فولاذ الصين «المنفلت» يزعج أميركا وأوروبا أكثر فأكثر

تلويح بفرض رسوم ضد الإغراق يفتح حرباً تجارية

عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)
عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)
TT

فولاذ الصين «المنفلت» يزعج أميركا وأوروبا أكثر فأكثر

عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)
عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)

أظهرت الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاءات الصينية أن البلاد متجهة إلى تسجيل سنة تاريخية أخرى في إنتاج الفولاذ والألمنيوم. فقد بلغ ذلك الإنتاج في يونيو (حزيران) الماضي 73.2 مليون طن من الفولاذ، أي بنسبة نمو 5.7 في المائة على أساس سنوي، و2.9 مليون طن ألمنيوم، بنسبة نمو 7.4 في المائة.
يأتي ذلك في وقت يتذمر فيه الأوروبيون والأميركيون من هذا الفائض الإنتاجي الذي يباع جزء منه بأسعار تحت الكلفة بحسب اتهامات الإغراق الموجهة إلى بكين. ففي العام الماضي بلغ إنتاج الفولاذ الصيني نحو مليار طن، أي 50 في المائة من كامل الإنتاج العالمي، وشكل ذلك تحدياً كبيراً للمصانع الغربية. لذا أطلقت الإدارة الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي تحقيقاً لمعرفة ما إذا كان فائض الإنتاج العالمي من الفولاذ يهدد عوائد هذه الصناعة في الولايات المتحدة. وأضيفت آنذاك عبارة «تهديد الأمن الوطني»، أي أن التحقيق قد يتوسع إلى أهداف أبعد من الغرض التجاري.
وأعلنت الإدارة الأميركية أنها تحتفظ بحق إعلان تقنين استيراد الفولاذ. وأخذ الأوروبيون ذلك التهديد على محمل الجد أيضاً لأنهم يصدرون الفولاذ بكثافة إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبقي الأوروبيون أعينهم مفتوحة لمراقبة الصين لأنها، برأيهم ورأي الأميركيين معاً، المسؤولة الأولى عالمياً عن الفائض الإنتاجي، والبيع بأسعار مُهاوِدة دفعت الأميركيين إلى التلويح بفرض رسوم ضد الإغراق.
وتنفي مصادر صناعية صينية تلك الاتهامات، مشيرةً إلى أن غزارة الإنتاج مدفوعة أولاً بالطلب الداخلي، خصوصاً حاجات مشاريع البنى التحتية ومصانع السيارات، كما أن زيادة الإنتاج تستفيد من ارتفاع أسعار قضبان الفولاذ منذ بداية العام بنسبة 25 في المائة، وأسعار الألمنيوم بنسبة 12 في المائة.
وكانت مجموعة العشرين في اجتماعها قبل الأخير، في شانغهاي في فبراير (شباط) 2016، شكلت منتدى نقاش دائم (فوروم) يتابع فائض إنتاج الفولاذ وغيره من المواد، على أن تزود الدول المعنية ذلك المنتدى بكل المعلومات والبيانات التي يطلبها.
واتضح أن الصين غير متجاوبة كثيراً وفقاً لتأكيدات الأطراف الأوروبية والأميركية. لذا وضعت قمة هامبورغ التي عقدت في 7 و8 يوليو (تموز) الحالي أجندة زمنية لجمع كل المعلومات بحلول أغسطس (آب) المقبل، وفي شهر نوفمبر توضع استراتيجية خفض إجباري لذلك الفائض المؤثر في الأسعار وعدالة المنافسة.
ويعلق المراقبون أهمية كبيرة على ذلك المنتدى وجدية عمله، لتفويت الفرصة على الجانب الأميركي الذي يغريه الآن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.
إزاء هذا الواقع أجمع محللون على أن الصيغة التي خرجت بها قمة مجموعة العشرين الأخيرة في هامبورغ بشأن التجارة، هي اتفاق على عنوان بسيط التطبيق في ظاهره، لكن التعقيدات الخلافية كامنة في باطنه. وتناولت تلك الصيغة رغبة مشتركة في مواجهة الحمائية، وأقرت في الوقت نفسه حق استخدام الوسائل الدفاعية لمواجهة الممارسات التجارية غير المنصفة.
وسارع الرئيس الأميركي غداة عودته إلى واشنطن بعد القمة، إلى التغريد عبر «تويتر» حول نصر ما حققه، مشيراً إلى نجاح في شرح ضرورة تسوية الاتفاقات التجارية السيئة.. وقال: «سنسويها!»، في إشارة إلى شركاء الولايات المتحدة الذين بات عليهم توقع ما قد يخرج عن سياق الاتفاق المبدئي تحت بند «تسوية السيئ». أما كيف ومتى ستسوى الاتفاقيات، فتلك مسألة بقيت معلقة على «حسن النية أو سوئها»، كما أكد أحد الخبراء التجاريين. وأضاف: «أخذ شركاء أميركا علماً بأن الرئيس ترمب مصرّ على إجراء تعديلات على بعض الاتفاقيات، لكنهم تجنبوا معه حتى الآن خطر المعارك المفتوحة، التي كانت لاحت أشباحها خلال حملة ترمب الانتخابية، وبعد انتخابه رئيساً، عندما كان يلح على إعلان تغليب مصلحة أميركا على أي مصلحة أخرى حتى لو تطلب الأمر الخروج من اتفاقيات كما فعل مع اتفاقية باريس حول المناخ، إذ تنصل من التزامات وافق عليها سلفه باراك أوباما لجهة المساهمة في تخفيف الإنبعاثات وضبط استخدام الطاقة لا سيما الوقود الأحفوري. وخرج من اتفاق باريس بحجة أنه اتفاق سيئ يلجم نمو الاقتصاد الأميركي ويهدد وظائف الأميركيين».
ويؤكد المحللون أن بعض الاتفاقات التجارية قد تتعرض لمصير اتفاق المناخ، إذا رأت إدارة ترمب أنها تهدد النمو والوظائف في الولايات المتحدة.
ويشير مصدر في منظمة التجارة العالمية إلى أن الشق المتعلق بالتجارة في إعلان قمة مجموعة العشرين الأخيرة «يفتح المجال لتفسيرات شتى». وقال: «استخدام مفهوم وسائل الدفاع التجارية قد يعني أولاً شهر سلاح الرسوم أو الحواجز الجمركية، وهذا ما فعلته إدارة ترمب عندما بدأت بفرض رسوم ضد الإغراق بوجه استيراد الخشب الكندي. وهددت بشيء مماثل مستقبلاً بشأن الفولاذ الذي تتشارك أوروبا وأميركا بصدده في اتهام الصين بأنها تبالغ في طاقتها الإنتاجية لدرجة أنها تصدر بأسعار التكلفة أو دونها أحيانا».
وبالعودة إلى الإعلان الملتبس، ذكر مندوب تفاوض أوروبي ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما قال صراحة إن «النص الذي اعتمد في قمة العشرين لا يبعد شبح الاضطرابات التجارية نهائياً، لا بل من الممكن أن تستمر تلك الاضطرابات فترة من الزمن».
وكشف المندوب أن المحادثات في قمة هامبورغ بشأن التجارة، كانت صاخبة ومدار شد وجذب عنيفين. ولحفظ ماء وجه القمة ووحدة أعضاء مجموعة العشرين خرج بيان يعطي انطباع «الاتفاق الناجز»، لكنه يحمل الشيء ونقيضه بانتظار جلاء الرؤية أكثر.
فمن جهة، أكد المجتمعون مبدأ رفض الحمائية العدائية، ومن جهة أخرى تركوا الباب مفتوحاً لاستخدام الوسائل الدفاعية. وليس صحيحاً، وفقاً للمندوب، أن النص أتى فقط لإرضاء الجانب الأميركي، فهناك دول أبرزها فرنسا تنادي بضرورة التبادل التجاري العادل والمنصف، إلى جانب حق اللجوء إلى ضرورات المعاملة بالمثل عند اللزوم. لذا أتى البيان «حمّال أوجه» كما لو أن كل طرف بقي على سلاحه. فالأوروبيون ليسوا أكثر تساهلاً من غيرهم، إذ إن رئيس المفوضية جان كلود يونكر حذر بكلام صريح مفاده أن الأوروبيين سيردون بالمثل فوراً إذا تعرضت مصالحهم التجارية إلى استهداف مباشر.
وبعد هذا التصريح التحذيري، بدأت مصادر تسرب قائمة منتجات أميركية قد يستهدفها الاتحاد الأوروبي، مثل عصير البرتقال ومنتجات الحليب وإحدى المشروبات الكحولية.
في المقابل، يحرص الجانب الألماني على تذكير الجميع بأن عبارة «حق استخدام وسائل الدفاع التجارية» لا يعني أن «الحبل على غاربه»، بل إن تلك الوسائل يجب أن ينسجم استخدامها مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
تبقى الإشارة إلى أن احتجاجات مناهضي العولمة والرأسمالية التي واكبت اجتماع قمة العشرين، اكتسبت زخما إضافياً هذه المرة على وقع ملاحظات بدأت تعلنها أكثر الجهات المدافعة تاريخياً عن حرية التجارة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. فبعض الانتخابات هنا وهناك شهدت ارتفاع نسبة المواطنين الغربيين المنددين بالنتائج السلبية لاتفاقات التجارة الحرة التي هددتهم في أمنهم الوظيفي ولقمة عيشهم. وما بعض أدبيات دونالد ترمب وتيريزا ماي وإيمانويل ماكرون إلا «رجع صدى» لذلك الاستياء الشعبي أو الشعبوي، ليبقى العالم منقسماً بين الدفاع عن منافع التجارة الدولية الحرة وبين التنديد بمساوئها، علما بأن ذلك التنديد قد يترجم في لحظة ما بحرب تجارية مفتوحة على كل الاحتمالات.



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.