«فليت ستريت»... مجد الصحافة البريطانية وأطلالها

«مطابخ» التحرير ومكاتب الصحافيين تحولت إلى غرف محامين ومصرفيين

صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)
صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)
TT

«فليت ستريت»... مجد الصحافة البريطانية وأطلالها

صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)
صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)

تستقيم المباني من اليمين واليسار معانقة فليت ستريت. تلك المباني كانت يوماً مهداً لولادة مطبوعات بريطانيا. صنعت الصحافة مجدها هناك ثم هجر أهلها المكاتب وتناثروا. لا تزال المباني شاهدة على حقبة ذهبية عاشتها الصحف البريطانية العريقة. ولا يزال الشارع اللندني مزدحماً، لكن رواده اليوم تناثروا بين سياح ومحامين ومصرفيين.
زرت فليت ستريت الأسبوع الماضي على أمل العثور على أي أثر خلفه الصحافيون بعد عزوفهم عنه في ثمانينات القرن الماضي. مبنى «الديلي تلغراف» و«الديلي إكسبريس» أصبحا ملكاً لبنك «غولدمان ساكس»، ولم يتبقَ منهما غير ساعة التلغراف الشهيرة وطابع الإكسبريس المعماري المميز. كما تحول مكتب وكالة «رويترز» للأنباء إلى مطعم. المطبوعات الأخرى باتت مكاتب محاماة أو حتى بقالات.
لطالما ارتبط اسم فليت ستريت بالصحافة البريطانية المطبوعة، لكن ملامحه اليوم بددت ذلك الانطباع لدي مع أن تاريخه هو الذي استحقه لقب «شارع الصحافة». جلست لاحتساء القهوة أمام إحدى مقاهيه ولوهلة تخيلت نفسي هناك، لكن قبل 4 أو حتى 5 عقود. مراسلون يركضون إلى مكاتبهم لكتابة سبق صحافي في أمل التفوق على ما ستنشره الصحف المنافسة، رؤساء تحرير يتناولون وجبة الغداء في مطعمهم المعتاد على الشارع ذاته، وموظفو الطباعة يرشفون الشاي استعداداً لليلة طويلة من الصفحات والحبر. فجأة سألني سائح تائه عن الطريق إلى المترو وقطع رحلتي.

* تاريخ شارع الصحافة
في عام 1495، أنشأ وينكين دي ورد، أول مطبعة في «شو لين»، الممر المتقاطع مع «فليت ستريت»، وولدت في تلك الفترة أيضا دار نشر لريتشارد بينسون بقرب كنيسة سانت دنستان الواقعة على شارع فليت. وأصبح اسما دي ورد وبينسون مرتبطيْن بالكلمة المطبوعة والتنوير في بريطانيا منذ ذلك الحين. وتبعتهما مطابع ودور نشر أخرى إلى الشارع ذاته، وكان عملها الرئيسي هو توفير المواد القانونية لمحاكم العدل الملكية الواقعة في آخر الشارع، إلى جانب إصدارات نثرية ومسرحية.
وفي مارس (آذار) 1702، صدر العدد الأول من أول صحيفة يومية لندنية: «ديلي كورانت» من هناك، ثم صدرت الـ«مورنينغ كرونيكل». وبحلول عام 1712 أصبح في لندن 12 صحيفة مختلفة. وبمنتصف ثلاثينات القرن الثامن عشر ازدادت المطبوعات وأصبح لدى العاصمة البريطانية 6 صحف يومية، و12 صحيفة تصدر 3 مرات أسبوعيا، و13 صحيفة أسبوعية. وكان مجمل التوزيع الأسبوعي للمطبوعات مائة ألف نسخة، إلا أن النسخة الواحدة في تلك الأيام كان يقرأها نحو 20 شخصا.
شعبية الصحف قيدتها الضرائب المفروضة عليها في القرن التاسع عشر. لكن في منتصف القرن، أعفيت المطبوعات من الضرائب وأصبحت تكلفة النسخ لا تزيد على سنت واحد، مما شجع ولادة كثير من المطبوعات وتضاعف الشهية الشرائية. وبحلول عام 1880 وصل عدد الصحف إلى 15 جريدة يومية، و383 جريدة أسبوعية، إلى جانب «لندن غازيت» التي كانت تصدرها الحكومة.
وعلى مدار السنوات التالية تحول «فليت ستريت» إلى شارع الصحافة البريطانية وعصبها، وافتتحت جميع الصحف الشهيرة مقرات لها هناك في بدايات القرن العشرين، وانتقلت «ديلي إكسبريس» إلى بناية رقم 121 - 128 على الشارع عام 1931، من تصميم المهندس المعماري أوين ويليامز، وكانت أول بناية بحائط زجاجي «curtain wall» في لندن، وكانت جارتها منافستها «ديلي تلغراف» في بناية رقم 135 - 142 التي تتميز بساعة شهيرة لا تزال موجودة إلى يومنا هذا. وتربعت أمام الصحيفتين وكالة «رويترز» للأنباء بمبنى شامخ يعلو مدخله تمثال «الشهرة».
وصلت شهرة هذا الشارع لذروتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي. كان القلب النابض للصحافة والمصدر الرئيسي للأخبار. وأطلق البعض عليه اسم «شارع الفضائح» لانتشار صحافييه ومراسليه في مطاعمه ومقاهيه بحثا عن تسريبات وقصص مثيرة من المنافسين. وكان مركزاً مهماً للمشوار المهني لأي صحافي في البلاد؛ إذ تدرج منه أعلام المهنة.
التكنولوجيا كانت محدودة في تلك الأيام والإرسال كان ضعيفا، فكان من الصعب إجراء الاتصالات، وكان اعتماد الصحافيين أيضا على الكتابة بالقلم، والاستعانة بالآلة الكاتبة لصف الأخبار. وكان لكل جريدة مطبعتها الخاصة القابعة في قبو البناية. لذلك لطالما وُجدت الشاحنات المحملة بلفائف الورق الضخمة وهي تحاول الدخول إلى الشوارع الجانبية لتوصيل شحناتها إلى المطابع. وكانت تعاود الكرة في المساء لتسلم الطبعات وتوزعيها.
* أهل الصحافة يهجرون مكاتبهم
بدأت سطوة شارع الصحافة في الانكماش، وغاب عنه الحبر تدريجيا، بعدما قرر روبرت ميردوخ، مالك شركة «نيوز إنترناشيونال» عام 1986، أن ينقل مطبوعاته «التايمز» و«الصن» و«أخبار العالم» إلى مقر جديد في «وابينغ»، بعيدا عن «فليت ستريت».
كان قرار ميردوخ ماديا بحتا؛ إذ رأى أنه من المستحيل أن تدر صحفه الأرباح في شارع كانت تحكمه سياسات الاتحادات المهنية التي كانت تعنى بحقوق عمال الطباعة والنشر والتوزيع، وأيدته آنذاك رئيسة وزراء البلاد المحافظة مارغريت ثاتشر. وقام ميردوخ بفصل جميع عمال الطباعة وتوظيف كادر جديد يعنى بالنشر الإلكتروني مع إدخال الكومبيوترات والتنقية الحديثة إلى مكاتبه الجديدة، مما أضعف موقف الاتحادات المهنية.
وأدى الأمر إلى خلاف شرس على مدار عام ومظاهرات تحولت إلى مواجهات عنيفة بين الموظفين ورجال الأمن على «فليت ستريت». لكن الأمر انتهى بهزيمة الاتحادات المهنية. وفي عام 1988، نُقلت كل الصحف الوطنية من شارع فليت إلى منطقة دوكلاندز، واعتمدت على طرق الطباعة الحديثة بالكومبيوتر، بدلا من الألواح المعدنية الساخنة، وأصوات الآلات الكاتبة. كما بدأت مطبوعات أخرى بالنزوح من «فليت ستريت» تدريجيا إلى كناري وورف وسوثارك. وكانت وكالة «رويترز» للأنباء من آخر الأسماء الشهيرة التي عزفت عن الشارع عام 2005.
ورحلت آخر مطبوعة شهيرة عن الشارع في أغسطس (آب) الماضي وهي «الصنداي بوست». وتدريجيا، استخدمت المباني التي خلفتها هذه المطبوعات استخدامات أخرى؛ بعضها أصبح محال تجارية أو مطاعم. كما أصبح الشارع مقرا لكثير من البنوك الاستثمارية والتجارية وشركات المحاماة الكبرى، لقربه من المحاكم الملكية. واستولى بنك «غولدمان ساكس» على مبنييْ «التلغراف» و«إكسبريس» الشهيرين. ومع أن الصحافيين هجروا «فليت ستريت»، إلا أن اسمه لا يزال مرتبطا بمسيرة تطور مجالات الطباعة والنشر في بريطانيا، والعالم، ليومنا هذا.
* ثرثرة صحافية على طاولة العشاء
 عُرف «فليت ستريت» آنذاك بوجود كثير من المطاعم والمطاهي التي ارتادها الصحافيون بشكل يومي. التقوا على مائدة الغداء أو العشاء مع منافسيهم من مطبوعات أخرى لتقييم المناخ الصحافي والتغيرات السياسية، وللبحث عن قصص وتسريبات. ومن أقدم وأشهر تلك المحلات مطعم «يي أولد تشيشاير تشيز» الذي تأسس عام 1666 وكان بقعة لكتاب شهيرين مثل تشارلز ديكينز وسامويل جونسون، ثم أضحى مع نشوء المطبوعات بجواره مقراً لهم.
عمل مايكل في المطعم منذ 50 عاماً، ولا يزال يشرف عليه إلى اليوم. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان جميع زبائننا من أهل الصحافة قبل أن يرحلوا عن هذا الشارع. وكان هذا المطعم هو المقر الأشهر الذي كانوا يرتادونه بعد ساعات الدوام أو في استراحة الغداء». ويضيف: «كان للمطعم هوية غريبة امتلكها طابع من الطبقية غير المعلنة». ويشرح الرجل السبعيني الإنجليزي مستطرداً: «كان يجلس الصحافيون والمراسلون دوماً في الطابق الأعلى من المطعم، بينما كان يتناول موظفو الطباعة وجباتهم في الطابق الأرضي، وعمال النظافة في المكاتب كانوا يجتمعون في الطابق السفلي (القبو)».
كان مايكل المشرف على طابق الصحافيين. وعن يومياته آنذاك يقول: «كان يرتاده محررون معروفون من المطبوعات المجاورة يتناولون العشاء وأطراف الحديث الذي كان يتحول أحيانا إلى نقاش صحافي أو سياسي ساخن». ويكشف أن صحافيي «أخبار العالم» التابعة لإمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية كانوا الأكثر صخباً ومشاكسة وكانوا يسهرون حتى موعد إغلاق أبواب المطعم.
ماذا عن رواد المطعم اليوم؟ يرد مايكل بحسرة: «تغير الحال اليوم وأصبح زبائن المطعم من المحامين وموظفي البنوك وأحاديثهم ليست شيقة كنقاشات أهل الصحافة». ويضيف: «يزور مطعمنا كثير من السياح بحثاً عن ذكريات شارع الصحافة. فضولهم يدفعهم لسؤالي عن أشهر الصحافيين والكتاب الذين جلسوا على مقاعدنا الخشبية لكتابة أعمالهم المميزة أو لتناول وجبة العشاء مع أقرانهم من أعلام الصحافة».
* الشارع شهد ولادة صحيفة «الشرق الأوسط»
قبل 39 عاما، وتحديدا في الرابع من يوليو (تموز) من عام 1978 ظهرت صحيفة «الشرق الأوسط» الدولية لأول مرة من ساحة «غف سكواير» الصغيرة المتصلة بشارع فليت ستريت، بعدما اشترت الشركة السعودية للأبحاث والتسويق عام 1976 وكالة «برس فوتو» وهي أقدم وكالة صور صحافية بريطانية، واشترت أيضا المبنى الذي كانت تشغله تلك الوكالة. وأصبح مقر الشركة موطئ القدم الأول للمجموعة السعودية في بريطانيا ومهدا لولادة صحيفة العرب الدولية، الخضراء.
هذه الساحة كانت تعبق بالتاريخ والذكريات ففيها وضع العلامة البريطانية ساميول جونسون قاموسه الأول للغة الإنجليزية في المبنى المجاور. وكان فليت ستريت في تلك الحقبة القلب النابض لصناعة الصحافة البريطانية، ولعل ذلك المكان أغرب مقر لتبدأ منه ثورة الصحافة العربية.
عين الأخوان الناشران هشام ومحمد علي حافظ الصحافي جهاد الخازن ليتولى رئاسة تحرير الصحيفة وطلبوا منه بناء كادر مؤهل لإطلاق «الشرق الأوسط». وظهر العدد الأول من الصحيفة متأخرا ساعات قليلة عن الموعد المحدد وكانت تلك السويعات كافية لإفساد البرنامج المعد للتوزيع، وتم استئجار طائرة لتوصيل 40 ألف نسخة إلى السعودية. ولكن في عام 1980 كانت «الشرق الأوسط» من أوائل من اعتمدوا على إرسال الصفحات عن طريق الأقمار الصناعية.
في بداياتها، تألف كادر الصحيفة من عائلة صغيرة منهم عرفان نظام الدين الذي شغل منصب مدير التحرير، وعادل الأحمر سكرتير التحرير، وضمت أسرة التحرير حافظ إبراهيم خير الله وعبد الباري عطوان وحافظ القباني وحسن فؤاد وعادل صلاحي وعادل بشتاوي ووفائي دياب وحسن لقيس ومتعاونين من «بي بي سي». إلى جانب الموظفين الآخرين كالخطاطين وصفافي الأخبار وقسم الإنتاج والتركيب.
وعندما انطلقت الصحيفة، جاء العدد الأكبر من فريق الإنتاج من لبنان، حيث كانوا يعملون في مطبوعات مثل "النهار" و"الحياة" و"الديلي ستار". وكان محمد الملاح رئيس فريق الانتاج، وظل يعمل في "الشرق الأوسط" حتى تقاعده. وأحضر الملاح معه ابن اخيه، واسمه ايضا محمد للعمل كمصور.
ولا يزال البعض من طاقمها المؤسس جزءا من أسرة «الشرق الأوسط» اليوم. منهم إياد أبو شقرا مستشار هيئة التحرير الذي انضم إلى الصحيفة في يوليو (تموز) عام 1979. ويتذكر أبو شقرا لندن والصحيفة في تلك الأيام بقوله «كنا كالعائلة وكانت لندن في تلك الأيام مدينة هادئة (تنام) في عطلة نهاية الأسبوع والمحلات تغلق أبوابها مبكرا لذا كنا نمضي أوقاتنا مع بعضنا البعض». وعن تجربته في غف سكواير يضيف، «كان حلم حياتي أن أكون من أحد صحافيي فليت ستريت، وتحقق ذلك... مؤسسات مثل رويترز والديلي تلغراف والديلي إكسبريس... كنت أسمع عنها في الإذاعة ومن ثم بات مقر عملي جارها». ويكشف الصحافي اللبناني أنه «وسط المطبوعات البريطانية العريقة، كانت تتربع («الشرق الأوسط») على ذات الأكشاك والأجانب عرفوها بلون صفحاتها الخضراء». ويستطرد، «في تلك الأيام لم نشعر أننا غرباء عن باقي قاطني الشارع، بل شعرنا أننا جزء من المنظومة الصحافية».
الصحافي المصري حافظ قباني كان حاضرا من قبل موعد إصدار الصحيفة وتولى الدوليات في بداياتها كما تسلم لاحقا إدارة قسم الترجمة. ويتذكر أيضا البدايات ويقول «العلاقات الإنسانية كانت وطيدة والمناسبات التي كانت تقيمها الشركة كانت مميزة». ويضيف، «كنا في بادئ الأمر نتناول الغداء من المطعم التركي لعدم إلمامنا بالمطبخ البريطاني، لكن بعد فترة تمكنا من اكتشاف المطاعم الأخرى منها مطعم (يي أولد تشيشير تشيز) الذي اشتهر بزبائنه من أهل الصحافة». ومن ذكرياته في فليت ستريت اكتظاظه بمركبات الشحن الخاصة بالمطابع التي كانت توزع الورق، والأمسيات التي كان يقضيها في نادي الصحافة الدولي لحضور فعاليات ثقافية إلى جانب أبرز الصحافيين.
نديم فرحات، رئيس قسم التنفيذ في «الشرق الأوسط» انضم لعائلتها بعد ثلاثة أشهر على تأسيسها عندما كانت الطبعة تتألف من 12 صفحة فقط. ويكشف أن عملية تركيب الصفحات حينذاك كانت معقدة جدا بقوله «كانت تأتي المادة من المحرر إلى صفيف الأخبار الذي كان يطبعها ثم يحمضها، ثم كنا نفصل العنوان ثم نضع المادة على الشمع ونقصها بالشفرة وننظف حوافها بالبنزين ونرسلها للطباعة. كانت مهمة معقدة». ويضيف «تذكرني رائحة الشمع والبنزين في تلك الحقبة التي لطالما كانت لدي جروح طفيفة على أصابعي فيها من شفرة التركيب». ويستطرد، «كان عددنا كبيرا وكان لدينا ثلاثة خطاطين لكتابة العناوين من ضمنهم زميلنا الحالي عبده الريس».
ويتذكر يومياته في قسم التركيب ويقول «كانت مليئة بالإبداع والاعتماد كان على المهارات اليدوية وليس الكومبيوتر وأعتقد أنني أصبت بالإحباط عندما أدخل الكومبيوتر إلى مجال التركيب لأن العمل اليدوي كان يستهويني».
وحول مقر الصحيفة بجوار المطبوعات البريطانية يقول «ولو اختفى أحد الموظفين في تلك الأيام من المحررين أو المركبين كنا نبحث عنه في أحد تلك المطاعم. ومن أشهرها مطاعم (الفيش أند تشيبز)». ويتذكر اليوم الذي تزوجت فيه الأميرة ديانا من الأمير تشارلز ويقول «اكتظ شارع فليت ستريت بالصحافيين والمصورين يتنافسون لالتقاط أفضل صورة للثنائي الملكي عند مرور موكبهم المتجه إلى سانت بولز».
مع أن المخرج الفني لدى صحيفة «الشرق الأوسط» عادل نعمان لم يبدأ مسيرته في المطبوعة منذ انطلاقها، إلا أنه كان شاهدا على ذكريات غف سكواير من خلال عمله مع مطبوعات المجموعة السعودية الأخرى مثل «سيدتي» و«المجلة». كان يستقل سيارته إلى العمل، الأمر الذي اعتبره ميزة مقارنة بزحمة وسط لندن اليوم. وعن يومياته في فليت ستريت يقول «أتذكر المطاعم المجاورة التي كانت تقدم أطباقا منزلية من المطبخ الإنجليزي. تلك الأطباق تماشت مذاقاتها مع طابع شارع الصحافة البريطانية». ويضيف، «أشتاق إلى غف سكواير نفسه، رونقه كان مميزا جدا وكانت أياما جميلة أمضيناها هناك».
التحق أبو بكر بـ«الشرق الأوسط» عام 1983 كساعٍ أو مراسل. وعن تلك الأيام يقول «كانت («الشرق الأوسط») منذ انطلاقها حديث الناس في فليت ستريت لأنها المطبوعة العربية ذات الصفحات الخضراء وهكذا اشتهرت وعرفها العرب والأجانب». ويضيف، «عندما بدأت كان الصحافيون يكتبون بالقلم وكانت وظيفتي أن أوصل المقالات إلى قسم صف الأخبار ومن ثم إلى قسم التركيب وكانت عملية طويلة وشاقة». ويستطرد، «كما كنت أنتظر وصول الصور من الوكالات وإيصالها للمحرر المناسب وحتى كنت أزور مكتب أسوشييتد برس لتسلم الصور منهم. كنا نكد قبل التطور التكنولوجي لكن تاريخ بدايات المطبوعة من أسباب نجاحها وسمعتها اليوم». ويختتم حديثه، «اليوم لدينا ساعيان في («الشرق الأوسط»)، في تلك الأيام كان عددنا 12».



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».