فرنسا تبحث عن «اختراق» ليبي خلال لقاء حفتر والسراج في الإليزيه

باريس تستضيف غداً اجتماعاً لوزراء داخلية بلدان البحر المتوسط لبحث موضوع الهجرة

فائز السراج ....خليفة حفتر
فائز السراج ....خليفة حفتر
TT

فرنسا تبحث عن «اختراق» ليبي خلال لقاء حفتر والسراج في الإليزيه

فائز السراج ....خليفة حفتر
فائز السراج ....خليفة حفتر

في إطار النهج الجديد للدبلوماسية الفرنسية الذي دشنه الرئيس إيمانويل ماكرون، تستعد باريس للعب دور مباشر في البحث عن مخارج للأزمة الليبية التي تجرجر أذيالها منذ عام 2011، والتي انعكست أوروبيا في مسألَتَيْ الهجرات المتدفقة على أوروبا والإرهاب فضلاً عن تنامي عمليات التهريب من كل نوع عبر الحدود الليبية، وتهديد استقرار بلدان شمال أفريقيا والساحل.
وفي هذا الإطار، تستعد باريس لاستضافة اجتماع استثنائي بعد غد (الثلاثاء)، يرجح أن يكون في قصر الإليزيه، وسيضم إلى جانب الرئيس ماكرون، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، والقائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر. وسيضم الاجتماع كذلك ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الوزير اللبناني الأسبق غسان سلامة وممثلين عن الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي. وحتى أمس، بقيت باريس متمترسة وراء الكلام الدبلوماسي العام ولم يظهر اللقاء في أي من أجندات الرئاسة أو وزارة الخارجية. ورفضت الناطقة باسم الوزارة في مؤتمرها الصحافي الرد على سؤال حول التوقعات المنتظرة من الاجتماع الاستثنائي باعتبار أن الملف يقاد من قصر الإليزيه. بيد أن «الشرق الأوسط» علمت من مصادر متقاطعة في باريس أمس أن فرنسا «تبحث عن اختراق» في الملف الليبي وتأمل أن يكون اجتماع باريس الذي سيضم السراج وحفتر معاً «أكثر جدوى» من الاجتماعين السابقين بين الرجلين، وآخرهما في أبوظبي في شهر مايو (أيار) الماضي.
ولب المشكلة، كما تراها العاصمة الفرنسية، يكمن في كيفية «دفع السراج وحفتر على العمل معاً». والعقدة أن الأول يريد أن تكون القوات المسلحة مؤتمرة بأوامر السلطة المدنية بينما الثاني كان يرفض حتى وقت قريب ذلك قطعاً، ويعتبر أن السلطة الموجودة في طرابلس خاضعة للإسلاميين. والوجه الآخر للمشكلة رفض البرلمان الموجود شرق ليبيا للخطة الأخيرة التي طرحها السراج للخروج من الأزمة. وجاء الرد السلبي عليها من قبل عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي الذي أعلن أول من أمس أنه «يرفض السماح بإجراء انتخابات نيابية أو رئاسية قبل صدور دستور ينظم شكل الدولة» كان السراج اقترح إجراءها في شهر مارس (آذار) من العام المقبل.
بيد أن مصادر دبلوماسية عربية مطلعة عن قرب على الملف الليبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن حفتر «عدل موقفه وهو لم يعد يرفض العمل في ظل سلطة مدنية كما أنه لا يرفض إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية». واعتبرت هذه المصادر أن هناك «دفعة من التفاؤل: في إمكانية تحقيق عدد من النتائج الإيجابية بسبب تضافر عوامل مختلفة»، أولها التقدم الميداني الذي أحرزته قوات حفتر، وثانيها أزمة قطر مع البلدان الخليجية الثلاثة ومصر، وثالثها انكفاء الدور التركي. ويضاف إلى هذه العوامل أمر بالغ الأهمية، وهو التحول الذي حصل في الموقف الجزائري الذي أصبح أكثر قرباً من الرؤية الفرنسية المصرية. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الرئيس ماكرون اتصل بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي للتنسيق معه في الشأن الليبي وللاطلاع على وجهة نظره أو على اقتراحات يمكن أن تكون مصر مصرة عليها.
مهما تكن النتائج التي سيخرج بها اجتماع باريس، فإن الثابت أنه سيفيد المشير خليفة حفتر إذ سيمنحه شرعية إضافية على المسرح الدولي باعتبار أن باريس دولة كبرى لها مقعد دائم في مجلس الأمن، ولها مصالح وحضور في شمال أفريقيا. فضلا عن ذلك، فإن القوات الفرنسية هي الأكثر حضورا وانتشارا من الناحية العسكرية في بلدان الساحل بفضل ما يسمى عملية «بركان» الموجهة بالدرجة الأولى إلى محاربة الإرهاب وحماية البلدان الأفريقية التي كانت غالبيتها مستعمرات فرنسية في السابق. وتبدو «مروحة الممكن» من النتائج واسعة للغاية وفق المصادر المشار إليها، وقد تكون على شكل «إعلان مبادئ» يوقع عليه الطرفان يتضمن مثلاً قبول إجراء الانتخابات النيابية والتشريعية مع الإدارة إلى السلطة التي ستشرف عليها. وإذا تعذر أمر كهذا، فالخيار الآخر قد يكون التفاهم على مرحلة انتقالية تليها انتخابات أو إعلان الاتفاق على تعديل اتفاق الصخيرات الذي لم يحظَ حتى تاريخه بموافقة البرلمان الليبي. ومن ضمن المسائل المطروحة خفض عدد المجلس الرئاسي.
وفي أي حال، فإن اجتماع باريس يعد تطوراً مهمّاً. وقالت مصادر دبلوماسية فرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن ليبيا أخذت تحتل المرتبة الأولى على لائحة الأولويات الفرنسية في المنطقة لما تمثله من مخاطر ممكنة على أصعدة الهجرة والإرهاب والتهريب وتهديد الاستقرار في دول الجوار. ولعل أحد أسباب «التقارب» بين حفتر والعاصمة الفرنسية أن الأول يمكن أن تضطلع قواته بدور في حراسة الحدود الجنوبية لليبيا التي تجتازها المجموعات الإرهابية وتستخدمها قاعدةً خلفية للاستراحة والتزود بالسلاح والذخيرة وتجميع الصفوف.
يوم أمس، قال وزير الداخلية جيرار كولمب إن ما لا يقل عن 800 ألف مهاجر أفريقي يتجمعون على الشواطئ الليبية وهم يسعون للوصل إلى بلدان الاتحاد الأوروبي عن طريق الهجرة غير الشرعية. وبحسب منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة، فإن نحو 111 ألف مهاجر ولاجئ من البلدان الأفريقية وصلوا إلى أوروبا منذ مطلع العام الحالي وحتى أوساط يوليو (تموز). وتؤكد المنظمة أن الغالبية الساحقة من هؤلاء اجتازت الصحراء الكبرى وصولا إلى الشواطئ الليبية ومنها في زوارق المهربين سالكة الطريق البحرية التي تمر في وسط البحر الأبيض المتوسط وهدفها الشواطئ الإيطالية الأقرب إلى ليبيا. ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى إغلاق هذه الطريق البحرية لوقف تدفق المهاجرين كما نجح في لإغلاق «طريق البلقان» التي شهدت في 2015 و2016 تدفق مئات الآلاف من اللاجئين. بيد أن نجاحه مرتبط بإعادة إيقاف الدولة الليبية على قدميها الأمر الذي لن يحصل ما دامت ليبيا بقيت مقسمة بين شرق وغرب وتتناحر فيها سلطات متعددة.
وتستضيف تونس يوم غد الاثنين اجتماعاً لوزراء داخلية بلدان وسط البحر المتوسط لبحث موضوع الهجرات وكيفية تجفيف موجاته بالاعتماد بشكل رئيسي على السلطات الليبية. لكن وزيرة الشؤون الخارجية الأوروبية فيدريكا موغيريني قالت لصحيفة «لو موند» قبل ثلاثة أيام إن «الأولوية المطلقة» في ليبيا هي الوصول إلى حل سياسي وليس موضوع الهجرات إذ من «المستحيل» في نظرها إغلاق المسرب البحري المتوسطي قبل تسوية الأزمة الليبية.
أما صورة الحل فتمر، بحسب المسؤولة الأوروبية عبر «تقاسم المسؤولية على رأس السلطة» أي عملياً ضم المشير حفتر إليها. لكن السؤال الخاص بما يمكن أن يقبله حفتر من مناصب وضمن أية شروط هو العقدة الأولى.



«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.


«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.