اقتصاديون: «خطاب الدوحة» يزعزع ثقة الاستثمار والتعامل المالي معها

ضرورة اتخاذ خطوات جريئة لكسب جولة التسوية مع دول المقاطعة

متسوّق في احد متاجر الدوحة التي تعيش على وقع الأزمة (رويترز)
متسوّق في احد متاجر الدوحة التي تعيش على وقع الأزمة (رويترز)
TT

اقتصاديون: «خطاب الدوحة» يزعزع ثقة الاستثمار والتعامل المالي معها

متسوّق في احد متاجر الدوحة التي تعيش على وقع الأزمة (رويترز)
متسوّق في احد متاجر الدوحة التي تعيش على وقع الأزمة (رويترز)

قال اقتصاديون، إن الخطاب الأول لأمير قطر الشيخ تميم آل ثاني، منذ اندلاع الأزمة مع الدول الأربع، بعد اتهامها بدعم الإرهاب، سيزعزع ثقة المستثمرين الأجانب في البيئة القطرية، ويضعف مستوى التعاملات المالية مع بنوكها من قبل مؤسسات أو شركات بشكل أكثر مما كان عليه الوضع سابقا.
وأوضح الاقتصاديون في حديثهم، لـ«الشرق الأوسط»: «إن خطاب أمير قطر لن يبث الطمأنينة في رأس الأموال والمؤسسات المالية، التي هربت أو على وشك الهروب إلى الخارج، ولن يستعيد الثقة في الاستثمار والتعامل المالي في بلاده، ما لم يترجم الأقوال إلى أفعال حقيقية، ويقنع الأطراف المقاطعة بعودة المياه إلى مجاريها».
الدكتور صلاح الشلهوب، أستاذ التمويل الإسلامي في الجامعة الإلكترونية السعودية، يقول في اتصال هاتفي لـ«الشرق الأوسط»، إن «خطاب أمير قطر مساء أول من أمس، لم يأت بجديد، فالاستثمار يعتمد على الأرقام والوقائع وليس على الخطابات واستدرار العواطف، هذا عمل سياسي لا يخدم الاقتصاد القطري كثيرا، فلا بد من التشريعات والتمهيد لظروف بيئة الاستثمار من قاعدة آمنة واستقرار سياسي».
وأضاف الشلهوب، أن «هذا الخطاب يبدو أنه موجه للداخل القطري، أكثر من كونه يقنع المستثمرين الذين يجدون أمامهم خيارات كثيرة، ليس بالتأكيد من بينها قطر، لاستقرارها سياسيا واقتصاديا وحالة الاطمئنان في البيئة الاستثمارية والضمانات التي يتحصلون عليها التي تفقدها الدوحة حاليا».
ولفت الشلهوب، إلى أن قطر في الظروف الحالية لا يساعدها خطاب أميرها في إقناع المستثمرين في الخارج على أن يمضوا قدما ليستثمروا في قطر خصوصا أن أمير قطر اعترف بقصور في مسألة جذب الاستثمار الأجنبي، وعدم القدرة على سد السوق والاكتفاء بالمنتج المحلي، لذلك وجه بتشجيع الاستثمار المحلي، وهذا لا يكفي، لإحداث تغيير اقتصادي متكامل.
وقال الشلهوب: «إذا كانت قطر في ظروف طبيعية تحتاج إلى وقت طويل لإحداث نقلة في اقتصادها، على خلفية ما ورد في الخطاب، فإنه بطبيعة الحال، لن تستطع أن تحقق ذلك في ظروف غير طبيعية، وأكثر صعوبة وتأزما، فالمسألة العلاجية لنواقص ثغرات اقتصادها تستغرق وقتا طويلة».
وشدد الشلهوب على ضرورة اتخاذ خطوة جريئة من قبل قطر، لتحسين علاقاتها مع جيرانها ومن ثم تحسين ظروف بيئة الاستثمار الجاذبة، مشيرا إلى أن الدوحة تحتاج لفترة لاختبار صدقيتها في تغيير سياستها في التعاطي مع جيرانها، ولا بد أن تعي أن تركيزها على العمل السياسي دون النظر إلى أهمية النمو الاقتصادي ستكون الخاسر الأكبر مع مرور الزمن.
من جهته، قال الدكتور خالد الرويس، رئيس جمعية الاقتصاد السعودية، في اتصال هاتفي لـ«الشرق الأوسط»: «إن خطاب أمير قطر لم يظهر تغيرا في موقف الدوحة بشكل يمكن التعويل عليه، وبالتالي ستكون الأزمة باقية على أشدها، وهذا سينعكس بشكل سلبي على الاقتصاد والاستثمار والتجارة في السوق القطرية».
ويعتقد الرويس، أن خطاب أمير قطر بشكله الذي ظهر به، سيزيد من التوجس الذي يعتري المؤسسات والشركات الدولية سواء على صعيد التجارة أو الاستثمار أو التعاملات المالية والمصرفية، بالنسبة لبقائها في الداخل أو حتى عودتها من الخارج، وسيجعل تلك المؤسسات التي كانت تفكر في خلق شراكة أعمال في قطر بأن تنحي هذه الفكرة في الوقت الراهن على الأقل.
وقال الرويس: «حتى في حالة إطلاق حوار مع قطر، ستنتظر المؤسسات والشركات ورجال وقطاع الأعمال في الداخل والخارج، إلى أن تنقشع سحائب الأزمة القطرية بشكل نهائي، والتي يبدو أنها ستطول وستستغرق وقتا أطول حتى إزالة آثارها ومخاطرها اقتصاديا» على حدّ تعبيره.
أضاف الرويس: «هذا الخطاب لا يزيد على كونه مجرد محاولة ومخدر لطبطبة الاستثمار الأجنبي لجلبه ومحاولة اطمئنان المستثمر الداخلي»، مشيرا إلى أن «وضعها السياسي لم يتحسن بعد، وبالتالي ستبقي علاقاتها معلقة مع دول المقاطعة وحلفائها، وهذا سيؤثر سلبا على مجمل العمل الاقتصادي والاستثماري والتجاري والصناعي».
ونوه بأن مشكلة الخطاب أنه لم يقدم دليلا قاطعا لبيئة الاستثمار أو المؤسسات التي تفكر في تجربة الاستثمار في قطر، بأن الأمور تتجه في مسارها الصحيح والمطمئن، مشددا على ضرورة التنازل والتواضع للدخول في حوار مفيد مع دول المقاطعة، والاستجابة على طلباتها العادلة، على حد تعبيره.
في الإطار نفسه، اتفق الباحث الاقتصادي الدكتور جبريل الزين، مع سابقيه فيما ذهبا إليه من أثر مباشر وغير مباشر على مستقبل حركة التجارة والاستثمار الأجنبي والداخلي في قطر، مشيرا إلى أن خطاب أمير قطر أكد بشكل واضح على المعاناة الاقتصادية التي كشفت عنها هذه الأزمة وأثر دول المقاطعة عليها.
وأكد الزين الذي يعمل في مؤسسة متعددة الأطراف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب شخّص المعاناة بشكل سطحي، ولكنه لن يستطيع الاستفادة من تشخيصه لها بما حدده من وجهات، ما لم تنه الدوحة هذه الأزمة من جانبها وتستعيد علاقاتها الطبيعية مع دول المقاطعة الـ4 وحلفائها، اقتصارا للوقت، الذي ينهك اقتصادها بشكل تصاعدي.
ولفت الزين، إلى أن الدوحة عليها أن تتخذ خطوة أكثر جرأة، لدحض اتهامها بتمويل ودعم الإرهاب وإيواء الجماعات المتطرفة بشكل أكثر واقعية، منوها بأن فحوى خطاب قطر مجرد مخدّر ومدغدغ للمشاعر، ولن يبث الطمأنينة في رأس الأموال والمؤسسات المالية، التي هربت أو على وشك الهروب إلى الخارج.
وأوضح الزين، أن رأس المال الذي يعني الشركات والمؤسسات المالية والمصرفية والاستثمار الأجنبي، لن يستعيد الثقة في الاستثمار والتعامل المالي في قطر، ما لم يترجم الأقوال إلى أفعال حقيقية، ويقنع الأطراف المقاطعة الـ4 وحلفاءها بالاستجابة لمطالبها وبالتالي العمل على عودة المياه إلى مجاريها، بشكل أكثر موثوقية.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.