مسؤول فلسطيني يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن صفقة تتبلور لإزالة البوابات الإلكترونية

القدس تغلق مساجدها الجمعة احتجاجاً والصلاة خارج الأقصى... ومصر تحذر... وعباس يقطع جولته الخارجية

فلسطينيون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط (باب الأسود) في القدس القديمة لليوم الرابع على التوالي (إ.ب.أ)
فلسطينيون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط (باب الأسود) في القدس القديمة لليوم الرابع على التوالي (إ.ب.أ)
TT

مسؤول فلسطيني يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن صفقة تتبلور لإزالة البوابات الإلكترونية

فلسطينيون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط (باب الأسود) في القدس القديمة لليوم الرابع على التوالي (إ.ب.أ)
فلسطينيون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط (باب الأسود) في القدس القديمة لليوم الرابع على التوالي (إ.ب.أ)

قال مسؤول ملف القدس في حركة فتح ووزيرها السابق، حاتم عبد القادر، إن صفقة تتبلور لإزالة البوابات الإلكترونية من على أبواب المسجد الأقصى، مؤكداً أن ضغطاً كبيراً مارسته السعودية والأردن، مصحوباً بزخم شعبي متصاعد وضاغط على إسرائيل، أدى إلى تدخل أميركي مباشر.
وأضاف عبد القادر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «خلال 24 ساعة جرت اتصالات مكثفة، ضغطت السعودية على البيت الأبيض، وضغط الأردن على إسرائيل، وطالبا بإنهاء الأزمة قبل يوم الجمعة».
وتابع: «حسب المعلومات المتوفرة لدينا، أُعطيت إسرائيل مهلة حتى مساء الخميس لإزالة البوابات».
وأردف: «الأميركيون ضغطوا على إسرائيل وطرحوا حلا وسطا، يقضي بإزالة البوابات الإلكترونية مقابل إبقاء التفتيش... لكن نحن سنفحص شكل هذا التفتيش إذا كان لحقائب أو أشخاص يشتبه بهم فلا مانع، أما تفتيش شخصي لكل واحد فهذا أيضاً سيكون مرفوضاً».
وحذر عبد القادر من إبقاء البوابات حتى يوم الجمعة، قائلا إنه سيتحول إلى يوم تحدٍّ لا تحمد عقباه.
ووجهت المرجعيات الدينية وشخصيات إسلامية ومسيحية وسياسيون ونشطاء، أمس، نداء إلى أهالي القدس والداخل، بالزحف إلى المسجد الأقصى يوم الجمعة المقبل.
وقررت الأوقاف الإسلامية في القدس، إغلاق جميع المساجد في المدينة يوم الجمعة، وتوجيه المصلين إلى الأقصى.
وقال عبد القادر إن «كل مساجد المدينة ستكون مغلقة وعلى الجميع التوجه للأقصى». وأضاف: «ندعو الناس للصلاة في الشوارع والأزقة وعند بوابات الأقصى، وفي كل مكان يمكن لهم أن يصلوا إليه».
وأضاف: «إنها مرحلة عض الأصابع، ونحن أكثر حزماً في قرار عدم العبور عبر البوابات الإلكترونية. لا أحد سيمر منها إلى الأقصى».
وأصدرت دائرة الأوقاف الإسلامية بياناً أكدت فيه إغلاق المساجد كافة يوم الجمعة. وطلب مدير عام الأوقاف، عزام الخطيب، من أئمة المساجد التوجه إلى محيط الأقصى لإلقاء الخطب في الجماهير التي يُتوَقّع أن تكون بالآلاف».
ورفض الخطيب جميع الإجراءات الإسرائيلية في الأقصى، موجهاً رسالة للحكومة الإسرائيلية: «لا تلعبوا بالأقصى، وهذه الأساليب الجديدة التي تتبعونها من إقامة بوابات إلكترونية ستضعف عملية السلام، لا سميا أن الشرطة الإسرائيلية قد عمدت إلى وضع مجسات وكاميرات فوق أسطح المسجد».
ولليوم الرابع على التوالي، صلّى المقدسيون أمام بوابات المسجد الأقصى رفضاً للبوابات الإلكترونية، فيما سمح لليهود بدخول المسجد برفقة الشرطة الإسرائيلية.
وحاول متطرفون يهود إقامة صلوات تلمودية في المسجد أمس، فأخرجتهم الشرطة الإسرائيلية وأعلنت إغلاق المسجد ثم عادت وسمحت بدخولهم.
وحضر إلى القدس الشرقية المحتلة، أمس، وفد يمثل قادة المستوطنات في الضفة الغربية، متضامناً مع المستوطنين الذين أخَلّوا بالنظم، وراحوا يصلون بشكل علني استفزازي في باحات الأقصى. وأكدوا أنهم يعتبرون الاستيطان في القدس وفي الضفة الغربية استيطاناً واحداً. وطالبوا بأن يكون الرد الإسرائيلي على أية عملية فلسطينية مسلحة بمزيد من الاستيطان.
وكانت إسرائيل أغلقت المسجد الأقصى يوم الجمعة الماضي بشكل كامل أمام المصلين، بعد هجوم مسلح قرب أحد أبوابه، نفذه 3 شبان من مدينة أم الفحم، وأسفر عن مقتل شرطيين إسرائيليين، والفلسطينيين الثلاثة.
وأبقت إسرائيل على المسجد مغلقاً حتى الأحد الماضي، ثم فتحته بشكل جزئي، ووضعت أبواباً إلكترونية للتفتيش على بوابتين فتحتا من بين 9 أخريات، لكن المقدسيين اختاروا الصلاة عند باب الأسباط بدل الدخول عبر البوابات.
ويرابط آلاف من المقدسين عند باب الأسباط بشكل مستمر، في محاولة للضغط على إسرائيل. وقد تحول باب الأسباط إلى ساحة مواجهات ليلية، حيث أصيب عشرات الفلسطينيين بينهم خطيب المسجد عكرمة صبري.
وقالت مصادر طبية إن 34 شخصاً على الأقل أصيبوا، بينهم إصابة واحدة وصفت بالخطيرة، بعد أن فرّق الأمن الإسرائيلي مصلّين تجمعوا في منطقة باب الأسباط في البلدة القديمة في القدس الشرقية.
وقال الهلال الأحمر الفلسطيني إن «خطيب المسجد الأقصى عكرمة صبري من بين المصابين، حيث أصيب برصاصة مطاطية في الظهر إضافة إلى بعض الكدمات».
وردت الشرطة الإسرائيلية بأنها «فرّقت محتجين أخلوا بالأمن العام»، مضيفةً في بيان أن «المصلين تفرقوا بعد أن قامت الشرطة بتفريق المخلين بالنظام الذين قاموا برشق قوات الأمن بالحجارة».
وانتقلت المواجهات أمس، إلى مناطق أوسع في يوم الغضب الذي شهد مظاهرات وتجمعات واسعة في الضفة الغربية.
وقال عبد القادر إن وجود المصلين بأعداد كبيرة على أبواب المسجد، هي رسالة للاحتلال بالإصرار على الرفض المطلق لوضع البوابات الإلكترونية على مداخله وما تمثله من خطورة في تغيير الوضع القائم. وحذر عبد القادر إسرائيل من المراهنة على الهدوء النسبي الذي تشهده القدس والشارع الفلسطيني، مضيفاً: «إنه هدوء يخفي خلفه غضب متفجر ستتحمل إسرائيل مسؤولية كل التداعيات الخطيرة التي ستنجم عنه».
ويوجَد أمام الأقصى، إضافة إلى رجال الدين والمسؤولين السياسيين، أعضاء من الكنيست الإسرائيلي ومواطنون.
ومع تصاعد التوترات، قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قطع جولة خارجية كان يقوم بها، والعودة لعقد اجتماع طارئ للقيادة الفلسطينية.
وقال الناطق الرسمي باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة: «الرئيس محمود عباس، قرر قطع زيارته الخارجية، والعودة إلى أرض الوطن، لمتابعة تطورات الأوضاع في مدينة القدس المحتلة، خصوصاً المسجد الأقصى المبارك». وأضاف أنه «سيدعو فور وصوله إلى أرض الوطن إلى اجتماع عاجل للقيادة الفلسطينية، لبحث الاعتداءات على مدينة القدس والمسجد الأقصى، والخطوات الواجب اتخاذها للتصدي لهذه الإجراءات».
وأشار أبو ردينة إلى أن الرئيس عباس يجري سلسلة اتصالات عربية ودولية لمنع تدهور الأوضاع.
ولم يرد تعقيب فوري من إسرائيل حول وجود صفقة قريبة. لكن الموقع الإلكتروني للقناة الإسرائيلية الثانية، قال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجري مشاورات أمنية حول مصير البوابات الإلكترونية.
وقالت مصادر إسرائيلية إن أجهزة الأمن الإسرائيلية تؤيد إزالة البوابات الإلكترونية لكن الشرطة تعارض ذلك.
ورد مكتب نتنياهو أنه غير موجود في البلاد الآن لإجراء هذه المشاورات. فيما أكد نفتالي بينيت، زعيم حزب البيت اليهودي ووزير التعليم الإسرائيلي، أن نتنياهو يتعرض لضغوط من دول عربية لإزالة البوابات الإلكترونية. وطالبه بعدم الخضوع للضغوطات، وقال: «إسرائيل أمام اختبار».
من جانبها، حذرت مصر إسرائيل، أمس، من عواقب التصعيد في المسجد الأقصى، وخطورة التداعيات المترتبة على ذلك، التي نتج عنها إصابات خطيرة بين صفوف الفلسطينيين وتعريض حياة إمام المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري لمخاطر جسيمة.
وطالبت وزارة الخارجية المصرية في بيان لها إسرائيل بوقف العنف، واحترام حرية العبادة والمقدسات الدينية، وحق الشعب الفلسطيني في ممارسة شعائره الدينية في حرية وأمان، وعدم اتخاذ مزيد من الإجراءات التي من شأنها تأجيج الصراع، واستثارة المشاعر الدينية وزيادة حالة الاحتقان بين أبناء الشعب الفلسطيني، بما يقوض من فرص التوصل إلى سلام عادل وشامل تأسيساً على حل الدولتين.
وندد أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، باستخدام السلطات الإسرائيلية العنف وإجراءات تعسفية أخرى بحق الفلسطينيين. وحذر الأمين العام من خطورة الخطوات التصعيدية الإسرائيلية، مشيراً إلى أنها تمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يُعَدّ الحق في حرية ممارسة الشعائر الدينية أحد حقوقه الرئيسية، كما أنها لن تؤدي سوى إلى المزيد من التوتر وتأجيج الأوضاع في مدينة القدس، واستثارة لمشاعر المسلمين بشكل عام، وستلقي بالتبعية بتداعياتها السلبية على أي فرص لتحقيق تسوية سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال الفترة الحالية.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.