مفتي القدس لـ «الشرق الأوسط»: لن ندخل عبر البوابات الإلكترونية

دعوات للصلاة في الشوارع... والسلطة والأردن يرفضان تغيير الوضع التاريخي والجامعة العربية تدين

فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة
فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة
TT

مفتي القدس لـ «الشرق الأوسط»: لن ندخل عبر البوابات الإلكترونية

فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة
فلسطينيون مسلمون يؤدون الصلاة أمام باب الأسباط في القدس القديمة في ظل حراسات إسرائيلية مشددة

قال الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، إن أي إجراءات إسرائيلية جديدة في المسجد الأقصى، ستقابل برفض تام ومتواصل وليس فقط بوابات التفتيش الإلكترونية، موجها دعوة إلى الفلسطينيين جميعا لمقاطعة البوابات الإلكترونية حتى تزيلها إسرائيل.
وأضاف المفتي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الفلسطينيين لن يقبلوا بأقل من المرور بحرية وكرامة إلى مسجدهم.
واتهم المفتي السلطات الإسرائيلية بالعمل على تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وقال: «إنهم يسعون، بشكل تدريجي، للسيطرة الكاملة على المسجد». وضرب المفتي مثالا حول النتيجة القائمة لوضع البوابات الإلكترونية، التي تمثلت أمس بوجود المتطرفين اليهود داخل المسجد فيما صلى المسلمون خارجه.
وقال المفتي: «إنهم يسمحون للمتطرفين باقتحام المسجد من دون حسيب أو رقيب، ويضعون نظام تفتيش مذل للمسلمين. لقد فتحوا لهم باب الأسباط فيما وضعوا في وجوه المسلمين البوابات الإلكترونية».
وأضاف: «نحن نرفض الدخول من خلال البوابات الإلكترونية. هناك رفض كامل من قبل المرجعيات الدينية والسياسية وقوى المجتمع المدني، ليس فقط للبوابات الإلكترونية، بل لأي إجراءات أخرى قامت وستقوم بها القوات الإسرائيلية».
وتابع: «نحن نتوقع أن تكون هناك إجراءات أخرى، ونتوقع أن هناك إجراءات قامت بها إسرائيل في الداخل. نحن لغاية الآن، لم نصل للمسجد لنرى كل الإجراءات. لكن نقول من الآن، إن أي إجراء يمس بالوضع القائم التاريخي مرفوض».
ووجه المفتي دعوة واضحة لمقاطعة كل الإجراءات الإسرائيلية في المسجد، حتى تعود إسرائيل عنها وتفتح جميع بوابات المسجد كما كانت.
وقال: «نريد حرية تامة. لن نقبل بأقل من حريتنا في الدخول بكرامة والصلاة بعيدا عن الإجراءات الإسرائيلية. لن نقبل أن يعامل المسجد الأقصى كأي مؤسسة تجارية يوجد على أبوابها حراس وبوابات إلكترونية».
وأضاف: «هذا موقف مبدئي. قلنا ونقول: الأقصى حق خالص للمسلمين، ونحن نسأل: هل تريد (إسرائيل) أن تقنعنا أنها حريصة على المسلمين كل هذا الحرص فتضع لهم البوابات؟».
ورفض الفلسطينيون لليوم الثاني، الدخول إلى المسجد الأقصى عبر البوابات الإلكترونية، واختاروا الصلاة أمام بواباته، في تصعيد كبير أعقب مواجهات وقعت يوم الأحد، وخلفت إصابات.
وفي حين ظل الأقصى من دون مصلين، وحتى من دون أي مسؤولين وحراس من دائرة الأوقاف، الذين تعاملوا مع الأمر باعتباره سحبا لسيادتهم على المكان وفرضا للسيادة الإسرائيلية عليه، سمحت إسرائيل ليهود متطرفين بدخول الأقصى ضمن برامج الزيارات.
وأثار مشهد بقاء المسلمين خارج المسجد ووجود يهود بداخله، غضبا شعبيا كبيرا، وأشعل مخاوف من مخططات لتقسيم زماني ومكاني للمسجد.
وذرف رجال كبار مسنّون ونساء الدموع عند بوابات المسجد، في تعبير عفوي عن الحرقة على حصاره منذ أيام.
وكانت إسرائيل أغلقت المسجد الأقصى يوم الجمعة الماضي بشكل كامل أمام المصلين، بعد هجوم مسلح قرب أبوابه أدى إلى مقتل شرطيين إسرائيليين، بعد أن نفذ 3 شبان من مدينة أم الفحم عملية وقضوا برصاص الشرطة.
وأبقت إسرائيل على المسجد مغلقا حتى الأحد، ثم فتحته بشكل جزئي، ووضعت بوابات إلكترونية للتفتيش على بوابتين فتحتا من بين 9 أخريات.
وسمحت إسرائيل للمقدسيين بالدخول إلى المسجد، وعاقبت كل فلسطينيي الداخل (فلسطينيو 48) بمنعهم من الوصول. لكن مسؤولي الأوقاف الإسلامية رفضوا الدخول إلى المسجد، وتبعهم المقدسيون في ذلك.
وأعلنت المرجعيات الإسلامية في القدس، التي تضم الأوقاف الإسلامية والمفتي، في بيان لها أمس، تلقت «الشرق الأوسط» نسخة عنه، رفضها الإجراءات الإسرائيلية، داعية سكان القدس إلى «عدم التعامل معها (البوابات) مطلقا، وعدم الدخول من خلالها إلى المسجد الأقصى بشكل قاطع».
وناشدت المرجعيات الإسلامية؛ ممثلة برئيس مجلس الأوقاف الإسلامية، ورئيس الهيئة الإسلامية العليا، ومفتي القدس والديار الفلسطينية، والقائم بأعمال قاضي القضاة الفلسطينيين، شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، وطالبت المواطنين «برفض إجراءات العدوان الإسرائيلي الجائرة كافة».
وقالت المرجعيات إنه في حال استمرار فرض البوابات الإلكترونية على دخول المسجد الأقصى المبارك، «ندعو أهلنا إلى الصلاة والتعبد أمام أبواب المسجد الأقصى المبارك، وفي شوارع القدس وأزقتها».
لكن وزراء إسرائيليين أعلنوا أن البوابات غير قابلة للتفاوض. وقال وزير الأمن الإسرائيلي، غلعاد أردان، إن الإجراءات الأمنية غير قابلة للنقاش.
ومن غير المعروف ما إذا كانت إسرائيل ستصر على إبقاء البوابات فعلا أمام ازدياد الغضب الشعبي الفلسطيني واحتمال تطوره إلى «مواجهات»، ومع ازدياد الضغط الفلسطيني - الأردني - العربي رفضا للإجراءات الأخيرة.
وهاتف رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، أمس، رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي «لبحث التصعيد الإسرائيلي الخطير في المسجد الأقصى، والمساعي المبذولة من قبل القيادتين الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، والأردنية، وعلى رأسها الملك عبد الله الثاني، في الدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية بحقها»، كما جاء في بيان حكومي رسمي.
وأكد الحمد الله، الرفض المطلق للذرائع الأمنية الإسرائيلية في تبرير خطواتها التصعيدية في المسجد الأقصى، محذرا من المخططات الإسرائيلية في تغيير «الوضع القائم» في القدس، والمساس بمكانة المسجد الأقصى الدينية والتاريخية، وفرض مزيد من القيود على حرية العبادة فيه.
وحذر الحمد الله من أن يؤدي التصعيد العسكري الإسرائيلي في القدس خاصة، إلى تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد ردود الفعل، داعيا إسرائيل إلى وقف انتهاكاتها، مشددا على أن إنهاء الاحتلال وحده يجلب السلام إلى المنطقة بأكملها.
وجدد الحمد الله إشادته «بدور جلالة الملك عبد الله الثاني، والقيادة الأردنية، في حماية المسجد الأقصى والمقدسات في القدس، والدفاع عنها في المحافل الدولية كافة».
وفي غزة، قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية إن «شعبنا ومقاومته لن يسمحا بتمرير مخططات الاحتلال حوله، وإن الأقصى معركة مفتوحة وعنوان قضية دونه ترخص الدماء وتهون الأرواح».
وقال هنية في تصريح له تلقت «الشرق الأوسط» نسخة عنه: «خطوات الكيان الصهيوني الأخيرة تمثل تطوراً خطيراً من أجل تقسيم المسجد الأقصى كمقدمة للسيطرة الكاملة عليه». وأضاف: «نشد على أيدي أهلنا المرابطين والمجاهدين في بيت المقدس، ونحيي فيهم روح التحدي والتصدي للمستوطنين الإرهابيين الذين يدنسون الأقصى».
وأدان مجلس جامعة الدول العربية في بيان صدر أمس، الإجراءات التي أقدمت عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في المسجد الأقصى، وحذر من أن تؤدي إلى تصعيد بالغ الخطورة وعواقب وخيمة، في إشعال الحرب الدينية في المنطقة.
وأكد المجلس أن مثل هذه الإجراءات تشكل عدوانا صارخا على حقوق ومقدسات الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، كما تشكل انتهاكا جسيما لكافة المواثيق والقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة بما فيها قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن واليونيسكو ومجلس حقوق الإنسان والتي أكدت مرارا على أن مدينة القدس مدينة محتلة وجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وتأكيدها على أن الحرم القدسي الشريف هو مكان مقدس للمسلمين دون سواهم.
وأعرب المجلس عن رفضه لأي تغيير للوضع القائم في مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى، مؤكدا ضرورة وقف وإلغاء جميع الإجراءات الإسرائيلية وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه بما يشمل إزالة البوابات الإلكترونية واحترام حرية العبادة وحق أبناء الشعب الفلسطيني الراسخ في ممارسة شعائرهم الدينية.
وأوضح مندوب فلسطين بالجامعة العربية، السفير جمال الشوبكي، أن الاجتماع تقرر عقده بشكل عاجل بناء على طلب من دولة فلسطين لبحث إغلاق المسجد الأقصى المبارك والإجراءات الإسرائيلية التصعيدية.
وأكد الشوبكي، أن إسرائيل تشن حربا شرسة ضد الشعب الفلسطيني، وأن حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو تقوم بالتضييق على المقدسيين وفرض سياسة الأمر الواقع، من أجل تقسيم المسجد الأقصى زمنيا ومكانيا على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل.



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».