أزغاي: على قطاعاتنا الثقافية أن تصبح مورداً اقتصادياً فعالاً

الشاعر والتشكيلي المغربي يرى أن أغلب المبادرات تستهلك الميزانيات بدل أن ترفدها

عزيز أزغاي
عزيز أزغاي
TT

أزغاي: على قطاعاتنا الثقافية أن تصبح مورداً اقتصادياً فعالاً

عزيز أزغاي
عزيز أزغاي

تزايد الاهتمام في المغرب، خلال السنوات الأخيرة، بموضوع التنمية الثقافية والصناعات الثقافية والإبداعية، بشكل وجد صداه في عدد من الأبحاث والكتابات التي سعت إلى «تسليط الضوء على قضايا الثقافة مفهوماً وإنتاجاً وأشكالاً»، ورصد التوظيف الجديد لما هو ثقافي «وفق الإملاءات الجديدة التي فرضها الواقع المتحول للإنتاج الثقافي، وما رافق ذلك من ظهور لأسئلة جديدة حاولت أن تعكس هذا التحول، طمعاً في الوصول إلى أجوبة تكون قادرة على تأطير عملية التفكير في السؤال الثقافي».
وفي هذا الحوار يتحدث الشاعر والفنان التشكيلي عزيز أزغاي، الذي هو أحد الكتاب والباحثين المغاربة الذين تناولوا الموضوع، وخصوصا في مؤلفه «الثقافة والصناعات الثقافية في المغرب»، عن هذا الموضوع الهام، معتبراً أن الثقافة عامة والصناعات الإبداعية كمظهر من مظاهرها الفعالة، تشكل مدخلاً أساسياً لإعادة النظر في كثير من اختياراتنا وأفكارنا وتصوراتنا، التي أسسناها على منطلقات باتت متجاوزة وعتيقة وغير مواكبة لما يجري في عالم اليوم.
> لماذا الكتابة عن «الثقافة والصناعات الثقافية في المغرب»؟ هل تناول الموضوع فرضته تحولات الداخل أم شروط العلاقة مع الآخر، في عالم يتطور بشكل متسارع؟
- أتصور أن البحث في سؤال الثقافة عامة، والثقافة في المغرب على وجه الخصوص، مسألة بديهية، بل طبيعية، بالنظر إلى ما يمثله هذا الموضوع من أهمية مركزية في تأطير كل مناحي حياتنا اليومية، وبالتالي، سوف لن يكون إلا إضافة نوعية لما ينتج يوميا من بحوث ودراسات متخصصة، من قبل مفكرين ودارسين وكتاب وفنانين ومبدعين، بل أيضاً من قبل بعض طلبة الجامعة، ممن يملكون حسا نقديا وحاسة ذكية في مقاربة إشكاليات يفرزها هذا المبحث كصدى للواقع الذي ينتجه.
غير أن اختياري البحث في موضوع الثقافة المغربية في بعده التصنيعي / الاقتصادي، فرضته مجموعة من الإملاءات، لعل أهمها المكانة البارزة التي بات يحتلها نشاط «الصناعات الثقافية» في عالم اليوم، وهو مفهوم ظهر منذ أزيد من نصف قرن، قبل الانتقال، لاحقاً، إلى الحديث عن «الصناعات الإبداعية»، كمفهوم متقدم ودقيق، أكد فعاليته داخل اقتصادات عدد من الدول المتقدمة.
من هنا كان تفكيري منصباً نحو طرح إشكاليات وأسئلة تعنى بهذا الجانب، أكثر من السعي وراء إيجاد أجوبة أو حلول عن سبب تخلف قطاعاتنا الثقافية، وعجزها عن مواكبة متغيرات عالم القرن الحادي والعشرين، أي أن تصبح موردا اقتصاديا فعالا داخل بنية باقي الفروع الاقتصادية التقليدية المدرة للثروة. وأظن أنها محاولة بقدر ما أعتبرها طموحة، بقدر ما أعي حدودها المعرفية، لكوني لست خبيرا في الموضوع، لكنني مهتم، بهذا القدر أو ذاك، ببعض قضاياه القطاعية.
ومن بين هذه القضايا اخترت تناول موضوع صناعة الكتاب وتداوله. وفي تقديري، فإن هذا الاختيار/ النموذج، أملته ضرورة البدء من البسيط المتاح، قبل تكريس مجهود بحثي جديد لمجال آخر، قد يعنى بالمجال الفني عامة، وبالفن التشكيلي على وجه الخصوص.

علاقة ملتبسة بالقراءة

> لماذا اختيار البدء من «البسيط المتاح» وتناول «صناعة الكتاب»، قبل أي مجال آخر؟
- نحن أمة لدينا علاقة خاصة، بل تكاد تكون ملتبسة، بفعل القراءة. فأول آية نزلت على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت تأمره، ومن خلاله تابعيه، بالقراءة، وفي مقابل ذلك، وبعد أزيد من أربعة عشر قرنا، نجد العرب المسلمين يقعون في أسفل قائمة ترتيب الأمم القارئة. هذه المفارقة جعلتني أوجه اهتمامي إلى موضوع الكتاب، ومن خلاله إلى إشكالية منسوب القراءة، خاصة في المغرب، ومحاولة ربطه بالأسباب الموضوعية والذاتية، التي كرست هذا الوضع البائس.
لا شك أن هناك أسبابا عدة تضافرت لتفرز هذه الحالة المريبة، لعل أبرزها غياب تصورات رسمية واضحة تعنى بموضوع القراءة وتداول الكتاب، وهو غياب يجد بعض تفسيره في طبيعة النظام السياسي المغربي، وحكوماته المتعاقبة - منذ الاستقلال وإلى حدود تسعينات القرن الماضي - الذي كان ينظر إلى الثقافة عامة وإلى بعض توابعها، باعتبارها ترفا أو «دودة زائدة»، بل سلاحا قد يوجه ضدها، في شكل وعي نقدي شقي مضاد، كلما اتسعت رقعته وكثر رجالاته. من هنا كانت الميزانيات التي ترصد للشأن الثقافي، وحتى حدود اليوم، لا تصل إلى نسبة الواحد في المائة من الميزانية العامة للدولة!
هذا الواقع هو الذي أملى علينا إيلاء الاهتمام، أولا، إلى موضوع الكتاب وصناعته، باعتباره مدخلا لتشجيع القراءة وتوسيع دائرتها من جهة، ثم لأهميته المركزية، من جهة ثانية، في خلق وعي متقدم قد يساهم في حلحلة الأمور، وإثارة الانتباه إلى الأسباب الذاتية والموضوعية التي جعلت منا بلدا يساهم، عن وعي أو دون وعي، في تكريس الأمية والجهل ومعاداة القراءة والكتاب، وهذا، فقط غيض من فيض.
> لكن، هل يمكن أن نتحدث، اليوم، عن «صناعات ثقافية» في المغرب، في وقت يتم فيه الحديث عن «غياب سياسة ثقافية»؟
- على الرغم من بعض المبادرات الإيجابية، التي اتخذها بعض وزراء الثقافة المغاربة السابقين، أمثال محمد بن عيسى ومحمد الأشعري وثريا جبران ومحمد أمين الصبيحي، مثل اتخاذ قرار تنظيم المعرض الدولي للكتاب في مدينة الدار البيضاء ومعارض الكتاب الجهوية، وتحويلها إلى مواعيد سنوية قارة، وسن سياسة الدعم الخاصة بمجال النشر ودعم الفنون، وخلق الفرق المسرحية الجهوية ودعم منتجها الفني وغيرها من المشاريع الطموحة، فإن مفعول مثل هذه المبادرات الإيجابية يبقى محدوداً وغير كاف، ولا يرقى، بالتالي، إلى مستوى الحديث عن سياسة ثقافية بالمعنى الذي كرسته كثير من الدول المتقدمة. فأغلب هذه المبادرات والمشاريع التي أتيت على ذكرها، لا تزال تستهلك الميزانيات أكثر من تحولها إلى قطاعات مدرة للثروة. وسأعطيك مثالا واحدا فقط على هذا الخلل. فأهم كاتب مغربي قد لا تتجاوز مبيعات كتبه عتبة الألف نسخة في السنة! هذا دون أن أتحدث عن القاعات السينمائية، التي أصبح معظمها ذكرى تنتمي إلى الماضي. وأكاد أستثني، عدا هذين المثالين، قطاع الفنون التشكيلية، الذي عرف انتعاشة كبرى في سنوات التسعينات وحتى نهاية العشرية الأولى للألفية الثالثة، بسبب دينامية القطاع البنكي وأصحاب القاعات الخاصة، قبل أن يشهد هو الآخر، وإلى اليوم، ركودا كبيرا بسبب «موضة» تداعيات الأزمة المالية النفسية على القطاع الفني في بلادنا. فهل يحق لنا، في ضوء هذه الوضعية الغريبة، الحديث عن صناعة ثقافية مغربية؟ مجرد سؤال لا يخفى على المتتبع جوابه.
> تتحدثون، في مؤلفكم، عن مفهوم «الصناعات الإبداعية» كمفهوم جدید ارتبط بثلاثة میكانیزمات أساسیة، هي: التكنولوجیات الحدیثة والإنتاج ثم إعادة الإنتاج؟
- مفهوم «الصناعات الإبداعية» سقته، في متن الدراسة، على سبيل التعريف بالشيء والاستئناس بأسئلته وبطموحه الاقتصادي ليس إلا. إنه مرحلة متقدمة وصل إليها الوعي الاقتصادي الغربي باعتباره جيلا جديدا من الحلول الاقتصادية الناجعة، التي أفرزتها ميكانيزمات التكنولوجیات الحدیثة ودورة الإنتاج وإعادة الإنتاج، داخل المجتمعات المتقدمة. نحن نتحدث عن دينامية تفكير خلاق متواصلة، ومتجاوزة، ومبتكرة، تسعى إلى تجاوز نفسها وفرض إملاءاتها على الآخرين من أمثالنا. أين نحن من هذا الطموح الذي بات يتحكم في الأرض ويوجه الأذواق والاختيارات!

الكتاب الورقي والإلكتروني

>برأيكم، كيف انعكس الواقع المتحول المرتبط بالتكنولوجيات الحديثة على مستوى الإنتاج الثقافي؟
- سبق للعالم السيميائي العظيم أمبيرتو إيكو أن تناول، في أحد حواراته الشيقة، هذا الموضوع بغير قليل من الإسهاب. وقد أشار في معرض حديثة عن الكتاب وعلاقته بالتكنولوجيات الحديثة، ويقصد بذلك علاقة الكتاب الورقي بالإلكتروني، إلى أن هذه العلاقة يتم تمثلها بكثير من التسرع والتهافت والجهل. وقد أكد، في هذا السياق، أن الحديث الرائج عن هيمنة الكتاب الإلكتروني عن الكتاب الورقي فيه مبالغة وهمية، حيث برهن على ذلك بما يطبعه بلد كفرنسا سنويا من كتب تلقى رواجا منقطع النظير، كما ساق، في الاتجاه نفسه، مثالا آخر يتصل بوسائل النقل حديثها وقديمها. وتساءل، بما معناه: هل أدى اختراع الطائرة إلى زوال الحافلات والقطارات والعربات التي تجرها الدواب؟ إنه منطق ينسحب على الكتاب، بكل تأكيد.
> تتحدثون عن العولمة وتكريس نوع من اللا تكافؤ بين الدول في كل الأسواق العالمية التي تعنى بالاقتصاد الثقافي. فهل نحن مجبرون على مواكبة ما يجري، عالمياً؟
- بكل تأكيد. العولمة تيار حضاري وثقافي وتكنولوجي جارف، إن لم نجتهد في تحضير أنفسنا لإملاءاته، وإن لم نكيف خصوصيتنا مع ما يقدمه إلينا، يوميا، في شكل أفكار ومخترعات وموضات ومنتجات عابرة للقارات، سوف نجد أنفسنا متجاوزين بل أسرى إملاءاته. ولقد سبق للباحثين المغربيين محمد عابد الجابري وعبد الله العروي أن ناقشا هذا الزحف الهائل للعقل الغربي على العالم، وعلينا كعرب مسلمين بالتحديد، في سياق الحديث عن الحداثة وتمظهراتها في عالم متحول.
فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فإن البقاء، في عصرنا هذا، والكلمة العليا المسموعة، لن تكون إلا للاقتصادات المتطورة، وللأسواق النشطة. من هنا تشكل الثقافة عامة و«الصناعات الإبداعية» كمظهر من مظاهرها الفعالة، مدخلا أساسيا لإعادة النظر في كثير من اختياراتنا وأفكارنا وتصوراتنا، التي أسسناها على منطلقات التي باتت متجاوزة وعتيقة وغير مواكبة لما يجري في عالم اليوم.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.