رصد لإشكالات اندماج المكوّن المسلم في ثقافة الغرب

المسلمون في أوروبا يشعرون أن لا علاقة لهم ببلد الإقامة وتاريخه

جانب من ندوة «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط})
جانب من ندوة «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط})
TT

رصد لإشكالات اندماج المكوّن المسلم في ثقافة الغرب

جانب من ندوة «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط})
جانب من ندوة «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط})

رصد خبراء ومفكرون مغاربة وعرب وأجانب ظاهرة حضور المكون الإسلامي في العالم الغربي، وذلك ضمن حلقة النقاش الأولى من الندوة الثالثة لمنتدى أصيلة الـ39 بعنوان «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول»، ناقشوا فيها تزايد المكون المسلم في التركيبة السكانية للمجتمعات الغربية، والتحديات التي تواجههم للاندماج في مجتمعات الهجرة.
وقال محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة «منتدى أصيلة»: إن موضوع «المسلمون في الغرب» كبير وشاسع وإشكالي ومختزل في كلمات تحيل على قضايا مهمة، تمتد على مساحات وجغرافيات وأمكنة متنائية يوجد فيها المسلمون دون حصر أو تمييز بينهم وبين أصولهم، أو الاقتصار على دول غربية بعينها تستقر بها جاليات مسلمة توافدت عليها على مدى العقود الماضية، فباتوا يشكلون مدى شاسعا موزعا بين القارات.
من جهته، قال رضوان السيد، أستاذ الدراسات الإسلامية وكاتب ومفكر لبناني، إنه ليس صحيحا أن التعددية الاجتماعية الناجمة في قسم منها عن تكاثف الهجرة الحديثة إلى تلك المجتمعات يمكن أن تشكل نوعا من الغنى الثقافي والحضاري والاجتماعي، كما يمكن أن تقود إلى ليبرالية سياسية في المجتمعات المستقبلة للمهاجرين، فكل الذي يروج الآن من كلام حول فوائد التعددية الثقافية السياسية والإثنية هو - برأيه - كلام فارغ، مشيرا إلى أن المسلمين ضاقوا ذرعا باللاجئين الفلسطينيين، ويضيقون ذرعا باللاجئين السوريين، وهم إخوة وأشقاء، فكيف يمكن للأوروبي أن ينظر إلى الملايين التي تتدفق عليه على أنه مبرر للغنى الثقافي والغنى السياسي، وأن التعددية يمكن أن تستوعب كل شيء، وأن تجعل من تلك المجتمعات مجتمعات شديدة التأقلم والرفاه والانفتاح، وكل ذلك، في رأي السيد، لا يمكن على الإطلاق، وهو يقول في هذا السياق: إن الظاهرة لن تجعل أيا من المسلمين أو الأوروبيين العقلاء أن يفكروا في أنه يمكن الخروج من هذا المخاض الهائل بين أناس من العرب والمسلمين يعيشون في بلاد الغرب بغنى على مستوى معين، لأن جانبا من المهاجرين يريدون أن يقتلوا أنفسهم ويقتلوا الأوروبيين، بينما هناك أناس آخرون بالملايين أيضا يتدفقون نحو أوروبا مغامرين بالوصول إلى ما يسمى بـ«الأمن»، موضحا أنه لا بد أن يتوقف هذا القتل الذي يجري في الغرب، ولا بد أن يتوقف هذا الاضطراب في البلدان العربية والإسلامية فتتوقف الهجرة ليستطيع الطرفان أن يفكرا ويتأملا، أما الآن فإن سؤال التزايد هو سؤال تفجيري، وقد بدأ في البلدان العربية وليس في الغرب.
من جانبها، قدمت جوسلين سيزاري، أستاذة الدين والسياسة ومديرة برنامج «الإسلام في الغرب» بجامعة هارفارد، أرقاما عن عدد المسلمين المهاجرين إلى أوروبا، وشرحت الفرق بين وضع المسلمين في أوروبا وأميركا من حيث الطريقة والنظرة، التي ينظر بها إلى المسلمين في القارتين، وقالت: إن فرنسا من بين أكثر الدول الأوروبية التي يعيش فيها المسلمون، حيث يمثلون نسبة 2 في المائة من سكان البلد، كما يشكل المسلمون نسبة 5 في المائة من سكان ألمانيا، لكن الإشكال هو أن المسلمين في أوروبا يشعرون بأنهم جسم أجنبي هناك، وأن لا علاقة لهم ببلد الإقامة وتاريخه.
في السياق ذاته، أضافت سيزاري، أن المسلمين الذين يعيشون في أوروبا يحسون بأنهم مستبعدون عن الروافد الحضارية للبلد الذي يقيمون فيه، وتساءلت إن كانت الأسباب سياسية وراء الموقف الصارم اتجاه المسلمين في أوروبا الغربية. أما عن وضع المسلمين في أميركا، فتقول سيزاري: إن الأميركيين اكتشفوا الإسلام، بمعنى الاهتمام به، منذ اندلاع الأزمة مع إيران إبان قيام الثورة الإسلامية فيها. لكن الاهتمام كان خارجيا، وحسب أبحاثها فإن أميركا اهتمت بالمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، لكن الاهتمام كان من الجانب الأمني فقط، والمتصل بالظرف الدولي، لكن هناك أبعادا أخرى في أوروبا غير موجودة في أميركا، فعندما يفكر الأوروبيون في المسلمين يستحضرون موضوع الهجرة، وهذا لا يوجد في أميركا، في حين لا توجد معادلة بين الهجرة والمسلمين، وفي أميركا معظم المهاجرين غير مسلمين وقادمين من أميركا اللاتينية، حسب قولها.
من جهتها، تحدثت سيلفيا مونتينيغرو، من المجلس الوطني للبحوث العلمية بالأرجنتين، عن الخلفية التاريخية لوجود المسلمين في أميركا الجنوبية، وذكرت أن البرازيل والأرجنتين تضمان أكبر عدد من المسلمين، حيث تم هناك الاعتراف المؤسساتي بالعنصر الإسلامي، مشيرة إلى أن ذلك كان مرتبطا بموجات الهجرة من سوريا ولبنان منذ القرن الـ16، ورغم أن الإحصائيات غير دقيقة، فالتقدير يقول إن الأرجنتين فيها نصف مليون مسلم، وهناك هيئات معنية بنشر الإسلام ومنظمات أخرى تقدم أرقاما تتراوح ما بين 500 ألف و700 ألف مسلم، لكنها لا تزال غير دقيقة.
وترى مونتينيغرو أنهم في حاجة إلى تدقيق الإحصائيات وتوحيد المعلومات للعمل على وضع خريطة لوجود المسلمين في الأرجنتين بهدف أخذ فكرة أوضح عن المكون الإسلامي في الأرجنتين، موضحة أن التجربة البرازيلية والأرجنتينية في التعامل مع المسلمين متشابهة ورائدة.
في سياق متصل، تطرق قادر عبد الرحيم، وهو أستاذ محاضر وباحث بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بباريس، إلى تجربة فرنسا في التعاطي مع المسلمين، وقال: إن المسألة هناك لا تتعلق بالدين بقدر ما هي إشكالية اجتماعية، فهناك منحى إلى التفكير بالعقلية الاستعمارية، وهو أمر يطرح للنقاش في القرن الـ21، ويجعل من فرنسا إمبراطورية، مما لا يفسح المجال لفرنسا للتخلص من الصورة الاستعمارية التي كانت واقعا سياسيا وتاريخيا في الماضي، لكنه انتهى. وقال عبد الرحيم: إن هذا التاريخ العنيف لفرنسا يعود بشكل أعنف اليوم، والفرق أن العنف اليوم يتم تنفيذه على أشخاص لديهم هوية مسلمة، لكنهم مواطنون فرنسيون، والإجابة على هذا الإشكال هناك تكمن في أن الفرنسيين لا يشعرون بأن المسلمين هم مواطنون فرنسيون ويميلون أكثر إلى الذاكرة الاستعمارية.
بدوره، قدم أوليفير ماك تيرنان، وهو متخصص في حل النزاعات والعلاقات بين الأديان في بريطانيا، إحصائيات وأرقاما عن عدد المسلمين في روسيا مثالا، حيث كانوا في فترة الستينات بنسبة 4 في المائة من مجموع السكان، وبعد 20 سنة وصلت النسبة إلى ستة في المائة، وفي 2030 يتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 8 في المائة، وهذه الأرقام المهمة - برأيه - في بيئات ترغب في تشويه الجالية العربية والمسلمة، تبقى غير مهمة ولا تخدم الأجندات السياسية للحكومات؛ لأن الخطاب الشعبوي يتجاهل البيئة الإسلامية الفكرية في أوروبا.
كما يرى تيرنان، أن بريطانيا تشهد تنوعا في الجاليات من خلال التنوع الإيديولوجي والثقافي؛ إذ إن 70 في المائة من الجالية المسلمة في بريطانيا ذات أصول من جنوب شرقي آسيا، والباقي من الشرق الأوسط وشرق أفريقيا.
في السياق ذاته، تحدث سيد عطا الله مهاجراني، وهو مفكر وباحث إيراني ووزير سابق للثقافة، عن السبل الكفيلة للإدماج والوصول إلى نقطة تواصل بعيدة عن التوترات التي تطغى على المشهد اليوم؛ لذلك اعتبر أن التركيز على النقاش في الثقافة والفن والشعر يمكن أن يخلق جسورا للالتقاء بين الغرب والمسلمين، في حين أن النقاش السياسي يزيد من خلق الفوارق بينهم، وتباعد وجهات النظر وخلق المزيد من الاصطدامات والصراعات. والأدب والشعر والرواية يمكن، في رأيه، من خلق مجال واسع للتواصل، أما المسلمون في الغرب فيجب أن يركزوا على إنسانية الإسلام والتفكير في الجدلية الإسلامية بين الإنسان والدين، وبدل التركيز على الحديث في الدين يجب العودة للقرآن لضمان عدم الوقوع في الخلط واللبس.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...