخلاف عدد من نظرائها في الحكومة. وهي تؤكد أنها «تريد طمأنة» رجال الأعمال، مشيرة إلى أن الحكومة «تشاطرهم رغبتهم في الاستمرار في استقبال من يساعدون في ازدهار المملكة المتحدة (...) ولن تكون هناك قطيعة قاسية» في سياسة الهجرة حيال الأوروبيين، ملمحة إلى فترة انتقالية، بيد أنها تلتقي مع الخط الحكومي بشأن «الفرصة» المتمثلة في العودة إلى «ضبط الهجرة»، ودرجة فتح الحدود التي ستحدد «تماشيًا مع مصالح البلد».
ولا يُتَوقع أن تنشر دراسة اللجنة قبل سبتمبر (أيلول) 2018، بحسب الصحيفة، وبالتالي فإن أثرها على المفاوضات بين بروكسل ولندن سيكون محدوداً.
بدوره، قال وزير الهجرة البريطاني براندون لويس أمس إن «حرية تنقل العمال» الأوروبيين ستنتهي مع «بريكست». وأكد لإذاعة «بي بي سي راديو 4»: «نحن بمنتهى الوضوح بشأن هذه النقطة». وأضاف أنه سيتم عرض مشروع قانون حول الهجرة خلال عام 2018، حتى تكون القواعد الجديدة سارية في ربيع 2019 مع انسحاب المملكة من الاتحاد الأوروبي.
في غضون ذلك، تنشط بريطانيا لوضع أسس لاتفاقات تجارية بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي، سعياً منها لعدم إهدار الوقت ولو أنه يتعذر على لندن المضي بعيداً في تقصي الآفاق ما دامت لم تقطع بعدُ صِلاتها مع بروكسل. وتضاعف لندن المبادرات منذ أشهر، سواء في الضفة الأخرى من الأطلسي أو في آسيا أو دول «الكومنولث». وقامت في الأيام الأخيرة بتسريع مساعيها لتحقيق هدف رئيسة الوزراء المحافظة، تيريزا ماي، الطامحة إلى جعل بلادها من قادة التبادل الحر في العالم بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
ويزور وزير التجارة ليام فوكس المكسيك، بعد قضاء يومين في الولايات المتحدة، فيما يقوم وزير الخارجية بوريس جونسون بزيارة لأستراليا بعدما زار اليابان الأسبوع الماضي.
وقال متحدث باسم الخارجية في مطلع الأسبوع معلقاً على تنقلات جونسون إنه يعتزم «إرساء القواعد للاتفاقات التجارية في مرحلة ما بعد (بريكست)». غير أن الطريق سيكون طويلاً، خصوصاً أن قواعد الاتحاد الأوروبي تمنع بريطانيا من التفاوض بشأن اتفاقات جديدة ما دام الطلاق لم يتم، أي بعد مارس (آذار) 2019 على أقرب تقدير.
بدوره، أعلن وزير الخارجية البريطاني أمس أن بلاده تسعى للعب دور أكبر في آسيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك نشر قوات عسكرية في المنطقة إذا اقتضى الأمر. وصرح جونسون في مقابلة مع صحيفة «ذي أستراليان» في سيدني بأن «أحد أهداف رحلتي هو إيصال الرسالة بأننا سنكون الآن أكثر التزاما في منطقة آسيا المحيط الهادي، وفي أستراليا». وتابع: «ما ألاحظه في كل مكان، هو أن الجميع يريد وجوداً أكبر لبريطانيا وليس أقل، ويريدون أن تكون أكثر التزاماً وليس العكس».
وكان جونسون زار أيضاً اليابان ونيوزيلندا، في سياق جولة على آسيا المحيط الهادي، وهو يشارك في المحادثات السنوية في سيندي بين وزراء الدفاع والخارجية من بريطانيا وأستراليا مع التركيز على الأمن والتجارة.
وفي مقدمة المواضيع على جدول الأعمال، مسعى بريطاني لبناء الأسطول المقبل من السفن الحربية الأسترالية الذي تتنافس عليه إسبانيا وإيطاليا ويشمل تسع فرقاطات. وكانت أستراليا قد أعلنت في وقت سابق من العام عزمها بناء سفن بقيمة 89 مليار دولار أسترالي (70.4 مليارات دولار أميركي)، ما يشكل أكبر استثمار في البحرية في أوقات السلم.
ويأتي القرار في وقت تقوم فيه الصين بأعمال بناء على نطاق واسع في بحر الصين الجنوبي الذي تتنازع السيادة عليه مع عدد من دول المنطقة. وتابع جونسون أن «ما يريده الناس هو اليقين والاستقرار، ونعلق أهمية كبرى على سلامة القانون في بحر الصين الجنوبي».
وتبقى المفاوضات التجارية في الوقت الحاضر من صلاحيات المفوضية الأوروبية وحدها المكلفة إجراء مفاوضات باسم جميع الدول الأعضاء. غير أن التحديات جسيمة، وقال الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة ساسكس، جيم رولو، لوكالة الصحافة الفرنسية إن هذه العراقيل تشكل «سبباً وجيهاً للشروع في التحدث» مع الشركاء المحتملين المستقبليين، «وعدم إهدار الوقت حتى مارس 2019». غير أن مبادرات لندن تستجيب في الوقت الحاضر بنظره لأهداف سياسية، إذ تسعى الحكومة البريطانية لتثبت أنها تمسك بزمام الأمور رغم الانتقادات التي تأخذ عليها عدم امتلاكها استراتيجية للخروج من الاتحاد الأوروبي.
وأضاف رولو لوكالة الصحافة الفرنسية: «إنهم بحاجة، من أجل أسباب داخلية تتعلق بالحزب المحافظ، ليثبتوا أن (بريكست) يتم بالفعل رغم عدم تحقيق تقدم حتى الآن» في المفاوضات مع بروكسل. ولقي فوكس تجاوباً في الولايات المتحدة، حيث أعلن الرئيس دونالد ترمب عن بوادر اتفاق تجاري «مهم». من جهته، أعلن بوريس جونسون في ويلنغتون أن نيوزيلندا ستكون على الأرجح من الدول الأولى التي ستعقد اتفاقاً تجارياً مع لندن. وقال إن «(بريكست) ليس ولن يكون رديفاً لمملكة متحدة تدير ظهرها للعالم».
وتعتزم بريطانيا الاحتفاظ بمكانتها التاريخية كقوة تجارية، والحفاظ خصوصاً على النشاط الاقتصادي والوظائف المتأتية عن هذه المرتبة. ويوازي حجم التجارة الدولية من بريطانيا وإليها كل سنة 700 مليار جنيه إسترليني، أي 914 مليار دولار من الصادرات والواردات، نصفها مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
غير أن البعض يخشى أن تكون الحكومة على استعداد لتقديم تنازلات كبرى، لا سيما على الصعيد الصحي، من أجل عقد شراكات واتفاقيات، وهو ما عكسه الجدل حول الدجاج المغسول بالكلور الآتي من الولايات المتحدة، الذي يشتبه بأن لندن تعتزم السماح باستيراده. ولم ينف فوكس الأمر ردا على أسئلة، بل اعتبر أن هذا الإجراء لا يطرح «مشكلة على الصحة»، قبل أن يشرح وزير البيئة مايكل غوف عبر إذاعة «بي بي سي 4» الأربعاء أن الحكومة «لن تعيد النظر في ممارساتها المتعلقة برعاية الحيوانات والبيئة بهدف الحصول على اتفاق تجاري».
وبمعزل عن أي تنازلات، تكمن الصعوبة الكبرى في وجه المملكة المتحدة في استحالة البحث عمليّاً في تفاصيل أي اتفاقات مستقبلية، ما دامت لم توضح علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، شريكها التجاري الرئيسي.
وحذر رولو بأن الشركاء المحتملين «قد يرغبون في معرفة تفاصيل أي اتفاق تجاري بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بدوله الـ27»، وكذلك «طبيعة أي اتفاق انتقالي» قبل توقيع أي وثيقة.
كما أن بريطانيا قد تحتاج إلى وقت لتشكيل فرق المفاوضين الذين سيخوضون محادثات فنية في غاية الدقة عهدت بها إلى بروكسل منذ انضمامها إلى الاتحاد عام 1973.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.