فولاذ الصين «المنفلت» يزعج أميركا وأوروبا أكثر فأكثر

تلويح بفرض رسوم ضد الإغراق يفتح حرباً تجارية

عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)
عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)
TT

فولاذ الصين «المنفلت» يزعج أميركا وأوروبا أكثر فأكثر

عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)
عاملان صينيان يعملان على صنع أقفاص فولاذية لأساسيات البناء في موقع بناء بمحافظة جيانغسو الصينية (رويترز)

أظهرت الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاءات الصينية أن البلاد متجهة إلى تسجيل سنة تاريخية أخرى في إنتاج الفولاذ والألمنيوم. فقد بلغ ذلك الإنتاج في يونيو (حزيران) الماضي 73.2 مليون طن من الفولاذ، أي بنسبة نمو 5.7 في المائة على أساس سنوي، و2.9 مليون طن ألمنيوم، بنسبة نمو 7.4 في المائة.
يأتي ذلك في وقت يتذمر فيه الأوروبيون والأميركيون من هذا الفائض الإنتاجي الذي يباع جزء منه بأسعار تحت الكلفة بحسب اتهامات الإغراق الموجهة إلى بكين. ففي العام الماضي بلغ إنتاج الفولاذ الصيني نحو مليار طن، أي 50 في المائة من كامل الإنتاج العالمي، وشكل ذلك تحدياً كبيراً للمصانع الغربية. لذا أطلقت الإدارة الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي تحقيقاً لمعرفة ما إذا كان فائض الإنتاج العالمي من الفولاذ يهدد عوائد هذه الصناعة في الولايات المتحدة. وأضيفت آنذاك عبارة «تهديد الأمن الوطني»، أي أن التحقيق قد يتوسع إلى أهداف أبعد من الغرض التجاري.
وأعلنت الإدارة الأميركية أنها تحتفظ بحق إعلان تقنين استيراد الفولاذ. وأخذ الأوروبيون ذلك التهديد على محمل الجد أيضاً لأنهم يصدرون الفولاذ بكثافة إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبقي الأوروبيون أعينهم مفتوحة لمراقبة الصين لأنها، برأيهم ورأي الأميركيين معاً، المسؤولة الأولى عالمياً عن الفائض الإنتاجي، والبيع بأسعار مُهاوِدة دفعت الأميركيين إلى التلويح بفرض رسوم ضد الإغراق.
وتنفي مصادر صناعية صينية تلك الاتهامات، مشيرةً إلى أن غزارة الإنتاج مدفوعة أولاً بالطلب الداخلي، خصوصاً حاجات مشاريع البنى التحتية ومصانع السيارات، كما أن زيادة الإنتاج تستفيد من ارتفاع أسعار قضبان الفولاذ منذ بداية العام بنسبة 25 في المائة، وأسعار الألمنيوم بنسبة 12 في المائة.
وكانت مجموعة العشرين في اجتماعها قبل الأخير، في شانغهاي في فبراير (شباط) 2016، شكلت منتدى نقاش دائم (فوروم) يتابع فائض إنتاج الفولاذ وغيره من المواد، على أن تزود الدول المعنية ذلك المنتدى بكل المعلومات والبيانات التي يطلبها.
واتضح أن الصين غير متجاوبة كثيراً وفقاً لتأكيدات الأطراف الأوروبية والأميركية. لذا وضعت قمة هامبورغ التي عقدت في 7 و8 يوليو (تموز) الحالي أجندة زمنية لجمع كل المعلومات بحلول أغسطس (آب) المقبل، وفي شهر نوفمبر توضع استراتيجية خفض إجباري لذلك الفائض المؤثر في الأسعار وعدالة المنافسة.
ويعلق المراقبون أهمية كبيرة على ذلك المنتدى وجدية عمله، لتفويت الفرصة على الجانب الأميركي الذي يغريه الآن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.
إزاء هذا الواقع أجمع محللون على أن الصيغة التي خرجت بها قمة مجموعة العشرين الأخيرة في هامبورغ بشأن التجارة، هي اتفاق على عنوان بسيط التطبيق في ظاهره، لكن التعقيدات الخلافية كامنة في باطنه. وتناولت تلك الصيغة رغبة مشتركة في مواجهة الحمائية، وأقرت في الوقت نفسه حق استخدام الوسائل الدفاعية لمواجهة الممارسات التجارية غير المنصفة.
وسارع الرئيس الأميركي غداة عودته إلى واشنطن بعد القمة، إلى التغريد عبر «تويتر» حول نصر ما حققه، مشيراً إلى نجاح في شرح ضرورة تسوية الاتفاقات التجارية السيئة.. وقال: «سنسويها!»، في إشارة إلى شركاء الولايات المتحدة الذين بات عليهم توقع ما قد يخرج عن سياق الاتفاق المبدئي تحت بند «تسوية السيئ». أما كيف ومتى ستسوى الاتفاقيات، فتلك مسألة بقيت معلقة على «حسن النية أو سوئها»، كما أكد أحد الخبراء التجاريين. وأضاف: «أخذ شركاء أميركا علماً بأن الرئيس ترمب مصرّ على إجراء تعديلات على بعض الاتفاقيات، لكنهم تجنبوا معه حتى الآن خطر المعارك المفتوحة، التي كانت لاحت أشباحها خلال حملة ترمب الانتخابية، وبعد انتخابه رئيساً، عندما كان يلح على إعلان تغليب مصلحة أميركا على أي مصلحة أخرى حتى لو تطلب الأمر الخروج من اتفاقيات كما فعل مع اتفاقية باريس حول المناخ، إذ تنصل من التزامات وافق عليها سلفه باراك أوباما لجهة المساهمة في تخفيف الإنبعاثات وضبط استخدام الطاقة لا سيما الوقود الأحفوري. وخرج من اتفاق باريس بحجة أنه اتفاق سيئ يلجم نمو الاقتصاد الأميركي ويهدد وظائف الأميركيين».
ويؤكد المحللون أن بعض الاتفاقات التجارية قد تتعرض لمصير اتفاق المناخ، إذا رأت إدارة ترمب أنها تهدد النمو والوظائف في الولايات المتحدة.
ويشير مصدر في منظمة التجارة العالمية إلى أن الشق المتعلق بالتجارة في إعلان قمة مجموعة العشرين الأخيرة «يفتح المجال لتفسيرات شتى». وقال: «استخدام مفهوم وسائل الدفاع التجارية قد يعني أولاً شهر سلاح الرسوم أو الحواجز الجمركية، وهذا ما فعلته إدارة ترمب عندما بدأت بفرض رسوم ضد الإغراق بوجه استيراد الخشب الكندي. وهددت بشيء مماثل مستقبلاً بشأن الفولاذ الذي تتشارك أوروبا وأميركا بصدده في اتهام الصين بأنها تبالغ في طاقتها الإنتاجية لدرجة أنها تصدر بأسعار التكلفة أو دونها أحيانا».
وبالعودة إلى الإعلان الملتبس، ذكر مندوب تفاوض أوروبي ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما قال صراحة إن «النص الذي اعتمد في قمة العشرين لا يبعد شبح الاضطرابات التجارية نهائياً، لا بل من الممكن أن تستمر تلك الاضطرابات فترة من الزمن».
وكشف المندوب أن المحادثات في قمة هامبورغ بشأن التجارة، كانت صاخبة ومدار شد وجذب عنيفين. ولحفظ ماء وجه القمة ووحدة أعضاء مجموعة العشرين خرج بيان يعطي انطباع «الاتفاق الناجز»، لكنه يحمل الشيء ونقيضه بانتظار جلاء الرؤية أكثر.
فمن جهة، أكد المجتمعون مبدأ رفض الحمائية العدائية، ومن جهة أخرى تركوا الباب مفتوحاً لاستخدام الوسائل الدفاعية. وليس صحيحاً، وفقاً للمندوب، أن النص أتى فقط لإرضاء الجانب الأميركي، فهناك دول أبرزها فرنسا تنادي بضرورة التبادل التجاري العادل والمنصف، إلى جانب حق اللجوء إلى ضرورات المعاملة بالمثل عند اللزوم. لذا أتى البيان «حمّال أوجه» كما لو أن كل طرف بقي على سلاحه. فالأوروبيون ليسوا أكثر تساهلاً من غيرهم، إذ إن رئيس المفوضية جان كلود يونكر حذر بكلام صريح مفاده أن الأوروبيين سيردون بالمثل فوراً إذا تعرضت مصالحهم التجارية إلى استهداف مباشر.
وبعد هذا التصريح التحذيري، بدأت مصادر تسرب قائمة منتجات أميركية قد يستهدفها الاتحاد الأوروبي، مثل عصير البرتقال ومنتجات الحليب وإحدى المشروبات الكحولية.
في المقابل، يحرص الجانب الألماني على تذكير الجميع بأن عبارة «حق استخدام وسائل الدفاع التجارية» لا يعني أن «الحبل على غاربه»، بل إن تلك الوسائل يجب أن ينسجم استخدامها مع قواعد منظمة التجارة العالمية.
تبقى الإشارة إلى أن احتجاجات مناهضي العولمة والرأسمالية التي واكبت اجتماع قمة العشرين، اكتسبت زخما إضافياً هذه المرة على وقع ملاحظات بدأت تعلنها أكثر الجهات المدافعة تاريخياً عن حرية التجارة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. فبعض الانتخابات هنا وهناك شهدت ارتفاع نسبة المواطنين الغربيين المنددين بالنتائج السلبية لاتفاقات التجارة الحرة التي هددتهم في أمنهم الوظيفي ولقمة عيشهم. وما بعض أدبيات دونالد ترمب وتيريزا ماي وإيمانويل ماكرون إلا «رجع صدى» لذلك الاستياء الشعبي أو الشعبوي، ليبقى العالم منقسماً بين الدفاع عن منافع التجارة الدولية الحرة وبين التنديد بمساوئها، علما بأن ذلك التنديد قد يترجم في لحظة ما بحرب تجارية مفتوحة على كل الاحتمالات.



شبح التضخم يطارد أوروبا... ومصارف عالمية تتوقع أبريل موعداً لرفع الفائدة

أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
TT

شبح التضخم يطارد أوروبا... ومصارف عالمية تتوقع أبريل موعداً لرفع الفائدة

أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)
أعلام ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي (رويترز)

يواجه البنك المركزي الأوروبي لحظة الحقيقة مع اشتعال فتيل الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، حيث انتقل النقاش داخل أروقة فرانكفورت من التهدئة إلى التحذير الصريح. وبينما يتمسك صناع السياسة النقدية بدعوات الهدوء وتجنب رد الفعل المتسرع تجاه صدمات النفط، بدأت كبرى مصارف الوساطة العالمية في إعادة رسم خرائطها المالية، مراهنةً على أبريل (نيسان) موعداً لانعطافة حادة في أسعار الفائدة.

هذا التضارب بين حذر البنك المركزي الأوروبي واندفاع الأسواق يضع القارة العجوز أمام اختبار قاسٍ: هل ينجح اليورو في امتصاص صدمة الصراع الإقليمي دون التضحية بالنمو، أم أن رفع الفائدة بات شراً لا بد منه لترويض التضخم الجامح؟

رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد تتحدث في مؤتمر صحافي عقب قرار البنك تثبيت الفائدة (رويترز)

كان البنك المركزي الأوروبي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه حذر من أن الحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران قد تدفع التضخم إلى ما هو أبعد بكثير من هدفه البالغ 2 في المائة هذا العام، وأن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يُبقي نمو الأسعار مرتفعاً لسنوات مقبلة.

عزز هذا الرأي التوقعات واسعة النطاق برفع أسعار الفائدة، وأقر صناع السياسة النقدية، الذين تحدثوا شرط عدم الكشف عن هويتهم، بأن هذا الأمر قد يكون مطروحاً في أبريل ما لم يتم حل الصراع في الأسابيع المقبلة، وفق «رويترز».

مع ذلك، كان تعليقهم العلني يوم الجمعة أكثر اعتدالاً، إذ قال محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين: «علينا التحلي بالهدوء والنظر إلى الصورة الكاملة»، مضيفاً أن على صانعي السياسات الفصل بين التقلبات قصيرة الأجل وتأثيرها الاقتصادي طويل الأجل.

وصرح محافظ البنك المركزي الفرنسي، فرانسوا فيليروي دي غالهو، بأن البنك المركزي الأوروبي يجب ألا يبالغ في رد فعله تجاه ارتفاع أسعار الطاقة، الذي قد يدفع التضخم إلى 2.6 في المائة هذا العام، وفقاً لتوقعات البنك الأساسية.

وقال في مقابلة مع موقع «بورسوراما» الإخباري المالي: «نحن نتابع الوضع عن كثب، ولدينا القدرة على اتخاذ الإجراءات اللازمة».

في غضون ذلك، حذر محافظ بنك إسبانيا، خوسيه لويس إسكريفا، من أنه لا يزال من الصعب تقييم تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على مسار التضخم، لذا ينبغي على البنك المركزي الأوروبي الالتزام بنهجه في اتخاذ القرارات من اجتماع إلى آخر.

حاكم بنك فرنسا فرنسوا فيليروي دي غالهو يتحدث في باريس (رويترز)

الأسواق تراهن على الرفع

تتوقع الأسواق المالية الآن أكثر من رفعتين لأسعار الفائدة هذا العام، مع توقع أول رفعة في يونيو (حزيران). عادةً ما تتجاهل البنوك المركزية صدمات أسعار النفط، لكن المخاوف تكمن في أن يكون ارتفاع أسعار الطاقة كبيراً لدرجة أنه سيتسرب إلى الاقتصاد ككل، مؤثراً على أسعار كل شيء ومستمراً لفترة طويلة.

وأقر رئيس البنك المركزي الألماني، يواكيم ناغل، بهذا الخطر، وقال إن البنك المركزي الأوروبي قد يضطر للتدخل ما لم تستقر أسعار الطاقة قريباً.

وقال ناغل لوكالة «بلومبرغ»: «في ظل الوضع الراهن، من المتوقع أن تتدهور توقعات التضخم على المدى المتوسط، وأن ترتفع توقعات التضخم بشكل مستمر، مما يعني أن اتباع سياسة نقدية أكثر تقييداً سيكون ضرورياً على الأرجح».

يواكيم ناغل يتحدث خلال مقابلة في اجتماع وزراء المالية لمجموعة العشرين في جنوب أفريقيا يوليو 2025 (رويترز)

... وشركات الوساطة

في غضون ذلك، بدأت شركات الوساطة تراهن على رفع سريع لأسعار الفائدة، بعد أن غيرت توقعاتها في أعقاب اجتماع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس.

تتوقع بنوك «جي بي مورغان»، و«مورغان ستانلي»، و«باركليز»، الآن، أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في عام 2026، وهو تحول حاد عن توقعاتها السابقة التي كانت تشير إلى بقاء أسعار الفائدة ثابتة.

ويتوقع «باركليز» و«جي بي مورغان» رفع أسعار الفائدة في أبريل، تليه زيادات أخرى في يونيو ويوليو (تموز) على التوالي. في حين يتوقع «مورغان ستانلي» زيادات قدرها 25 نقطة أساس في كل من يونيو وسبتمبر (أيلول).

مع ذلك، لم يكن الجميع مقتنعاً. وقال يورغ كرامر، كبير الاقتصاديين في «كومرتسبنك»: «يهيمن على مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي أعضاء يميلون إلى سياسة نقدية توسعية».

وأضاف: «ما زلت غير مقتنع بتوقعات أسواق العقود الآجلة بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة الرئيسية مرتين على الأقل بحلول نهاية العام. إن العقبة أمام رفع أسعار الفائدة الرئيسية أعلى مما كان متوقعاً».


تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
TT

تاكايتشي تعلن أن اليابان قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس (رويترز)

قالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، خلال زيارتها للولايات المتحدة، إن طوكيو قد تبدأ بتخزين النفط الأميركي محلياً في اليابان، في إطار سعيها لتنويع مصادر مشترياتها وتعزيز أمنها الطاقي.

وقبل أن تستخدم اليابان مخزوناتها النفطية الاستراتيجية هذا الأسبوع في عملية قياسية لتعويض تداعيات اضطرابات الإمدادات من الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، كانت تحتفظ بنحو 470 مليون برميل، أي ما يكفي لاستهلاكها لمدة 254 يوماً، في خزاناتها.

ولم يتضح على الفور ما إذا كانت الولايات المتحدة ستخصص الخام كجزء من المخزونات الاستراتيجية اليابانية، أو أنه سيكون متاحاً للاستخدام من قبل الولايات المتحدة عند الحاجة.

وقالت تاكايتشي، في تصريحات للصحافيين بالولايات المتحدة، إن البلدين اتفقا أيضاً على التعاون لتوسيع إنتاج الطاقة الأميركي. وتستورد اليابان نحو 4 في المائة من احتياجاتها النفطية، ونحو 6 في المائة من غازها الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. وقد زادت استثماراتها في قطاع الطاقة هناك.

وأضافت تاكايتشي: «أبلغتُ الرئيس دونالد ترمب بنيَّتي تنفيذ مشروع مشترك يتم بموجبه تخزين النفط الخام المُستورد من الولايات المتحدة في اليابان». ويستند هذا إلى فهم أن تنويع مصادر التوريد سيساهم في ضمان إمدادات طاقة مستقرة لليابان وآسيا ككل.

ولم تفصح تاكايتشي عن أي تفاصيل بشأن خطة تخزين النفط الأميركي في اليابان. وتحتفظ اليابان بمخزونات نفطية مشتركة مع السعودية والإمارات والكويت، يبلغ مجموعها نحو 13 مليون برميل، كجزء من احتياطياتها الاستراتيجية المحلية، ولها حق الأولوية في استخدام هذه المخزونات.

وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في أكثر من 90 في المائة من إمداداتها النفطية، وقد بدأت قطاعاتها الصناعية - من مصانع الصلب وشركات البتروكيماويات إلى الحمامات العامة - تشعر بآثار نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار نتيجة لإغلاق مضيق هرمز.

وبلغت مساهمة اليابان في عملية إطلاق النفط القياسية التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية ما يقرب من 80 مليون برميل، تتكون أساساً من النفط الخام، وفقاً للأرقام التي نشرتها الوكالة يوم الخميس.

وجاءت حصة اليابان في المرتبة الثانية بعد مساهمة الولايات المتحدة البالغة 172 مليون برميل.

ولم تُستخدم المخزونات اليابانية المشتركة مع السعودية والإمارات والكويت في عملية الإطلاق التي نسقتها وكالة الطاقة الدولية.

وخلال زيارة تاكايتشي، أعلنت اليابان والولايات المتحدة عن توسيع نطاق التعاون بينهما، بما في ذلك استثمار ياباني يصل إلى 73 مليار دولار في مشاريع الطاقة الأميركية، وخطة عمل لتطوير بدائل للصين في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وأعلنت الولايات المتحدة واليابان عن مشروع بقيمة 40 مليار دولار لبناء مفاعلات نووية في ولايتي تينيسي وألاباما، وذلك عقب اجتماع قادة البلدين في واشنطن، وبعد موافقة طوكيو العام الماضي على استثمار 550 مليار دولار حتى عام 2029 كجزء من اتفاقية تجارية جديدة مع واشنطن.

كما أعلن البيان المشترك الصادر يوم الخميس بشأن ما يُسمى بالمفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs) عن استثمار بقيمة 33 مليار دولار في محطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي في ولايتي بنسلفانيا وتكساس.

وأعلن البلدان، في فبراير (شباط)، عن الشريحة الأولى من المشاريع في إطار صندوق الاستثمار الجديد، بقيمة 36 مليار دولار مخصصة لثلاثة مشاريع بنية تحتية. وذكر بيان يوم الخميس أن هذه المشاريع ستضمن الأمن من خلال «تسريع النمو الاقتصادي للبلدين، مما يمهِّد الطريق لعصر ذهبي جديد للتحالف الياباني الأميركي المتنامي باستمرار».

وأشادت الولايات المتحدة بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، التي بنتها شركة «جي إي فيرنوفا هيتاشي»، بوصفها «مصدراً هائلاً للطاقة المستقرة للجيل المقبل، مما يُسهم في استقرار أسعار الكهرباء للشعب الأميركي، ويعزز ريادة اليابان والولايات المتحدة في المنافسة التكنولوجية العالمية».

كما أصدر الجانبان خطة عمل لتطوير سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وسط مخاوف بشأن هيمنة الصين على هذا القطاع. وتشمل الخطة مناقشة سياسات وآليات تجارية منسقة، مثل تحديد حد أدنى للأسعار وفقاً للحدود، «مع التركيز مبدئياً على معادن حيوية مختارة».

وأعلن البيت الأبيض أن البلدين سيتعاونان أيضاً في تطوير المعادن الحيوية في أعماق البحار، «بما في ذلك رواسب الطين الغنية بالعناصر الأرضية النادرة بالقرب من جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية».

وميناميتوريشيما جزيرة مرجانية يابانية معزولة تقع على بُعد نحو 1950 كيلومتراً (1200 ميل) جنوب شرقي طوكيو. وقد جُمعت رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة بواسطة قارب حفر علمي ياباني متخصص في أعماق البحار أبحر، في يناير (كانون الثاني)، إلى الجزيرة التي يُعتقد أن مياهها المحيطة بها غنية بالمعادن الثمينة.


تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)

تسارعت التحركات الدولية لاحتواء تداعيات أزمة الطاقة العالمية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث تقود الولايات المتحدة وحلفاؤها جهوداً مزدوجة لزيادة الإمدادات وضبط الأسعار، بالتوازي مع مبادرات من وكالة الطاقة الدولية لإدارة الطلب. وفي خضم هذه التحركات، دخلت الصين على خط الأزمة، داعيةً إلى ضمان استقرار تدفقات النفط، في مؤشر على اتساع دائرة القلق العالمي من تداعيات الصدمة الحالية. وفي صدارة المشهد، برزت التحركات الأميركية بوصفها عاملاً رئيسياً في محاولة تهدئة الأسواق؛ فقد أعلنت واشنطن أنها تدرس رفع العقوبات عن شحنات النفط الإيراني العالقة في البحر، إلى جانب إمكانية الإفراج عن كميات إضافية من الاحتياطي الاستراتيجي، في خطوة تهدف إلى تعزيز المعروض وكبح جماح الأسعار. كما أشارت بيانات حديثة إلى احتمال زيادة الإنتاج الأميركي، خصوصاً مع إعادة تشغيل آبار متوقفة في ولاية داكوتا الشمالية، ما يعزز الإمدادات على المدى القريب. وترافقت هذه الجهود مع تحرك دبلوماسي واسع؛ إذ أعلنت دول أوروبية كبرى إلى جانب اليابان استعدادها للمساهمة في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

كما كشفت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مساعٍ لاحتواء التصعيد، حيث طلب من إسرائيل تجنُّب استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، في محاولة لتقليل مخاطر تفاقم الأزمة.

علاوة الحرب

هذه التحركات انعكست سريعاً على الأسواق، حيث تراجعت أسعار النفط في تعاملات الجمعة، مع انخفاض خام برنت إلى نحو 108.26 دولار للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط إلى 95.27 دولار، بعد أن فقدت الأسعار جزءاً من «علاوة الحرب»، مع تنامي الآمال بتهدئة التوترات. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة؛ إذ يتجه برنت لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 5 في المائة؛ ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في السوق.

إجراءات غير مسبوقة

وفي موازاة ذلك، تقود وكالة الطاقة الدولية مساراً مكملاً يركز على جانب الطلب، في تحول لافت في إدارة أزمات الطاقة؛ فبعد قرارها ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، وهو الأكبر في تاريخها، طرحت الوكالة مجموعة إجراءات عملية لتخفيف الضغط على المستهلكين، تشمل العمل من المنزل، وتقليل السرعات على الطرق، وتجنب السفر الجوي عندما تتوفر بدائل. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على زيادة المعروض فقط، بل تتطلب أيضاً إدارة الاستهلاك بشكل مباشر.

وأكد المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، أن هذه الإجراءات تمثل أدوات «فورية وملموسة» يمكن أن تحد من أثر ارتفاع الأسعار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال صدمة الطاقة إلى معدلات التضخم العالمية.

غير أن فعالية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بتطورات الوضع الأمني، خصوصاً في مضيق هرمز. فحتى مع التوصل إلى ترتيبات لتأمين الملاحة، يشير محللون إلى أن استعادة سلاسل الإمداد بشكل كامل قد تستغرق وقتاً، ما يعني استمرار تقلب الأسعار في المدى القريب.

ناقلة نفطية صينية قرب ميناء في هونغ كونغ (رويترز)

وفي هذا السياق، برز الموقف الصيني بوصفه عنصراً مهماً في معادلة التوازن العالمي؛ فقد دعت بكين جميع الأطراف إلى ضمان استقرار إمدادات النفط وتدفقها دون عوائق، في رسالة تعكس قلقها من تأثيرات الأزمة على اقتصادها الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية إضافية، في ضوء بيانات حديثة، أظهرت أن واردات الصين من النفط الروسي سجلت مستوى قياسياً خلال أول شهرين من العام، إذ بلغت نحو 21.8 مليون طن، بما يعادل 2.7 مليون برميل يومياً، بزيادة 41 في المائة على أساس سنوي. ويشير ذلك إلى أن بكين تسعى إلى تنويع مصادرها وتعزيز شراكاتها مع موسكو لتأمين احتياجاتها في ظل التقلبات الجيوسياسية.

وفي المقابل، تراجعت واردات الصين من بعض المصادر الأخرى، مثل ماليزيا، ما يعكس إعادة تشكيل تدريجية لخريطة تدفقات الطاقة العالمية. كما أن غياب واردات معلنة من إيران في البيانات الرسمية يسلط الضوء على تعقيدات المشهد المرتبط بالعقوبات والتجارة غير المباشرة.

ومن زاوية الأعمال، تفرض هذه التطورات تحديات كبيرة على الشركات، خاصة في قطاعات النقل والصناعة. فارتفاع الأسعار وتذبذبها يزيدان من تكاليف التشغيل، بينما تخلق المخاطر الأمنية في الممرات البحرية حالة من عدم اليقين في سلاسل الإمداد.

وفي الوقت ذاته، قد تفتح الأزمة فرصاً في مجالات كفاءة الطاقة والتكنولوجيا، مع توجه الشركات إلى تقليل استهلاكها والاعتماد على حلول أكثر مرونة. وتكشف أزمة النفط الحالية عن تحولات عميقة في طريقة تعامل العالم مع صدمات الطاقة، حيث تتداخل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية وإدارة الطلب في محاولة لاحتواء التداعيات. وبين تحركات الولايات المتحدة وحلفائها، ومبادرات وكالة الطاقة الدولية، ودعوات الصين للاستقرار، يبقى مستقبل السوق مرهوناً بسرعة تهدئة التوترات في الشرق الأوسط. وحتى ذلك الحين، ستظل الأسواق العالمية في حالة ترقب، فيما تسعى الحكومات إلى تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار واستمرار النمو الاقتصادي.