التاريخ الثوري كأنه رواية من الخيال

الروائي البريطاني تشاينا ميلفيل يكتب عن ثورة أكتوبر في ذكراها المئوية

لينين يخطب في الجماهير عام 1917
لينين يخطب في الجماهير عام 1917
TT

التاريخ الثوري كأنه رواية من الخيال

لينين يخطب في الجماهير عام 1917
لينين يخطب في الجماهير عام 1917

ربما تكون الثورة الروسيّة (أو ثورة أكتوبر) (تشرين الأول) 1917 أهم حدث مفصلي شكّل مسار التاريخ في القرن العشرين برمتّه. على الأقل هكذا كان يعتقد إريك هوبزباوم المؤرخ البريطاني الأهم عندما كتب أن ثورة البلاشفة الشيوعيين الذين أسقطوا منظومة الإقطاع الروسي المستمرة لعدة قرون كان لها تأثير حاسم وعالمي النطاق أكثر بكثير من الثورة الفرنسية أو حتى الحربين العالميين. وعلى الرغم من السقوط المدوي لدولة الاتحاد السوفياتي عام 1991 - وهو الكيان الذي كان نشأ نتيجة لتلك الثورة -، فإن التجربة ما زالت وهي تحتفل بمئويتها هذا العام - موضوعاً للجدل والانتقاد والتقييم والإلهام، اعتماداً بالطبع على الموقف الآيديولوجي للقائم بالمهمة. أليس التاريخ في النهاية رؤيتنا الذاتية المحضة - المتلونة بكل انحيازاتنا وتصوراتنا كما هي راهناً - لما نعتقد أنه أحداث الماضي؟
حدث تاريخي بهذه القيمة أسال أطناناً من الحبر في وصفه وتحليله، ويكاد القارئ العادي يبدو كما قشّة تائهة في أكوام المصادر التي بإمكانه الاطلاع عليها لأحداث تلك السنة الفاصلة، لا سيما أن أجواء الحرب الباردة راكمت السرد على طرفي النقيض من ثورة «تحالف العمال والفلاحين». فهي عمل دموي متسرع أسقط روسيا في أتون حرب أهليّة ثم سلطة شموليّة تسببت بموت الملايين أو هي ثورة نبيلة نادرة للطبقة العاملة وبارقة أمل للبشرية بالانعتاق من فداحة النظام الرأسمالي رغم أنها أُسقطت بالحرب والحصار والثورة المضادة وحكم الفرد الواحد.
لهذا القارئ بالأخص يأتي نص الروائي البريطاني تشاينا ميلفيل (أكتوبر) الصادر حديثاً عن دار فيرسو في لندن ونيويورك بمثابة ترياق شاف. فميلفيل الآتي من روايات الخيال العلمي وأجواء مدن المستقبل، والمخلوقات العجيبة وحروب الخير والشر التي لا تنتهي، نزع قبعة الروائي - لكنه بالتأكيد لم يخلع موهبته في القص - وكتب سِفر (أكتوبر) الذي يمكن اعتباره بحق السرد الأمتع - شهراً بشهر - لأحداث ذلك العام العجيب.
«أردت أن أروي تلك الثورة كقصة، كملحمة روائيّة، لكن كل شيء في روايتي مأخوذ وبدقة شديدة من مصادر تاريخيّة منشورة» يقول ميلفيل الذي لا يخفي أنه يكتب بقلم كان يتمنى للثورة أن تنجح، لكنه لا ينكر أن التجربة كانت أكبر من الثائرين، وانتهت إلى سقوط محتوم بعد سبعين عاماً تقريباً.
ومع أن ميلفيل لا يكشف جديداً بشأن الثورة، إلا أنه نجح في أقل من 350 صفحة - وحيث أخفق كثيرون - بتقديم نص يكاد يقفز أمامك كأنه عمل سينمائي تعود فيه تلك الشخصيات المثيرة للجدل كلها إلى قيد الحياة: من نيكولاس القيصر المكتئب الذي يكره منصبه في تردده وانعدام الحس التاريخي لديه، إلى فلاديمير لينين عبقري السياسة والثورة في التقاطه اللحظة الثوريّة وتنقلاته عبر العواصم للقبض عليها، وليون تروتيسكي الزعيم الكاريزمي الذي كان قلب وعقل ويد الثورة في آن، وألكسندر كيرنسيكي الداهية الاشتراكي الروسي الذي صدّق أنه مسيح مخلص للأمة الروسيّة فعلق للأبد في حكومته المؤقتة، مروراً بجيرجوري راسبوتين الذي تسرب إلى المخدع الملكي بشعوذاته فانتهى إلى موتة لا أقسى منها إلا ربما ذلك المصير المؤلم الذي انتهى إليه القيصر نفسه وأسرته كبيرها وصغيرها، وانتهاء بالطبع إلى جوزيف ستالين الثوري العديم الخيال الذي لم يحظ يوماً بثقة لينين وانتهى - بعد تصفية كل الرفاق تقريباً - زعيما أوحد للأمة الروسيّة ورمزاً لفترة رعب مقيتة استمرت ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماً ولقي فيها الملايين حتفهم أو دمرت حياتهم.
وكما شريط سينمائي، أبدع ميلفيل في (أكتوبر) بربط سلسلة الأحداث المهمة وشخصياتها الشكسبيريّة الكبيرة من خلال تفاصيل إنسانيّة صغيرة كرسائل ومذكرات وشهادات لأناس هامشيين عاشوا تلك المرحلة وربما تظاهروا وقاتلوا فيها وكتبوا عنها من وحي اللحظة فأدخلونا في عميق أرواحهم كي نرى بعيونهم كيف ماجت تلك الأيام بتغييرٍ وموتٍ وأملٍ معاً على نحو يستعصي على الإدراك البشري أحياناً. لكن إضافة ميلفيل الأهم (أكتوبر) - إلى جانب أسلوب السرد المضيء - ربما تكون في الإشارة إلى الأجواء التقنيّة ونظم العيش والعمران الحضري التي كانت بمثابة المسرح الذي جرت عليه أحداث الثورة. هو مثلاً ينبهنا كيف أن الثورة كانت على شكل أو آخر هبة تكنولوجيا القطارات التي وبمحض الصدفة التاريخيّة كانت مشروع القياصرة لتحديث روسيا: من قطار لينين الألماني المغلق الذي نقل القيادة الشيوعيّة من المنفى السويسري إلى الحدود الروسيّة الفنلنديّة، إلى القطار الملكي الذي أقل القيصر الأخير في منافيه عبر روسيا ولحظة إجباره على التنازل عن العرش، إلى محطات القطارات التي شهدت الإضرابات الثوريّة وتنقلات الجنود ولاحقاً الثائرين عبر روسيا - الهائلة جغرافياً -. حتى ليظن المرء أنه ربما لم تكن الثورة ممكنة من دون تلك القطارات. ومثلها أيضاً كانت التلغرافات وسيلة التواصل الأهم في الدولة المترامية الأطراف، ولذا كان يكفي لأي طامح بالسلطة أن يمسك بدفة الحكم من خلال التحكم بداية بشرايين الاتصال والنقل هذه.
لم تكن الثورة - كما يرسمها ميلفيل - صراع أمراء حرب ومافيات، بل كانت أساساً صراعات بين كتل مثقفين رفيعي الاطلاع ومتحدثين مفوهين في بدلات أنيقة، يسهرون لساعات متأخرة في مداولات ومناقشات تنتهي غالباً بالتصويت، - ليعاد طرحها لاحقاً والتصويت عليها من جديد - وغالباً بتغير الاتجاهات وفق تطور الأحداث وتأثيرات لوبيات الأفكار المتصارعة. الصحف اليوميّة كانت أيضاً محوريّة في أجواء الغليان الفكري هذه، ليس فقط في نقل الأحداث بل وأيضاً طرح الأفكار من قبل نجوم العمل السياسي والثوري وهي تمتعت في نطاق ثورة أكتوبر بتأثيرٍ مذهل على المسارات وما آلت إليه لاحقاً.
ومع أن ثورة 1917 باهظة التكلفة - عدة آلاف من القتلى والجرحى بين الطرفين - فإن ملمح العنف فيها يبقى رمزيا أقله مقارنة بأحداث الثورة المضادة وفترة حكم ستالين والحرب ضد ألمانيا في الأربعينات. فاقتحام القصر الشتوي - مقر السلطة - في أكتوبر 1917 لم يسقط فيه من الجانيين عدد يذكر، ورغم الانقسامات الحادة داخل الجيش طوال أشهر الثورة التي بدأت في فبراير (شباط) ذلك العام وتوجت بأكتوبر فلم تحدث مواجهات عسكريّة حاسمة وكان أغلب الذين قتلوا من منسوبي الجيش فيها ضحايا صراعات انتقاميّة بين الضباط والجنود.
ومع أن ميلفيل - المعروف بتعاطفه مع اليسار - يعتبر «بما أن الثورة وقد حصلت، فلم لا تحصل الآن أيضاً» كما كان كتب في «الغارديان» البريطانيّة عن كتابه، فإنه يبدو من دون أوهام بشأن النهاية المظلمة التي انتهت إليها الثورة. وهو ربما لم يقل ذلك صراحة، لكن مسرد الشخصيات الذي اختتم به (أكتوبر) لا يدع مجالاً لأي افتراضات أخرى. فالأغلبية الساحقة من الأبطال الثوريين الذي نظموا الثورة ونفذوها وقاتلوا من أجلها انتهوا وفق المسرد - في أغلبيتهم الساحقة - مقتولين على يد ستالين، بينما تفرق كبراء روسيا الذين نجوا ليموتوا من اليأس في المنافي أو يطاردهم عملاء ستالين حتى آخر بقاع الأرض. نص ميلفيل ذو الملامح الروائية الصارخة عن 1917 قد يكون شديد التشويق، لكن الثورة حقاً أكلت أولادها ومعهم عدة ملايين من العمال والفلاحين والفقراء، ولا أي نثر - مهما أضاء - يمكن أن يطغى على تلك الحقيقة المفجعة.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).