قيادة «داعش» تمول المسلحين في الفلبين

تقدر بمئات الآلاف من الدولارات على مدار العام الماضي

قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
TT

قيادة «داعش» تمول المسلحين في الفلبين

قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)
قوات الجيش تشرف على نزوح المدنيين من أطراف مدينة مراوي (نيويورك تايمز)

أفاد تقرير صدر أول من أمس عن «معهد التحليل السياسي للصراعات» ومقره جاكرتا بأن القيادة المركزية لتنظيم «داعش» في سوريا قامت بتحويل مبالغ مالية تقدر بمئات الآلاف من الدولارات إلى مسلحين في الفلبين على مدار العام الماضي. وكشف التقرير أن محمود أحمد، أحد قيادات تنظيم «داعش» الماليزيين المقيم بجزيرة مراوي الفلبينية، يعد إحدى حلقات التسلسل القيادي والاتصال بالقيادة في سوريا المسؤول عن الحصول على التمويل وتجنيد الشباب من مختلف الجنسيات لمساعدة المسلحين بالداخل في السيطرة على إقليم في البلاد وللانطلاق منه لتحقيق حلم دولة الخلافة.
وأعطى التقرير إجابات عن أسئلة لطالما حيرت الساسة وصناع القرار بعد نجاح مسلحي «داعش» في التسلل إلى جزيرة مراوي منذ شهرين، إذ كيف لهم أن يتمكنوا في السيطرة على تلك المدينة المهمة جنوب الفلبين؟ وما هو دور الذي لعبه تنظيم «داعش» في ذلك؟
فقد خضعت المدينة للسيطرة الكاملة للمسلحين على مدى شهرين على الرغم من الحملات العسكرية التي شنها الجيش النظامي للدولة باستخدام قوات المشاة والضربات الجوية لسلاح الطيران لاستعادتها.
وفي تأكيده على خطورة الوضع، صرح الرئيس رودريغو دترتيت، بأن نحو 220 مسلحاً ما زالوا يقاتلون في مراوي من إجمالي 600 مسلح، وهو رقم أكبر بكثير من التقديرات السابقة التي أفادت بأن عدد مَن تبقى من المسلحين في المدينة لا يتخطى 60 مسلحاً.
وأعلن الرئيس عن الرقم الصحيح الأسبوع الحالي خلال كلمة وجهها إلى الكونغرس الفلبيني طالَب من خلالها بمد الأحكام العرفية حتى نهاية العام الحالي، مشيرا إلى أن المتمردين ما زالوا يسيطرون على وسط مدينة مراوي وأن قيادتهم لا تزال متماسكة.
فبعد سيطرة المسلحين على مراوي نهاية مايو (أيار) الماضي، رفع المتمردون علم تنظيم داعش، معلنين عن تأسيس منطقة جديدة تابعة لـ«داعش» هناك. غير أن بعض الساسة في الفلبين نفوا أن تكون «جماعة ماوت» المتطرفة التي تمكنت من السيطرة على مراوي تابعة لـ«داعش»، مشيرين إلى أنها مجرد عصابة للمخدرات يحاكي نهجها أسلوب مسلحي «داعش».
لكن التقرير الصادر عن «معهد التحليل السياسي للصراعات»، أشار إلى أن قادة تنظيم داعش في سوريا تأخذ استراتيجية «جماعة ماوت» وطموحاتها المستقبلية مأخذ الجد.
وتبدو قدرة تنظيم داعش على توفير الدعم المالي لفرعه في الفلبين مقتصرة على التحويلات التي يرسلها عن طريق شركة «وستيرن يونيون» التي تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، مما يوحي بأن الدعم المباشر من سوريا يمثل عنصرا ثانويا في مساعدة «جماعة ماوت» في السيطرة على مدينة مراوي.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن عمليات التجنيد التي تجري داخل البلاد لعناصر الجماعة والتبرعات التي يقدمها المتشددون المعارضون لسياسة الحكومة المركزية قد تكون قد لعبت دوراً أكبر في نجاح المتمردين.
واعتمد البحث الذي أجراه المعهد على عدد من الزيارات الميدانية التي قام بها إلى مدينة منداناو، الجزيرة التي تحتضن مدينة مراوي، وعلى مقابلات شخصية مع مواطنين قريبين من الجماعات المسلحة الإندونيسية في الفلبين، وكذلك على الرسائل المشفرة التي تبادلوها مع تنظيم داعش.
والأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة الإندونيسية أنها ستوقف بعض خدمات المحادثات والرسائل عبر الإنترنت نظرا لما تمثله من فائدة كبيرة للإرهابيين. وقد أظهرت رسائل المحادثات المتبادلة تطور تلك المنظومة في جنوب شرقي آسيا، مما سهل من عملية التواصل والتنسيق بين منتسبي التنظيم في تلك المنطقة من العالم.
ومن ضمن الأمثلة التي برزت، العام الماضي، كان رصد عملية تواصل بين مسلحين اثنين إندونيسيين من ناحية، وشخص في ماليزيا وآخر في تايلاند، حيث ساعدهم الأخير في اقتحام أحد السجون في بلاده بهدف تحرير أعضاء بجماعة «الإيغور» التي تضم بعضا من أبناء الأقليات الإسلامية في غرب الصين، الذين تعرضوا للاعتقال في تايلاند.
ورغم نجاح اقتحام السجن في البداية، فقد استعادت الشرطة التايلاندية السيطرة على السجن وتمكنت من السيطرة على مسجوني «الإيغور». ويوضح التقرير «نجاح التواصل بين أعضاء تنظيم داعش في ظل وجود منسقي الاتصالات الإندونيسيين وتواصلهم مع عناصر في تركيا والفلبين وتايلاند وحتى مع زملائهم في السجن».
وذكر التقرير أن التنسيق الدولي لقادة «داعش» مع مسلحي جنوب شرقي آسيا قد يؤدي إلى تزايد التهديدات إلى دول الجوار الإندونيسي.
غير أن الشهور الثمانية عشرة الأخيرة شهدت تراجعاً في نوعية العمليات المستوحاة من «داعش» في إندونيسيا، بالإضافة إلى ضعف التخطيط والتنفيذ. على سبيل المثال، تسببت عمليتين انتحاريتين نفذتا بضاحية كامبنغ ميلاي بشرق جاكرتا في مايو الماضي في وقوع ثلاثة قتلى فقط، وهو رقم يقل بكثير عن عمليات سابقة.
لكم ما يشغل الحكومة الإندونيسية حاليا هو حصول بعض من المقاتلين العشرين الذين انضموا لتنظيم «داعش» بمدنية مندناو على المعدات والأسلحة اللازمة لتنفيذ اعتداء إرهابي داخل البلاد. ودعا التقرير دول إندونيسيا وماليزيا والفلبين إلى تحسين عمليات التنسيق بين خدماتهم الأمنية وتبادل المعلومات الاستخبارية ليتسنى لهم تبادل أسماء المشتبهين.
لكن لا تزال الخطوة الأولى هي طرد «داعش» من مراوي. فبعد السيطرة على مراوي في نهاية مايو، طالب الرئيس ديتريت بإلحاق الهزيمة بالمسلحين بأقصى سرعة، لكن الخميس الماضي صرح ديتريت بأنه خلال العمليات التي جرت أخيراً لتحرير المدينة، عثر الجيش على 75 مليون بيسو (15 مليون دولار أميركي) بمنزل أحد المسلحين، في إشارة واضحة إلى أنهم قاموا بتخزين الأسلحة والمال استعدادا للمعركة. وقد وقعت على الأقل أربعة قرى تضم نحو 800 مبني تمثل المركز التجاري للمدينة في أيدي المتمردين.
وأفاد الرئيس الفلبيني أيضاً بأن قيادة هؤلاء المسلحين «لا تزال متماسكة بدرجة كبيرة» على عكس ما ورد في تقارير سابقة. واستمرت المعارك حتى الجمعة الماضي، حيث يجد الجيش صعوبة كبيرة في التقدم، ولا يزال زعيم تنظيم «داعش» في الفلبين الذي يتولى قيادة جماعة «أبو سياف» المتمردة، أسنيلون هبيلون، حرّاً شأن قادة «جماعة ماوت».
* خدمة «نيويورك تايمز»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended