كارافانو: علاقة أميركا مع قطر انعكاس لعلاقتها مع باكستان

نائب رئيس مؤسسة «هيريتاج» الأميركية قال لـ «الشرق الأوسط» إن الجسر إلى المتوسط «لن يقوم إلا في عقول الإيرانيين»

جيمس كارافانو ({غيتي})
جيمس كارافانو ({غيتي})
TT

كارافانو: علاقة أميركا مع قطر انعكاس لعلاقتها مع باكستان

جيمس كارافانو ({غيتي})
جيمس كارافانو ({غيتي})

جيمس كارافانو، نائب رئيس مؤسسة «هيريتاج» القريبة من الرئيس دونالد ترمب، والمسؤول عن قسمي الدفاع والسياسة الخارجية فيها، هو مؤرخ وكاتب وباحث. خلال الحملة الانتخابية الرئاسية كان يضع «المرشح» ترمب في جو الأحداث السياسية والعسكرية، وأسهم في تنظيم برنامج السفراء الأميركيين الذين شاركوا في مؤتمر الحزب الجمهوري. عمل في فريق الرئيس ترمب الانتقالي، وأغلب من يعمل معهم الآن هم في الإدارة الأميركية، ويلتقي زعماء أجانب ووزراء وسفراء ليفهم كيف ينظر الناس والدول إلى الإدارة الأميركية.
في حديثه الأول إلى الصحافة العربية، شرح كارافانو لـ«الشرق الأوسط» أولويات السياسة الخارجية الأميركية. إنها ثلاث أولويات و«نصف»: أمن أوروبا، الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، تجنب حرب عالمية ثالثة بسبب كوريا الشمالية. أما النصف فهو أمن الحدود الأميركية. قال كارافانو إن بلاده لن تعود إلى الحوار المباشر مع كوريا الشمالية، وهمها «نزع الأعلام السوداء من الموصل والرقة، وماذا نفعل مع إيران». وأوضح أن أميركا لا تحاول عزل قطر، بل ترغب في تماسك أكثر حول أمن دول الخليج وسياستها «إذا كانت جادة وتريد تخفيف جهود إيران في زعزعة المنطقة».
وعن علاقة أميركا بدول الخليج أكد «أننا لا نحاول السيطرة على المنطقة. نحن شركاء نريد منطقة أكثر استقراراً». واعترف بمسؤولية أميركا عن عدم الاستقرار في المنطقة، لكنه اعتبر أن القوة التي تشعر بها إيران بعد معركة الموصل «وهم كبير». وشدد على أن الولايات المتحدة «ستبقى وبقوة» في العراق، ولن تسمح بأن يصبح دولة تابعة لإيران. وبالنسبة إلى الجسر الذي تفكر إيران في إقامته كي تتمدد حتى المتوسط، قال كارافانو إن «أميركا لن تقف متفرجة، ولا تركيا، ولا إسرائيل ولا العرب». وأشار إلى أن ما يهم أميركا في سوريا هو توفير الاستقرار في العراق، والأمن للأردن، وهزيمة «داعش» و«القاعدة». ورأى سيناريو بلقنة في سوريا، وعراقاً موحداً وليبيا كذلك. وهنا نص الحوار:
* يواجه الرئيس دونالد ترمب أزمتين في الخليج وفي كوريا الشمالية. لأيهما الأولوية، مع العلم أنه يتردد في بريطانيا أن كوريا الشمالية قد تبدأ حرباً عالمية ثالثة؟
- بكل وضوح. الأولوية لدى الإدارة هي موضوع السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. في الواقع هناك ثلاث أولويات ونصف لدى الإدارة. واحدة: الاستقرار في أوروبا، الثانية: الاستقرار في الشرق الأوسط، والثالثة: الاستقرار في آسيا. أما النصف فهو الأمن على الحدود الأميركية، وهذا مرتبط بالأمن والاستقرار في أميركا الجنوبية. من الواضح لدي أن الأولوية هي للاستقرار في الشرق الأوسط، وتتطلب التعامل مع الخطر المزدوج الذي يهدد المنطقة، أي إيران ونفوذها المزعزع، والتطرف الإسلامي المتمثل خصوصاً في «داعش» و«القاعدة».
وعندما أقول هذا، لا أقصد فقط الجانب العسكري من خطر ورد فعل. تتعرض الإدارة إلى انتقاد بأنها تركز على القوة العسكرية، وهذا غير صحيح. إنها تدرك أن الأمور متداخلة. الاستقرار يتطلب وضع اللاجئين، تحريك النمو الاقتصادي، دعم الحركات الإصلاحية، كما تدرك الإدارة أهمية التعاون بين حلفائنا في المنطقة، وتدرك أن التوجه يجب ألا يكون دولياً بل بين الشركاء. وضمن هذا التوجه، فإن الشرق الأوسط هو الأفضلية الاستراتيجية للإدارة.
بالنسبة إلى كوريا الشمالية، فإن موقف الإدارة هو رد فعل على التجارب الصاروخية الاستفزازية. لكن، لا تنظري إلى كوريا الشمالية وكأن الحرب العالمية الثالثة على وشك الوقوع. يجب أن نكون واضحين حول ذلك. لا أحد يعتقد أننا في الطريق إلى أزمة عسكرية، لأن لا أحد من اللاعبين في هذه الأزمة له مصلحة في بدء حرب. كوريا الشمالية لا تريد، فسياستها قائمة على حماية النظام، وإذا بدأت حرباً فإن الشيء الوحيد الذي سنضمنه هو أن النظام سيختفي في ليلة واحدة. أيضاً كوريا الجنوبية لن تبدأ حرباً، لأنها ستتكبد ضحايا جمة، والصين لا تريد حرباً، لأنها إذا فعلت، فإن عليها أن تتعامل مع كل اللاجئين الذين سيتدفقون من كوريا الشمالية، وكذلك لا تريد الولايات المتحدة إشعال حرب. لنا مصلحتان، أولاً ألا تقع الحرب، وثانياً ألا تملك كوريا الشمالية القدرة على تهديد الولايات المتحدة مباشرة بالسلاح، ويمكننا أن نفعل أشياء أخرى كثيرة من دون أن نشعل حرباً عالمية ثالثة، أو نتفاوض مباشرة مع الكوريين الشماليين. لهذا، وبسبب الأعمال الاستفزازية، كان على الإدارة أن تحرك القرار السياسي وعلى أجندتها وضع استراتيجية «الاحتواء القاسي»، من ردع نووي، ودفاع صاروخي، وردع تقليدي مع كوريا الجنوبية واليابان، ومقاطعة قوية مع رفض التفاوض. لن نعود إلى طاولة المفاوضات حتى تقدم كوريا الشمالية على اتخاذ خطوات عميقة باتجاه التجرد من السلاح النووي، وكلنا نعرف أن كوريا الشمالية لن تفعل هذا.
لهذا، فإن التركيز الآن هو على تقوية السلام في الشرق الأوسط وتثبيته، ويدخل في إطار ذلك نزع الأعلام السوداء (لتنظيم داعش) من الموصل والرقة، وماذا نفعل مع إيران.
* بعد 8 سنوات من حكم باراك أوباما ومن تخفيض أميركا درجة التحالفات التقليدية لصالح إعادة التقارب مع إيران، هل يمكن للدول العربية، خصوصاً الخليجية، أن تصدق أن الإدارة الجديدة عادت إلى المسار الصحيح؟
- بكل تأكيد. ما يفاجئني أن الناس ينتقدون الرئيس ترمب، في حين أن سياسته الشرق أوسطية تقليدية جداً أكثر مما كانت سياسة أوباما. في الواقع سياسة ترمب تركز على القضاء على خطر الإرهاب الدولي، وأيضاً وقف محاولات إيران زعزعة المنطقة، وهذا مؤكد.
* كيف يمكن للإدارة وقف تدخلات إيران، سواء العسكرية أو عبر ميليشياتها المحلية في العالم العربي؟
- هذا هو الهدف الرئيسي. أما كيف سيتحقق ذلك، فسيكون عبر مزيج من آليات متعددة، والعمل بشراكة مع دول أخرى. سيكون هناك التركيز على النشاطات المالية غير الشرعية، وجهود مضاعفة لمحاربة تهريب الأسلحة. وأعتقد أن الإدارة ستحدد الفوائد المالية التي ستحصل عليها إيران بسبب الاتفاق النووي، بحيث لا تتدفق الأموال على إيران ثم يعود تحويلها لتمويل «حزب الله» في لبنان و«الحوثيين» في اليمن، وستعمل الإدارة مع دول أخرى مثل الأردن، وتعيد النشاط إلى العلاقة الإسرائيلية - المصرية كي تستعيد المنطقة ثقتها، وهي تتعامل مع إيران، وبالطبع عبر صفقات الأسلحة. لكن لن يقتصر الأمر على السلاح، بل على النمو والدعم السياسي والاقتصادي للأطراف في المنطقة، ومن هذه النقطة تبرز أهمية الصراع مع قطر. في نهاية الأمر، فإن الولايات المتحدة لا تحاول عزل قطر، ولا تحاول جعلها دولة أقل من قيمتها، بل يجب أن يكون هناك تماسك أكثر حول أمن دول الخليج وسياستها، إذا كانت جادة وتريد أن تنجح في تخفيف جهود إيران في زعزعة المنطقة، وفي الوقت نفسه تواجه الإرهاب الدولي.
* وقع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون مذكرة تفاهم مع قطر لمحاربة الإرهاب. هل هذا يساعد؟
- الدليل في التطبيق، وعلينا أن نرى. علاقة الولايات المتحدة مع قطر هي انعكاس لعلاقتنا مع باكستان. مع باكستان لدينا من جهة علاقة استراتيجية مهمة جداً، لكن هناك عناصر داخل باكستان وداخل المؤسسة العسكرية تعمل، ليس فقط ضد المصالح الأميركية، إنما ضد مصالح باكستان. نسمي هذا هنا «الحب الصعب». الولايات المتحدة لن تتوقف عن إقامة علاقات مع باكستان، وسنكون واضحين فيما نختلف حوله، ونضغط عليهم للقيام بأمور، ليست فقط جيدة لنا، إنما لباكستان أيضاً. وفي النهاية هذا يساعد الأطراف كلها. هذه نسخة متطابقة لنوع العلاقة التي تربطنا بقطر. سنكون واضحين ومستقيمين بالنسبة إلى الاختلاف فيما بيننا وبينهم، وأعتقد أن الاستقامة تسمح لنا بأن نواجههم. سنضغط على القطريين للقيام، ليس فقط بما هو من مصلحة أميركا والسعودية والبحرين، بل بما يصب في النهاية في مصلحة قطر. وهذا حسب اعتقادي سيتطلب استمرار الاتصالات. في بعض الأيام سيبتسم بعضنا لبعض، وفي أيام أخرى سنكون متوترين من بعضنا بعضاً، لكن سنظل نراقب، وسنحمل الناس مسؤولية ما قالوا إنهم سيقومون به، لأنه غالباً ما تسمع الولايات المتحدة من الدول أننا سنفعل هذا أو ذاك، وغالباً لا تلاحق الولايات المتحدة هذا الالتزام. سنبقى على تواصل مع قطر، ومجرد قول الولايات المتحدة إنها ستستثمر في هذا النوع من العلاقة، يظهر عمق التزامنا بالمنطقة.
لقد كان من السهل على وزير الخارجية السفر فقط إلى إسرائيل، حيث يمكننا الاتفاق على أي شيء، لكن أن يتواصل مع قطر ودول الخليج فهذا يظهر جديتنا، واستعدادنا لاستثمار الوقت في هذه العلاقات. وما أحب أن أوضحه أننا لا نحاول السيطرة على المنطقة، ثم إننا لسنا الضامنين لأمن المنطقة، نحن شركاء لدول تريد منطقة أكثر استقراراً، حيث يمكن توفير فرص العمل للناس وأن يكون لهم مستقبل. إننا لا نقوم بهذا لأننا أناس طيبون، بل لأن وجود شرق أوسط يغمره السلام أفضل للولايات المتحدة.
* هل تعتقد أن الأميركيين سينظرون إلى دولة أخرى في الخليج لإقامة قاعدة عسكرية إضافة إلى قاعدة العديد في قطر؟
- لا أعرف، فهذا قوله أسهل من تطبيقه، لأن تنويع القواعد العسكرية الأميركية وتوسيعها أمر صعب، وبالتأكيد لا يمكن القيام به على مدى قصير. لدينا القاعدة في قطر، والأسطول في البحرين.
* بغزو العراق، قدم العجز أو عدم التخطيط الأميركي بغداد إلى إيران، وأدت سياسة أميركا تجاه سوريا إلى كارثة جيو - سياسية، إذ نرى أن إيران تتطلع إلى أن تحكم غالبية سنية هناك. نعرف أنه لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن هل يمكن إعادة إيران إلى داخل حدودها؟
- نعم. جزئياً نتحمل المسؤولية. ارتكبنا بعض الأخطاء الاستراتيجية، منها قرارنا عام 2011 بالانسحاب. أعترف أننا أسهمنا في عدم الاستقرار في البلاد. ولا نقوم بتصحيح الأوضاع لأنها سيئة في المنطقة، بل لأن من مصلحتنا السلام في المنطقة. كيف سنفعل ذلك؟ كما قلت، سنكون شريكاً جيداً لعدد من الدول في المنطقة حيث يجمعنا هدف مشترك.
* الآن بعد الموصل، يشعر الإيرانيون بالقوة، ويعتقدون أنه بعد هزيمة «داعش»، فإن كل الطرق فتحت أمامهم...
- هذا وهم كبير.
* هل سيسمح الأميركيون بذلك؟
- كلا. أعتقد أن هذه كارثة، وتعني أننا نستبدل مشكلة بأخرى. أؤكد أن الولايات المتحدة ستبقى وبقوة في العراق، لأننا نريد عراقاً مستقراً، لكن التفكير بأننا سنطّهر كل المناطق في العراق من النفوذ الإيراني أمر غير واقعي، لكن لا يمكننا الجلوس جانباً والسماح بأن يصبح العراق دولة تابعة لإيران، وهذا يعني مأساة للشعب العراقي. لم يتخلصوا من صدام حسين ليحكمهم شخص ما من إيران. سيكون عامل زعزعة قوية للمنطقة إذا تمتعت إيران بطريق ممتدة من العراق إلى سوريا، وصولاً إلى الأبواب الأمامية للأردن وإسرائيل. أجزم بأن هذا لن يحصل، ولن نسمح له بالحصول. لن أفاجأ بعودة الوجود العسكري مجدداً إلى العراق، وبدعوة من العراقيين أنفسهم.
أعتقد أولاً أن الإيرانيين تمددوا كثيراً. هم يدعمون الميليشيات الشيعية، ويدعمون النظام السوري، و«الحوثيين» و«حماس» و«حزب الله»، لكن بمجرد أن يبدأ جفاف الأموال التي تدفقت على إيران بسبب الاتفاق النووي، لن يكون بمقدورهم فعل هذا كله. لم يقدموا على إصلاحات اقتصادية، وأغلب الأموال سرقوها عبر الفساد. أعتقد أن الإيرانيين سيكتشفون قريباً أنهم متمددون كثيراً وسيواجهون جداراً من المعارضة.
سأضرب مثالاً، انظري إلى سياسة الهند. تحولت بعيداً عن إيران وباتجاه إسرائيل والدول السنّية. لماذا تفعل ذلك؟ لأن الهند تراهن على أن إيران ستكون الخاسر الاستراتيجي في المنطقة.
* وهل تراهنون أنتم على ذلك؟ الإيرانيون يواصلون، حسب اعتقادهم، بناء جسر نحو الشرق الأوسط العربي. وبعد الموصل قال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، إن طريق المقاومة السريعة تبدأ من طهران وتمر عبر الموصل إلى بيروت، ومن ثم إلى المتوسط.
- تعرفين كيف ستكون هذه الطريق السريعة؟ ستكون كأن بولونيا تزحف نحو موسكو. الإيرانيون منكشفون، وهذا خطأ كبير يرتكبونه. ولا يمكن الإبقاء عليه. قد تنجح هذه الطريق في عقولهم، ولكنها لن تكون على الخريطة الحقيقية والواقع. لأن الأميركيين لن يقفوا متفرجين، تركيا لن تتفرج، وإسرائيل أيضاً والعرب السنّة بالطبع. إنها فكرة جنونية. يبدو لي كأن داريوس يريد أن يزحف إلى أثينا.
* هل تناقشون هذه التفاصيل في الإدارة؟
- لست الآن في الإدارة، لكن انطلاقاً من عملي مع فريق ترمب الانتقالي ومن خلال معرفتي بالأشخاص المسؤولين عن هذه القضايا، فإنهم يدركون هذا كله.
* البحرية الأميركية وصفت أعمال السفن الإيرانية بغير الآمنة وغير المحترفة، بعدما وجهت الليزر على مروحية أميركية في مضيق هرمز أخيراً. هل ترى أي احتمال لمواجهة؟
- قد تحدث مواجهة، لكن الاحتمالات ضئيلة، لأن هذه المنطقة الإيرانيون فيها منكشفون جداً. إذا تحدوا فإنهم قد اختاروا القتال في المكان الخطأ.
* هل تعتقد أن جنوب سوريا قد يتحول إلى نقطة مواجهة أميركية مع الإيرانيين في الشرق الأوسط، لأننا نرى أن «الحشد الشعبي» يحاول قطع طريق الحدود بين سوريا والعراق ليسمح فقط بالوجود الإيراني هناك؟
- أولاً هذا الأمر صعب أن يتحقق. إسرائيل لن تسمح بذلك، ولا أعتقد أن هذه مواجهة يرغب فيها الإيرانيون. إذا نظر العالم إلى مكان آخر، قد تستطيع إيران فعل ما تشاء، لكن في الحالة الراهنة لا يستطيع الإيرانيون القتال، ولا يريدون بدء الحرب العالمية الثالثة. لا أحد يريدها. ومن الصعب على الإيرانيين الاعتقاد بأنه يمكنهم المحافظة على الوضع الحالي. إنهم يضغطون على المصالح الحيوية لحلفاء أميركا في المنطقة، وبالذات الأردن وإسرائيل. لن يقف أحد ويسمح لهم بتحقيق استراتيجيتهم، هذا أمر غير منطقي.
* ما رأيك في فكرة إقامة «ناتو عربي» يضم دول الخليج؟
- أعتقد سيكون من الصعب ضم كل الهندسة العسكرية هناك معاً، والتوصل إلى اتفاق. كل ما تحدثنا عنه لا يجعلنا بحاجة إلى «ناتو» في الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تستطيع أن تقوم بهذه الالتزامات كلها على مستوى العلاقات الثنائية، وهي قامت بها طوال عقود. من الأفضل عدم تضييع الوقت والجهود لصناعة تحالف أمني. قد يتحقق هذا يوماً، إنما بعد أن تكون هذه التهديدات والأخطار كلها قد زالت.
* افتقار دول مجلس التعاون الخليجي إلى بنية دفاع إقليمية صاروخية متكاملة يتركها عرضة للتكتيكات الإيرانية، وهذا يؤثر على استقرار الخليج العربي.
- بالنسبة إلي، هذا هدف نتطلع إليه منذ فترة طويلة. نظام دفاع صاروخي متكامل، وأعتقد أنه يمكن تحقيقه بكلفة معقولة، وهو جزء من الردع في وجه إيران. هذا يمكن التوصل إليه. وآمل مع إدارة ترمب حسب موقفها المعلن، بدء الحوار حول هذا خلال الأشهر المقبلة.
* ماذا يتوجب على الإدارة الأميركية القيام به للحد من طموحات النظام السوري، وإجباره على احترام اتفاقات وقف إطلاق النار، ووقف المحاولات الإيرانية والروسية للإبقاء على بشار الأسد في السلطة؟
- الأساس هو أن تبقى الولايات المتحدة موجودة على الأرض وتتفاعل مع المنطقة.
* هل بقاء الإدارة متفاعلة في المنطقة أمر مكلف لها؟
- نحتاج إلى الإبقاء على قوات عسكرية على الأرض.
* أين؟
- بكل تأكيد في العراق، وأعتقد أننا سنبقي على عدد ملحوظ من المستشارين، وعلى قدرات في سوريا. حتى الآن لا يوجد مفهوم لهيكلية أمنية، إنما التوجه للإبقاء على نشاط أميركي في سوريا في المستقبل المنظور.
* هذه أخبار جيدة...
- أعتقد ذلك، لأن ذلك يخفف من نفوذ إيران في زعزعة المنطقة، ويساعد على إيجاد حل للاجئين كي يعودوا إلى منازلهم، ثم إنه يوفر مساحات لمصر والأردن للعمل داخل البلدين، خصوصاً اقتصادياً، ويساعد على التخفيف من خطر الإرهاب الدولي.
أعتقد أن مساهمة الولايات المتحدة في القضاء على الإرهاب العابر تؤكد أن هؤلاء الإرهابيين خاسرون، ويمكن هزيمتهم. الهزيمة المهينة التي مُني بها «داعش» تمت، ليس تحت ظل العلم الأميركي، بل من قبل الناس المحليين. لقد قاتل الناس من أجل بلادهم. هم لا يريدون أمثال «داعش». لقد رفضهم الناس. الإرهاب ليس الطريق إلى المستقبل.
* هل تعتقد أن الروس وجدوا نداً حقيقياً لهم بالرئيس ترمب؟
- نعم. وأظن أن نفوذهم في المنطقة محصور في دمشق، ولا أعتقد أن بإمكانهم الوصول إلى أبعد من ذلك. لن يكون بإمكانهم القيام بشيء في ليبيا، وأيضاً لا يمكنهم توفير الفائدة للإيرانيين، إذ بالكاد يمكنهم أن يستفيدوا هم.
* هل أن نظاماً دولياً بقيادة أميركا، عائد إلى الشرق الأوسط، أو سنبقى نرى تدخلات روسية وإيرانية؟
- أعتقد أن الروس متفائلون، يحاولون ملء مساحات الضعف. ولا أقول إنه نظام دولي أميركي، إنما أكثر ملاءمة ووجوداً من الماضي. المسألة ليست أن الولايات المتحدة تدعم دولاً في الشرق الأوسط، بل إنها تتشارك مع دول هناك. إننا شركاء معهم كي يوفروا أمنهم، لأن في هذا مصلحة مشتركة، وهذه الطريقة أكثر استدامة على المدى الطويل.
* على المدى الطويل، ماذا سيكون الموقف الأميركي في سوريا؟
- بصدق، الولايات المتحدة غير مهتمة ولا تركز على سوريا. الولايات المتحدة لا تسأل عن مستقبل سوريا أبعد من توفير الاستقرار في العراق، وأمن الأردن أولاً، وثانياً حماية إسرائيل، وثالثاً هزيمة «داعش» و«القاعدة»، ورابعاً وضع اللاجئين. إن مستقبل سوريا كسوريا ليس بالأمر المهم للولايات المتحدة. تهمنا أمور أخرى. صحيح أننا لا نحب الأسد ونرغب في رحيله، لكن لن نضيع وقتنا لإيجاد طريقة لتغيير النظام في دمشق.
* كيف ترى خريطة العراق وسوريا وليبيا؟
- إذا أتيح لي التخمين، فإن هناك «بلقنة» لسوريا، كما حدث في يوغوسلافيا بعد الحرب الباردة. والتقسيم في ليبيا لن يحسن الأوضاع. يجب الحل في ليبيا كليبيا، وشخصياً أرى أن العراق كدولة واحدة أفضل. أنا معجب جداً بكردستان، وأظنها أكثر أمناً في عراق واحد، وليس كدولة مستقلة. أعتقد أن الليبيين يفضلون ليبيا ككل. وكذلك في العراق، لكن لا أعتقد أن أحداً سيشعر بالأمان في سوريا ككل، وهي «ستتبلقن».
* هل هذه نصيحة للأكراد العراقيين بعدم السير في الاستفتاء والدعوة إلى الاستقلال؟
- هم سيقومون بالاستفتاء، وسوف يصوتون على التقسيم. المشكلة أن العراق دولة مهمة استراتيجياً، وإذا بدأنا بتقطيعها فهذا يعني أنها ستصبح قطع لحم للذئب. إذا ظل العراق دولة كاملة يصعب على الآخرين ابتلاعه. وأعتقد أن كل الأطراف من سُنّة وشيعة وأكراد أكثر أماناً في عراق يصعب على أي طرف احتلاله، لأنه بخلاف ذلك، فإن ما سيحدث هو أن كل طرف سيحتاج إلى حماية كي يعيش. الشيعة سيدورون في الفلك الإيراني، والسنّة سيدورون في فلك دولة أخرى كي يستمروا في العيش. هذا ما يحدث لدول صغيرة في منطقة جد مهمة استراتيجياً، إلى جانب جيران أقوياء جداً. لذلك فإن العراق كدولة موحدة هو قطعة لحم أكبر من قدرة أي دولة أخرى على ابتلاعه، ويتيح للعراقيين أن يقرروا مستقبلهم.
* هل هناك على الأقل تعاون وتنسيق بين وزيري الدفاع جيمس ماتيس والخارجية ريكس تيلرسون ومسؤول الأمن القومي في الإدارة الأميركية هربرت ماكماستر؟
- يعملون معاً بشكل طبيعي ومتفاهمون. ينسقون معاً. إنهم أفضل من أي فريق حكومي عرفته منذ زمن دونالد ريغان.
* هل تتحدث السفيرة في الأمم المتحدة نيكي هايلي باسم الرئيس؟
- نعم. ما لا يدركه الناس أنه إذا لم يتكلموا عن الشيء نفسه في الوقت نفسه، فإن ذلك لا يعني أنهم لا يتكلمون بصوت واحد. لكل واحد دور مختلف. كل واحد يؤكد على جزء من السرد. لا يرددون صدى بعضهم بعضاً. إنهم ليسوا «كورال».
* متى ستنتهي «المعارك» الداخلية الأميركية؟
- لن تنتهي. الأمور حزبية جداً في أميركا. ولن تتغير حتى موعد الانتخابات النصفية العام المقبل. إنها سياسة بشعة جداً، ولكن لا تمنع إدارة ترمب من أن تكون لها سياسة خارجية نشطة جداً. ولا دليل على أن هذه السياسات الداخلية المتصارعة تستهلك الرئيس. ولن يحدث ذلك.



«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.