ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟
TT

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

في الصيف، يحمل المثقفون كتبهم في حقائب السفر، ومع اتساع دائرة التقنية الحديثة، أصبح الكتاب الإلكتروني رفيقاً دائماً لشريحة القراء، دون تمييز، في الوسائط الرقمية يتم تخزين آلاف الكتب ودواوين الشعر، لكن ثمة كتاباً يحظى بالعناية أكثر من سواه.. يمكن أن يمثل معياراً لقيمة الكتاب نفسه، أو للفعل الثقافي الذي لا يتخلى عن عادة القراءة مهما طال السفر.
* «الذرة الرفيعة الحمراء»
يقول الروائي والأديب السعودي جبير المليحان، إن أجواء الصيف (في الخليج) بذاتها أصبحت طاردة لعادة القراءة، فحين تلامس درجة الحرارة الخمسين مع ارتفاع هائل في الرطوبة، يصبح المرء «طفراناً» يفتش عن ملاذ بارد يسكن إليه.. لكني لا أترك الذهاب إلى مكان تكون شمسه ظلا؛ وهواؤه عليلاً، مصطحبا كتاباً ممتعاً ومفيدا. في السفر، غالبا أضع بجانبي مذكرة صغيرة وقلما، أدون فيها ما تنبشه القراءة من مواقف وأحداث منسية في مخازن الذاكرة. واليوم، في حقيبتي رواية رائعة، ضخمة (620 صفحة من الحجم الكبير)، اسمها: «الذرة الرفيعة الحمراء» للكاتب الصيني مو يان، (الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2012)، ترجمة حسانين فهمي حسين.. إنها رواية الصين بامتياز؛ تروي ذكريات طفل عن تاريخ عائلته، يحكيها وهو كبير خلال فترة الغزو الياباني للصين في ثلاثينات القرن العشرين. الرواية تكشف عوالم وأساطير، وكيف قاوم السكان المحليون الغزاة.
* «فن الشعر»
ومن البحرين، يقول الشاعر البحريني علي خليفة: «في هذا الصيف أعيد قراءة كتاب الدكتور إحسان عباس (فن الشعر) ربما للمرة الخامسة أو السادسة. قرأت هذا الكتَاب في بداياتي الأولى وأعجبت بمادته الغزيرة وأسلوبه العلمي السلس وطرحه المنسق والموفق واستطعت من خلال ما أعطاني هذا الكتَاب من ذخيرة أن افهم بالضبط ما هو الشعر؟، وكيف، ولماذا؟، كما منحني الكتاب فهماً لأن أكوّن لي فهماً خاصاً لعوالم هذا الفن الجميل. كلما أعدت القراءة اكتشف من خلال هذا الكتاب شيئا جديدا لم أفطن إليه من قبل فتتعمق لدي المعلومة وتنفتح أمامي مغلقات كانت عصية على الفتح. فهذا كتاب رائع يشمل كل ما يريده قارئه عن فن الشعر لناقد أكاديمي عربي افتقدنا ظله.
* «نظرية البلاغة»
من العراق، يتحدث الشاعر العراقي هزبر محمود، عن قراءاته هذا الصيف، قائلاً: «قبل ذهابي للجزائر يوم 2 يوليو (تموز) الجاري انتهيت من قراءة سلسلة كتب في المسرح العالمي والعربي، وبالذات المسرح الشعري لما أعتقد في المسرح من حيوية تساعد في إدارة الحياة والنفس البشرية والتحكم باستحداث حوارات داخلية على إيقاع المشكلة والحل بما فيها حبكة القصيدة.
في الجزائر اقتنيت عدة كتب أهمها كتاب (نظرية البلاغة) للدكتور عبد الملك مرتاض الذي بدأت بقراءته من بين المجموعة، وثلاثة كتب للمفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي والتي سأبدأ بها بعد انتهائي من كتاب مرتاض وكذلك عدة كتب في الفلسفة وعلم الاجتماع سأقرأها تباعاً». يكمل هزبر قائلاً: أعتقد أن اختيار الكتاب المناسب في الوقت المناسب يخضع لأمور مهمة أهمها معرفة الإنسان بنفسه في لحظته وكذلك خضوعه لمشاغل الحياة اليومية وكذلك الكتاب والكاتب.
* أدباء مصريون يفضلون القراءات الخفيفة ومتابعة نتاج الأصدقاء
مع حلول فصل الصيف في مصر، تقل نوعاً ما حفلات التوقيع، وتقل الإصدارات الجديدة عنها في الشتاء وموسم معارض الكتاب المحلية والعربية والعالمية، لكن كثيراً من الأدباء يفضلون الاستمتاع بقضاء فصل الصيف وتخصيص قراءات محددة بعينها تخفف لهيب الطقس وهوائه الخانق ودرجات الحرارة المرتفعة التي تقلص الإنتاج الأدبي، هنا يكشف عدد من الأدباء والشعراء عن لائحة قراءاتهم لصيف 2017:
يكشف الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عن قراءاته قائلاً: «لا يوجد تغيير في قراءات الصيف عن الشتاء؛ لأن القراءة لدي مرتبطة دائماً بالمزاج الأدبي والنفسي، والإحساس بالرغبة في التواصل مع كل الألوان الأدبية لشحن الوجدان. عادة قراءاتي متنوعة في مجالات كثيرة تجمع بين الشعر الحديث والقديم، والنثر والدراسات الأدبية والنقدية والقصة القصيرة والرواية، لكن لا أقرأ بهدف التسلية أو تمضية الوقت».
هناك كتب حالياً على مكتبي «الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي، وديوان للشاعرة سلمى فايد، إلى جانب ديوان لإسماعيل صبري باشا، وهو من شعراء القرن التاسع عشر، كما أعكف على مجموعة قصص مترجمة من الأدب الصيني لأنني أقر وأعترف بأننا هجرنا أدب الدول الآسيوية في مقابل الأدب الغربي والأوروبي والأميركي. ويقول: «حاليا أعيد قراءة شعر طاغور وعدد من الدواوين الفارسية والتركية».
* عبد المجيد: مشغول بالأحداث السياسية
أما الروائي إبراهيم عبد المجيد فهو لا يحبذ الكتابة الأدبية في فصل الصيف، وحالياً تشغله متابعة الأحداث والشأن السياسي المصري عن متابعة النتاج الأدبي الجديد، لكنه يقول: «في فترة الشباب كنت كثير القراءة وأقرأ صيفا وشتاء كل ما يقع تحت يدي سواء كان أدبا عالميا أو مصريا وعربيا، لكن بشكل محدد كنت أحب قراءة روايات الأديب العظيم إحسان عبد القدوس في فصل الصيف».
* عتيبة: القراءة الجادة في الشتاء
ويقول الروائي منير عتيبة، وهو مشرف مختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية، عادة ما يتابع كل جديد، إنه يقرأ للدكتور طه حسين كتاب بعنوان «من لغو الصيف إلى جد الشتاء» الذي يرى فيه أن «القراءة والبحث الجاد يتمان غالبا في الشتاء وليس في الصيف؛ فصل الحر الخانق والإجازات». ويضيف: «لكن بالنسبة لي لا أحدد قراءاتي بناء على فصول السنة أو المناسبات كشهر رمضان المعظم مثلا. فقد انتهيت خلال الأسابيع الماضية من قراءة عدة روايات وأعمال قصصية منها رواية الأردني جلال برجس (أفاعي النار)، ورواية (رئيس التحرير) لأحمد فضل شبلول، ورواية (المختلط) لداليا أمين أصلان. ورواية (المزين) لأحمد سمير سعد، ورواية (مدن السور) لهالة البدري، إضافة إلى مجموعتين من القصص القصيرة جدا لمحمد الحديني وطارق جابر. وأقرأ الآن كتاب حكايات كورية (ين نال ين نال) ترجمة حسن عبده، حيث أقوم بإعداد بحث للمشاركة في مؤتمر عن الأدب الكوري».
ويكشف الأديب والطبيب المصري المقيم بأميركا شريف ماهر مليكة عن قائمة قراءاته قائلاً: «في أواخر الربيع، قررت قراءة (في غرفة العنكبوت) للكاتب المصري محمد عبد النبي، الصادرة عن دار العين، لأنها كانت الرواية المصرية الوحيدة التي اشتملتها القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2017، لكن الحقيقة، وجدتني عاجزاً عن استكمالها بعد أن خضت في جزء كبير منها. السبب من وراء ذلك كان في خوضها في مسألة المثلية الجنسية، بتفاصيل أثارت اشمئزازي، وحاولت التغاضي عنها، لكنني لم أفلح. رغم قراءاتي الأدبية الكثيرة وملاقاتي للكثير من الكتابات التي تناولت المثلية الجنسية، فإنني لم أجد تفسيراً للخوض في مثل تلك التفاصيل الحميمية الزاخرة بها تلك الرواية. تساءلت عن الفرق بينها وبين رواية أحمد ناجي (استخدام الحياة) التي انتهت به إلى غياهب السجون. ورغم أنني لم أؤيد عقاب ناجي بمثل هذه القسوة والتعنت، فإني لم أجد فروقاً شاسعة بين الروايتين».
ويقول أيضاً: «قرأت أيضاً رائعة فولتير (كانديد) ربما للمرة الرابعة أو الخامسة، لأنني أعشق العمل أولا، ولسبب كتابتي لرواية جديدة بعنوان «البحث عن كانديد» أعتزم الانتهاء منها قريباً. وأقرأ في الوقت الحالي كتاب «جهاد في الفن» للأستاذ مصطفى عبد الله، عن الروائي والقاص العملاق يحيى حقي. في الحقيقة، تعرفت بين صفحات هذا العمل الرائع عن شخصية وعقل مبدعنا الراقي، وأنا حالياً أقرأ شهادات باقة من مبدعينا الكبار عنه. وبين تلك الكتابات والروايات، لا بد لي - كعادتي - أن أتصفح بضعة فصول من كتابين هما الأثيران لديَّ، فلا يمضي صيف إلا وتصفحتهما، كليّاً أو جزئيّاً، حسب الوقت المتاح؛ وهما (ملحمة الحرافيش) لنجيب محفوظ، و(مائة عام من العزلة) - الترجمة الإنجليزية-، لجابرييل غارسيا ماركيز».
* أصلان: كتب الأصدقاء
الروائي هشام أصلان يرى أن قراءات الصيف لا تختلف كثيراً عن قراءات الشتاء، بحكم عمله في الصحافة الثقافية التي تتطلب منه متابعة دقيقة لأغلب الروايات والمجموعات القصصية والدواوين الحديثة، لكنه يقول: «في فترة الإجازة المرتبطة عادة بفصل الصيف، أحرص على قراءة بعض الكتب التي أثارت ضجة أو مميزة لسبب أو لآخر، كما أن قراءات الصيف يكون فيها الانتقاء والاختيار متاحا بعيدا عن طبيعة العمل الصحافي».
ويضيف صاحب المجموعة القصصية «شبح طائرة ورقية»: «هناك بعض الكتب التي أعود إليها بشكل دائم، والتي استمتع بقراءتها تماما مثل المرة الأولى لقراءتها، ومنها: مجلد (نظر) للكاتب الكبير محيي الدين اللباد، وهو مجلد ضخم يضم مجموعة مقالات دسمة غنية بالمعلومات إلى جانب رسوم كاريكاتورية نشرت جميعها في مجلة (صباح الخير) وقد صدر عن مكتبة الأسرة، وعودتي إليه بسبب ما يتسم به أسلوب اللباد من جاذبية تعطي مذاقا خاصا لقراءته. ومن الكتب التي أعود إليها أيضاً (الجنوبي) للكاتبة عبلة الرويني وهو سيرة ذاتية عن زوجها الراحل الشاعر الكبير أمل دنقل، تروي فيه مشوار حياته وحياتهما معا وقصة مرضه، وهو من الكتب التي في مظهرها سيرة ذاتية لكنه كتب بحس ولغة روائية عالية وهو ممتع جدا. ومن الكتب الثقيلة التي أعود إليها أيضاً كتاب (ثلاثية الرواية) لميلان كونديرا، وترجمة دكتور بدر الدين عرودكي، وهو كتاب نظري عبارة عن 3 كتب في كتاب واحد».
ويضع نجل الكاتب الراحل إبراهيم أصلان قائمة للكتب التي سوف يضعها في حقيبة السفر، قائلاً: «عادة ما أصطحب معي في إجازتي كتب وإصدارات أصدقائي لمتابعة نتاجهم، ومشاركتهم نجاحات مشروعاتهم الأدبية التي عادة ما أكون شاهدا عليها، وعلى رأس هذه القائمة: رواية (حصن التراب) للكاتب أحمد عبد اللطيف، وهي صادرة عن دار العين، وتروي قصة عائلة موريسكية تعرضت لمذابح واضطهاد، وهي رواية ممتعة وتدور في سياق تاريخي مثير، أيضاً أتطلع لقراءة رواية محمد حسن علوان (موت صغير) الفائزة بالبوكر هذا العام بمزيد من التركيز، وكتاب الشاعر المصري محب جميل عن المطربة الشعبية فتحية أحمد وسيرتها ومشوارها الموسيقي الطويل، وهو صادر عن دار الجديد اللبنانية، كما أتطلع لقراءة مجموعة قصصية وحكايات للروائي طارق إمام بعنوان (مدينة الحوائط اللانهائية) وهي مجموعة قصص نشرت متسلسلة في جريدة (الدستور) لكن أود قراءتها مجمعة في كتاب سوف يصدر عن الدار المصرية اللبنانية، وأيضاً كتاب صدر مؤخرا بعنوان (ذئاب منفردة) للكاتب حسن عبد الموجود، وهو كتاب ممتع يضم صورا قلمية لعدد من كتاب وأدباء التسعينيات اقترب منهم المؤلف ويبرز عبر بورتريهات صحافية جانبهم الإنساني».
* نهلة أبو العز: «سيدة المنام»
القاصة نهلة أبو العز، تقول: «يرتبط بالقراءة كل شيء جميل، عادة ما تستطيع الكتب أن تأخذني من عالمي الصاخب لعوالم جديدة، وكان من حسن حظي في هذا الصيف أن أتمتت قراءة بعض الكتب ومنها: كتاب (سيدة المنام) للكتابة سحر الموجي الذي تعتمد فيه على لغة شعرية مختلفة في كتابة القصص وتبتعد عن الطريقة التقليدية في الحكاية، وللمجموعة رونق رشيق يخص شاعرة محترفة. قرأت أيضاً رواية حديثة صادرة عن سلسلة كتابات جديدة وهي (الدفتر السادس) للكاتب ياسر جمعة الذي استخدم كل الوسائل الحديثة في عرض حكاية تبدو متكررة وهي الحبيب والحبيبة والدخيل، هذا المثلث الذي عرفناه في قصص الحب تم استخدامه في الدفتر السادس بحرفية عالية تجعلك تشعر بأنك تقرأ للمرة الأولى عن هذه التركيبة في العلاقات الإنسانية».
وتضيف: «كما كان في رواية (الدفتر الكبير) للكتابة أغوتا كريستوف عنصر آخر من عناصر الاستمتاع والانبهار، حيث تحدثت الرواية بسلاسة غير عادية عن الحرب من دون أن تتكلف في ذلك من خلال طفلين ذهبا لجدتهما بعد سفر الأب والأم للحرب، وقد تعايشا مع حياتهما الجديدة بشكل مذهل، اعتمدت فيه الكتابة على تغير الأحداث ورسم المشاهد بلغة بسيطة وانسيابية في العرض.
كتاب آخر جذبني ودائما يجذبني هو «رولا وخوليو» للكاتب الإسباني خوان مياس القصة التي رسمها مياس في روايته تخرج عن الإطار المألوف للحكاية، فهي تعتمد على شخص منذ بداية الرواية وهو غائب ولكنه كان محركا لكل أحداث الرواية، لتكتشف أن الأبطال كانوا يرتبطون به قبل وفاته، وهو من قام بتغيير حياتهم بالشكل الذي لم يكونوا يتوقعونه. وتتميز الرواية وأدب خوان مياس بصفة عامة ببساطة العرض واستخدام تقنيات عالية في الكتابة ولكنها ليست معقدة.
* موسى: الصيف لا يشجع على القراءة
الروائي المصري صبحي موسى، يقول: «فصل الصيف لا يحفز على الإنجاز سواء القراءة أو الكتابة، فنهاره طويل وليله قصير، وعادة ما أحب قراءة الكتب الخفيفة. حاليا أقرأ مجموعة من روايات وقصص الأصدقاء، ومنها: رواية (البيت الزرق) للشاعر والروائي اللبناني عبده وازن، وهي تعالج قصة حياة شاب مثقف لكنه يعاني من التوحد ويرفض العالم من حوله، وبها قيم عن التسامح والعلاقة مع الآخر، وتحث على البعد عن الطائفية، أيضاً أقرأ مجموعة قصصية بعنوان (طريق السيدات) للكاتب خالد ثابت، وهي تضم 10 قصص مفعمة بروح فلسفية كبيرة، ورواية للصديق حسن هند تتناول الرأسمالية بشكلها البشع حول سيطرة الشركات متعددة الجنسيات وكيف تدمر مصائر البشر».



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.