كارافانو: علاقة أميركا مع قطر انعكاس لعلاقتها مع باكستان

نائب رئيس مؤسسة «هيريتاج» الأميركية قال لـ «الشرق الأوسط» إن الجسر إلى المتوسط «لن يقوم إلا في عقول الإيرانيين»

جيمس كارافانو ({غيتي})
جيمس كارافانو ({غيتي})
TT

كارافانو: علاقة أميركا مع قطر انعكاس لعلاقتها مع باكستان

جيمس كارافانو ({غيتي})
جيمس كارافانو ({غيتي})

جيمس كارافانو، نائب رئيس مؤسسة «هيريتاج» القريبة من الرئيس دونالد ترمب، والمسؤول عن قسمي الدفاع والسياسة الخارجية فيها، هو مؤرخ وكاتب وباحث. خلال الحملة الانتخابية الرئاسية كان يضع «المرشح» ترمب في جو الأحداث السياسية والعسكرية، وأسهم في تنظيم برنامج السفراء الأميركيين الذين شاركوا في مؤتمر الحزب الجمهوري. عمل في فريق الرئيس ترمب الانتقالي، وأغلب من يعمل معهم الآن هم في الإدارة الأميركية، ويلتقي زعماء أجانب ووزراء وسفراء ليفهم كيف ينظر الناس والدول إلى الإدارة الأميركية.
في حديثه الأول إلى الصحافة العربية، شرح كارافانو لـ«الشرق الأوسط» أولويات السياسة الخارجية الأميركية. إنها ثلاث أولويات و«نصف»: أمن أوروبا، الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، تجنب حرب عالمية ثالثة بسبب كوريا الشمالية. أما النصف فهو أمن الحدود الأميركية. قال كارافانو إن بلاده لن تعود إلى الحوار المباشر مع كوريا الشمالية، وهمها «نزع الأعلام السوداء من الموصل والرقة، وماذا نفعل مع إيران». وأوضح أن أميركا لا تحاول عزل قطر، بل ترغب في تماسك أكثر حول أمن دول الخليج وسياستها «إذا كانت جادة وتريد تخفيف جهود إيران في زعزعة المنطقة».
وعن علاقة أميركا بدول الخليج أكد «أننا لا نحاول السيطرة على المنطقة. نحن شركاء نريد منطقة أكثر استقراراً». واعترف بمسؤولية أميركا عن عدم الاستقرار في المنطقة، لكنه اعتبر أن القوة التي تشعر بها إيران بعد معركة الموصل «وهم كبير». وشدد على أن الولايات المتحدة «ستبقى وبقوة» في العراق، ولن تسمح بأن يصبح دولة تابعة لإيران. وبالنسبة إلى الجسر الذي تفكر إيران في إقامته كي تتمدد حتى المتوسط، قال كارافانو إن «أميركا لن تقف متفرجة، ولا تركيا، ولا إسرائيل ولا العرب». وأشار إلى أن ما يهم أميركا في سوريا هو توفير الاستقرار في العراق، والأمن للأردن، وهزيمة «داعش» و«القاعدة». ورأى سيناريو بلقنة في سوريا، وعراقاً موحداً وليبيا كذلك. وهنا نص الحوار:
* يواجه الرئيس دونالد ترمب أزمتين في الخليج وفي كوريا الشمالية. لأيهما الأولوية، مع العلم أنه يتردد في بريطانيا أن كوريا الشمالية قد تبدأ حرباً عالمية ثالثة؟
- بكل وضوح. الأولوية لدى الإدارة هي موضوع السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. في الواقع هناك ثلاث أولويات ونصف لدى الإدارة. واحدة: الاستقرار في أوروبا، الثانية: الاستقرار في الشرق الأوسط، والثالثة: الاستقرار في آسيا. أما النصف فهو الأمن على الحدود الأميركية، وهذا مرتبط بالأمن والاستقرار في أميركا الجنوبية. من الواضح لدي أن الأولوية هي للاستقرار في الشرق الأوسط، وتتطلب التعامل مع الخطر المزدوج الذي يهدد المنطقة، أي إيران ونفوذها المزعزع، والتطرف الإسلامي المتمثل خصوصاً في «داعش» و«القاعدة».
وعندما أقول هذا، لا أقصد فقط الجانب العسكري من خطر ورد فعل. تتعرض الإدارة إلى انتقاد بأنها تركز على القوة العسكرية، وهذا غير صحيح. إنها تدرك أن الأمور متداخلة. الاستقرار يتطلب وضع اللاجئين، تحريك النمو الاقتصادي، دعم الحركات الإصلاحية، كما تدرك الإدارة أهمية التعاون بين حلفائنا في المنطقة، وتدرك أن التوجه يجب ألا يكون دولياً بل بين الشركاء. وضمن هذا التوجه، فإن الشرق الأوسط هو الأفضلية الاستراتيجية للإدارة.
بالنسبة إلى كوريا الشمالية، فإن موقف الإدارة هو رد فعل على التجارب الصاروخية الاستفزازية. لكن، لا تنظري إلى كوريا الشمالية وكأن الحرب العالمية الثالثة على وشك الوقوع. يجب أن نكون واضحين حول ذلك. لا أحد يعتقد أننا في الطريق إلى أزمة عسكرية، لأن لا أحد من اللاعبين في هذه الأزمة له مصلحة في بدء حرب. كوريا الشمالية لا تريد، فسياستها قائمة على حماية النظام، وإذا بدأت حرباً فإن الشيء الوحيد الذي سنضمنه هو أن النظام سيختفي في ليلة واحدة. أيضاً كوريا الجنوبية لن تبدأ حرباً، لأنها ستتكبد ضحايا جمة، والصين لا تريد حرباً، لأنها إذا فعلت، فإن عليها أن تتعامل مع كل اللاجئين الذين سيتدفقون من كوريا الشمالية، وكذلك لا تريد الولايات المتحدة إشعال حرب. لنا مصلحتان، أولاً ألا تقع الحرب، وثانياً ألا تملك كوريا الشمالية القدرة على تهديد الولايات المتحدة مباشرة بالسلاح، ويمكننا أن نفعل أشياء أخرى كثيرة من دون أن نشعل حرباً عالمية ثالثة، أو نتفاوض مباشرة مع الكوريين الشماليين. لهذا، وبسبب الأعمال الاستفزازية، كان على الإدارة أن تحرك القرار السياسي وعلى أجندتها وضع استراتيجية «الاحتواء القاسي»، من ردع نووي، ودفاع صاروخي، وردع تقليدي مع كوريا الجنوبية واليابان، ومقاطعة قوية مع رفض التفاوض. لن نعود إلى طاولة المفاوضات حتى تقدم كوريا الشمالية على اتخاذ خطوات عميقة باتجاه التجرد من السلاح النووي، وكلنا نعرف أن كوريا الشمالية لن تفعل هذا.
لهذا، فإن التركيز الآن هو على تقوية السلام في الشرق الأوسط وتثبيته، ويدخل في إطار ذلك نزع الأعلام السوداء (لتنظيم داعش) من الموصل والرقة، وماذا نفعل مع إيران.
* بعد 8 سنوات من حكم باراك أوباما ومن تخفيض أميركا درجة التحالفات التقليدية لصالح إعادة التقارب مع إيران، هل يمكن للدول العربية، خصوصاً الخليجية، أن تصدق أن الإدارة الجديدة عادت إلى المسار الصحيح؟
- بكل تأكيد. ما يفاجئني أن الناس ينتقدون الرئيس ترمب، في حين أن سياسته الشرق أوسطية تقليدية جداً أكثر مما كانت سياسة أوباما. في الواقع سياسة ترمب تركز على القضاء على خطر الإرهاب الدولي، وأيضاً وقف محاولات إيران زعزعة المنطقة، وهذا مؤكد.
* كيف يمكن للإدارة وقف تدخلات إيران، سواء العسكرية أو عبر ميليشياتها المحلية في العالم العربي؟
- هذا هو الهدف الرئيسي. أما كيف سيتحقق ذلك، فسيكون عبر مزيج من آليات متعددة، والعمل بشراكة مع دول أخرى. سيكون هناك التركيز على النشاطات المالية غير الشرعية، وجهود مضاعفة لمحاربة تهريب الأسلحة. وأعتقد أن الإدارة ستحدد الفوائد المالية التي ستحصل عليها إيران بسبب الاتفاق النووي، بحيث لا تتدفق الأموال على إيران ثم يعود تحويلها لتمويل «حزب الله» في لبنان و«الحوثيين» في اليمن، وستعمل الإدارة مع دول أخرى مثل الأردن، وتعيد النشاط إلى العلاقة الإسرائيلية - المصرية كي تستعيد المنطقة ثقتها، وهي تتعامل مع إيران، وبالطبع عبر صفقات الأسلحة. لكن لن يقتصر الأمر على السلاح، بل على النمو والدعم السياسي والاقتصادي للأطراف في المنطقة، ومن هذه النقطة تبرز أهمية الصراع مع قطر. في نهاية الأمر، فإن الولايات المتحدة لا تحاول عزل قطر، ولا تحاول جعلها دولة أقل من قيمتها، بل يجب أن يكون هناك تماسك أكثر حول أمن دول الخليج وسياستها، إذا كانت جادة وتريد أن تنجح في تخفيف جهود إيران في زعزعة المنطقة، وفي الوقت نفسه تواجه الإرهاب الدولي.
* وقع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون مذكرة تفاهم مع قطر لمحاربة الإرهاب. هل هذا يساعد؟
- الدليل في التطبيق، وعلينا أن نرى. علاقة الولايات المتحدة مع قطر هي انعكاس لعلاقتنا مع باكستان. مع باكستان لدينا من جهة علاقة استراتيجية مهمة جداً، لكن هناك عناصر داخل باكستان وداخل المؤسسة العسكرية تعمل، ليس فقط ضد المصالح الأميركية، إنما ضد مصالح باكستان. نسمي هذا هنا «الحب الصعب». الولايات المتحدة لن تتوقف عن إقامة علاقات مع باكستان، وسنكون واضحين فيما نختلف حوله، ونضغط عليهم للقيام بأمور، ليست فقط جيدة لنا، إنما لباكستان أيضاً. وفي النهاية هذا يساعد الأطراف كلها. هذه نسخة متطابقة لنوع العلاقة التي تربطنا بقطر. سنكون واضحين ومستقيمين بالنسبة إلى الاختلاف فيما بيننا وبينهم، وأعتقد أن الاستقامة تسمح لنا بأن نواجههم. سنضغط على القطريين للقيام، ليس فقط بما هو من مصلحة أميركا والسعودية والبحرين، بل بما يصب في النهاية في مصلحة قطر. وهذا حسب اعتقادي سيتطلب استمرار الاتصالات. في بعض الأيام سيبتسم بعضنا لبعض، وفي أيام أخرى سنكون متوترين من بعضنا بعضاً، لكن سنظل نراقب، وسنحمل الناس مسؤولية ما قالوا إنهم سيقومون به، لأنه غالباً ما تسمع الولايات المتحدة من الدول أننا سنفعل هذا أو ذاك، وغالباً لا تلاحق الولايات المتحدة هذا الالتزام. سنبقى على تواصل مع قطر، ومجرد قول الولايات المتحدة إنها ستستثمر في هذا النوع من العلاقة، يظهر عمق التزامنا بالمنطقة.
لقد كان من السهل على وزير الخارجية السفر فقط إلى إسرائيل، حيث يمكننا الاتفاق على أي شيء، لكن أن يتواصل مع قطر ودول الخليج فهذا يظهر جديتنا، واستعدادنا لاستثمار الوقت في هذه العلاقات. وما أحب أن أوضحه أننا لا نحاول السيطرة على المنطقة، ثم إننا لسنا الضامنين لأمن المنطقة، نحن شركاء لدول تريد منطقة أكثر استقراراً، حيث يمكن توفير فرص العمل للناس وأن يكون لهم مستقبل. إننا لا نقوم بهذا لأننا أناس طيبون، بل لأن وجود شرق أوسط يغمره السلام أفضل للولايات المتحدة.
* هل تعتقد أن الأميركيين سينظرون إلى دولة أخرى في الخليج لإقامة قاعدة عسكرية إضافة إلى قاعدة العديد في قطر؟
- لا أعرف، فهذا قوله أسهل من تطبيقه، لأن تنويع القواعد العسكرية الأميركية وتوسيعها أمر صعب، وبالتأكيد لا يمكن القيام به على مدى قصير. لدينا القاعدة في قطر، والأسطول في البحرين.
* بغزو العراق، قدم العجز أو عدم التخطيط الأميركي بغداد إلى إيران، وأدت سياسة أميركا تجاه سوريا إلى كارثة جيو - سياسية، إذ نرى أن إيران تتطلع إلى أن تحكم غالبية سنية هناك. نعرف أنه لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، لكن هل يمكن إعادة إيران إلى داخل حدودها؟
- نعم. جزئياً نتحمل المسؤولية. ارتكبنا بعض الأخطاء الاستراتيجية، منها قرارنا عام 2011 بالانسحاب. أعترف أننا أسهمنا في عدم الاستقرار في البلاد. ولا نقوم بتصحيح الأوضاع لأنها سيئة في المنطقة، بل لأن من مصلحتنا السلام في المنطقة. كيف سنفعل ذلك؟ كما قلت، سنكون شريكاً جيداً لعدد من الدول في المنطقة حيث يجمعنا هدف مشترك.
* الآن بعد الموصل، يشعر الإيرانيون بالقوة، ويعتقدون أنه بعد هزيمة «داعش»، فإن كل الطرق فتحت أمامهم...
- هذا وهم كبير.
* هل سيسمح الأميركيون بذلك؟
- كلا. أعتقد أن هذه كارثة، وتعني أننا نستبدل مشكلة بأخرى. أؤكد أن الولايات المتحدة ستبقى وبقوة في العراق، لأننا نريد عراقاً مستقراً، لكن التفكير بأننا سنطّهر كل المناطق في العراق من النفوذ الإيراني أمر غير واقعي، لكن لا يمكننا الجلوس جانباً والسماح بأن يصبح العراق دولة تابعة لإيران، وهذا يعني مأساة للشعب العراقي. لم يتخلصوا من صدام حسين ليحكمهم شخص ما من إيران. سيكون عامل زعزعة قوية للمنطقة إذا تمتعت إيران بطريق ممتدة من العراق إلى سوريا، وصولاً إلى الأبواب الأمامية للأردن وإسرائيل. أجزم بأن هذا لن يحصل، ولن نسمح له بالحصول. لن أفاجأ بعودة الوجود العسكري مجدداً إلى العراق، وبدعوة من العراقيين أنفسهم.
أعتقد أولاً أن الإيرانيين تمددوا كثيراً. هم يدعمون الميليشيات الشيعية، ويدعمون النظام السوري، و«الحوثيين» و«حماس» و«حزب الله»، لكن بمجرد أن يبدأ جفاف الأموال التي تدفقت على إيران بسبب الاتفاق النووي، لن يكون بمقدورهم فعل هذا كله. لم يقدموا على إصلاحات اقتصادية، وأغلب الأموال سرقوها عبر الفساد. أعتقد أن الإيرانيين سيكتشفون قريباً أنهم متمددون كثيراً وسيواجهون جداراً من المعارضة.
سأضرب مثالاً، انظري إلى سياسة الهند. تحولت بعيداً عن إيران وباتجاه إسرائيل والدول السنّية. لماذا تفعل ذلك؟ لأن الهند تراهن على أن إيران ستكون الخاسر الاستراتيجي في المنطقة.
* وهل تراهنون أنتم على ذلك؟ الإيرانيون يواصلون، حسب اعتقادهم، بناء جسر نحو الشرق الأوسط العربي. وبعد الموصل قال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني، إن طريق المقاومة السريعة تبدأ من طهران وتمر عبر الموصل إلى بيروت، ومن ثم إلى المتوسط.
- تعرفين كيف ستكون هذه الطريق السريعة؟ ستكون كأن بولونيا تزحف نحو موسكو. الإيرانيون منكشفون، وهذا خطأ كبير يرتكبونه. ولا يمكن الإبقاء عليه. قد تنجح هذه الطريق في عقولهم، ولكنها لن تكون على الخريطة الحقيقية والواقع. لأن الأميركيين لن يقفوا متفرجين، تركيا لن تتفرج، وإسرائيل أيضاً والعرب السنّة بالطبع. إنها فكرة جنونية. يبدو لي كأن داريوس يريد أن يزحف إلى أثينا.
* هل تناقشون هذه التفاصيل في الإدارة؟
- لست الآن في الإدارة، لكن انطلاقاً من عملي مع فريق ترمب الانتقالي ومن خلال معرفتي بالأشخاص المسؤولين عن هذه القضايا، فإنهم يدركون هذا كله.
* البحرية الأميركية وصفت أعمال السفن الإيرانية بغير الآمنة وغير المحترفة، بعدما وجهت الليزر على مروحية أميركية في مضيق هرمز أخيراً. هل ترى أي احتمال لمواجهة؟
- قد تحدث مواجهة، لكن الاحتمالات ضئيلة، لأن هذه المنطقة الإيرانيون فيها منكشفون جداً. إذا تحدوا فإنهم قد اختاروا القتال في المكان الخطأ.
* هل تعتقد أن جنوب سوريا قد يتحول إلى نقطة مواجهة أميركية مع الإيرانيين في الشرق الأوسط، لأننا نرى أن «الحشد الشعبي» يحاول قطع طريق الحدود بين سوريا والعراق ليسمح فقط بالوجود الإيراني هناك؟
- أولاً هذا الأمر صعب أن يتحقق. إسرائيل لن تسمح بذلك، ولا أعتقد أن هذه مواجهة يرغب فيها الإيرانيون. إذا نظر العالم إلى مكان آخر، قد تستطيع إيران فعل ما تشاء، لكن في الحالة الراهنة لا يستطيع الإيرانيون القتال، ولا يريدون بدء الحرب العالمية الثالثة. لا أحد يريدها. ومن الصعب على الإيرانيين الاعتقاد بأنه يمكنهم المحافظة على الوضع الحالي. إنهم يضغطون على المصالح الحيوية لحلفاء أميركا في المنطقة، وبالذات الأردن وإسرائيل. لن يقف أحد ويسمح لهم بتحقيق استراتيجيتهم، هذا أمر غير منطقي.
* ما رأيك في فكرة إقامة «ناتو عربي» يضم دول الخليج؟
- أعتقد سيكون من الصعب ضم كل الهندسة العسكرية هناك معاً، والتوصل إلى اتفاق. كل ما تحدثنا عنه لا يجعلنا بحاجة إلى «ناتو» في الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تستطيع أن تقوم بهذه الالتزامات كلها على مستوى العلاقات الثنائية، وهي قامت بها طوال عقود. من الأفضل عدم تضييع الوقت والجهود لصناعة تحالف أمني. قد يتحقق هذا يوماً، إنما بعد أن تكون هذه التهديدات والأخطار كلها قد زالت.
* افتقار دول مجلس التعاون الخليجي إلى بنية دفاع إقليمية صاروخية متكاملة يتركها عرضة للتكتيكات الإيرانية، وهذا يؤثر على استقرار الخليج العربي.
- بالنسبة إلي، هذا هدف نتطلع إليه منذ فترة طويلة. نظام دفاع صاروخي متكامل، وأعتقد أنه يمكن تحقيقه بكلفة معقولة، وهو جزء من الردع في وجه إيران. هذا يمكن التوصل إليه. وآمل مع إدارة ترمب حسب موقفها المعلن، بدء الحوار حول هذا خلال الأشهر المقبلة.
* ماذا يتوجب على الإدارة الأميركية القيام به للحد من طموحات النظام السوري، وإجباره على احترام اتفاقات وقف إطلاق النار، ووقف المحاولات الإيرانية والروسية للإبقاء على بشار الأسد في السلطة؟
- الأساس هو أن تبقى الولايات المتحدة موجودة على الأرض وتتفاعل مع المنطقة.
* هل بقاء الإدارة متفاعلة في المنطقة أمر مكلف لها؟
- نحتاج إلى الإبقاء على قوات عسكرية على الأرض.
* أين؟
- بكل تأكيد في العراق، وأعتقد أننا سنبقي على عدد ملحوظ من المستشارين، وعلى قدرات في سوريا. حتى الآن لا يوجد مفهوم لهيكلية أمنية، إنما التوجه للإبقاء على نشاط أميركي في سوريا في المستقبل المنظور.
* هذه أخبار جيدة...
- أعتقد ذلك، لأن ذلك يخفف من نفوذ إيران في زعزعة المنطقة، ويساعد على إيجاد حل للاجئين كي يعودوا إلى منازلهم، ثم إنه يوفر مساحات لمصر والأردن للعمل داخل البلدين، خصوصاً اقتصادياً، ويساعد على التخفيف من خطر الإرهاب الدولي.
أعتقد أن مساهمة الولايات المتحدة في القضاء على الإرهاب العابر تؤكد أن هؤلاء الإرهابيين خاسرون، ويمكن هزيمتهم. الهزيمة المهينة التي مُني بها «داعش» تمت، ليس تحت ظل العلم الأميركي، بل من قبل الناس المحليين. لقد قاتل الناس من أجل بلادهم. هم لا يريدون أمثال «داعش». لقد رفضهم الناس. الإرهاب ليس الطريق إلى المستقبل.
* هل تعتقد أن الروس وجدوا نداً حقيقياً لهم بالرئيس ترمب؟
- نعم. وأظن أن نفوذهم في المنطقة محصور في دمشق، ولا أعتقد أن بإمكانهم الوصول إلى أبعد من ذلك. لن يكون بإمكانهم القيام بشيء في ليبيا، وأيضاً لا يمكنهم توفير الفائدة للإيرانيين، إذ بالكاد يمكنهم أن يستفيدوا هم.
* هل أن نظاماً دولياً بقيادة أميركا، عائد إلى الشرق الأوسط، أو سنبقى نرى تدخلات روسية وإيرانية؟
- أعتقد أن الروس متفائلون، يحاولون ملء مساحات الضعف. ولا أقول إنه نظام دولي أميركي، إنما أكثر ملاءمة ووجوداً من الماضي. المسألة ليست أن الولايات المتحدة تدعم دولاً في الشرق الأوسط، بل إنها تتشارك مع دول هناك. إننا شركاء معهم كي يوفروا أمنهم، لأن في هذا مصلحة مشتركة، وهذه الطريقة أكثر استدامة على المدى الطويل.
* على المدى الطويل، ماذا سيكون الموقف الأميركي في سوريا؟
- بصدق، الولايات المتحدة غير مهتمة ولا تركز على سوريا. الولايات المتحدة لا تسأل عن مستقبل سوريا أبعد من توفير الاستقرار في العراق، وأمن الأردن أولاً، وثانياً حماية إسرائيل، وثالثاً هزيمة «داعش» و«القاعدة»، ورابعاً وضع اللاجئين. إن مستقبل سوريا كسوريا ليس بالأمر المهم للولايات المتحدة. تهمنا أمور أخرى. صحيح أننا لا نحب الأسد ونرغب في رحيله، لكن لن نضيع وقتنا لإيجاد طريقة لتغيير النظام في دمشق.
* كيف ترى خريطة العراق وسوريا وليبيا؟
- إذا أتيح لي التخمين، فإن هناك «بلقنة» لسوريا، كما حدث في يوغوسلافيا بعد الحرب الباردة. والتقسيم في ليبيا لن يحسن الأوضاع. يجب الحل في ليبيا كليبيا، وشخصياً أرى أن العراق كدولة واحدة أفضل. أنا معجب جداً بكردستان، وأظنها أكثر أمناً في عراق واحد، وليس كدولة مستقلة. أعتقد أن الليبيين يفضلون ليبيا ككل. وكذلك في العراق، لكن لا أعتقد أن أحداً سيشعر بالأمان في سوريا ككل، وهي «ستتبلقن».
* هل هذه نصيحة للأكراد العراقيين بعدم السير في الاستفتاء والدعوة إلى الاستقلال؟
- هم سيقومون بالاستفتاء، وسوف يصوتون على التقسيم. المشكلة أن العراق دولة مهمة استراتيجياً، وإذا بدأنا بتقطيعها فهذا يعني أنها ستصبح قطع لحم للذئب. إذا ظل العراق دولة كاملة يصعب على الآخرين ابتلاعه. وأعتقد أن كل الأطراف من سُنّة وشيعة وأكراد أكثر أماناً في عراق يصعب على أي طرف احتلاله، لأنه بخلاف ذلك، فإن ما سيحدث هو أن كل طرف سيحتاج إلى حماية كي يعيش. الشيعة سيدورون في الفلك الإيراني، والسنّة سيدورون في فلك دولة أخرى كي يستمروا في العيش. هذا ما يحدث لدول صغيرة في منطقة جد مهمة استراتيجياً، إلى جانب جيران أقوياء جداً. لذلك فإن العراق كدولة موحدة هو قطعة لحم أكبر من قدرة أي دولة أخرى على ابتلاعه، ويتيح للعراقيين أن يقرروا مستقبلهم.
* هل هناك على الأقل تعاون وتنسيق بين وزيري الدفاع جيمس ماتيس والخارجية ريكس تيلرسون ومسؤول الأمن القومي في الإدارة الأميركية هربرت ماكماستر؟
- يعملون معاً بشكل طبيعي ومتفاهمون. ينسقون معاً. إنهم أفضل من أي فريق حكومي عرفته منذ زمن دونالد ريغان.
* هل تتحدث السفيرة في الأمم المتحدة نيكي هايلي باسم الرئيس؟
- نعم. ما لا يدركه الناس أنه إذا لم يتكلموا عن الشيء نفسه في الوقت نفسه، فإن ذلك لا يعني أنهم لا يتكلمون بصوت واحد. لكل واحد دور مختلف. كل واحد يؤكد على جزء من السرد. لا يرددون صدى بعضهم بعضاً. إنهم ليسوا «كورال».
* متى ستنتهي «المعارك» الداخلية الأميركية؟
- لن تنتهي. الأمور حزبية جداً في أميركا. ولن تتغير حتى موعد الانتخابات النصفية العام المقبل. إنها سياسة بشعة جداً، ولكن لا تمنع إدارة ترمب من أن تكون لها سياسة خارجية نشطة جداً. ولا دليل على أن هذه السياسات الداخلية المتصارعة تستهلك الرئيس. ولن يحدث ذلك.



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.