«فليت ستريت»... مجد الصحافة البريطانية وأطلالها

«مطابخ» التحرير ومكاتب الصحافيين تحولت إلى غرف محامين ومصرفيين

صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)
صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)
TT

«فليت ستريت»... مجد الصحافة البريطانية وأطلالها

صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)
صورة أرشيفية لـ«فليت ستريت» من عام 1890 (غيتي) مع صورة للشارع اليوم (تصوير: جيمس حنا)

تستقيم المباني من اليمين واليسار معانقة فليت ستريت. تلك المباني كانت يوماً مهداً لولادة مطبوعات بريطانيا. صنعت الصحافة مجدها هناك ثم هجر أهلها المكاتب وتناثروا. لا تزال المباني شاهدة على حقبة ذهبية عاشتها الصحف البريطانية العريقة. ولا يزال الشارع اللندني مزدحماً، لكن رواده اليوم تناثروا بين سياح ومحامين ومصرفيين.
زرت فليت ستريت الأسبوع الماضي على أمل العثور على أي أثر خلفه الصحافيون بعد عزوفهم عنه في ثمانينات القرن الماضي. مبنى «الديلي تلغراف» و«الديلي إكسبريس» أصبحا ملكاً لبنك «غولدمان ساكس»، ولم يتبقَ منهما غير ساعة التلغراف الشهيرة وطابع الإكسبريس المعماري المميز. كما تحول مكتب وكالة «رويترز» للأنباء إلى مطعم. المطبوعات الأخرى باتت مكاتب محاماة أو حتى بقالات.
لطالما ارتبط اسم فليت ستريت بالصحافة البريطانية المطبوعة، لكن ملامحه اليوم بددت ذلك الانطباع لدي مع أن تاريخه هو الذي استحقه لقب «شارع الصحافة». جلست لاحتساء القهوة أمام إحدى مقاهيه ولوهلة تخيلت نفسي هناك، لكن قبل 4 أو حتى 5 عقود. مراسلون يركضون إلى مكاتبهم لكتابة سبق صحافي في أمل التفوق على ما ستنشره الصحف المنافسة، رؤساء تحرير يتناولون وجبة الغداء في مطعمهم المعتاد على الشارع ذاته، وموظفو الطباعة يرشفون الشاي استعداداً لليلة طويلة من الصفحات والحبر. فجأة سألني سائح تائه عن الطريق إلى المترو وقطع رحلتي.

* تاريخ شارع الصحافة
في عام 1495، أنشأ وينكين دي ورد، أول مطبعة في «شو لين»، الممر المتقاطع مع «فليت ستريت»، وولدت في تلك الفترة أيضا دار نشر لريتشارد بينسون بقرب كنيسة سانت دنستان الواقعة على شارع فليت. وأصبح اسما دي ورد وبينسون مرتبطيْن بالكلمة المطبوعة والتنوير في بريطانيا منذ ذلك الحين. وتبعتهما مطابع ودور نشر أخرى إلى الشارع ذاته، وكان عملها الرئيسي هو توفير المواد القانونية لمحاكم العدل الملكية الواقعة في آخر الشارع، إلى جانب إصدارات نثرية ومسرحية.
وفي مارس (آذار) 1702، صدر العدد الأول من أول صحيفة يومية لندنية: «ديلي كورانت» من هناك، ثم صدرت الـ«مورنينغ كرونيكل». وبحلول عام 1712 أصبح في لندن 12 صحيفة مختلفة. وبمنتصف ثلاثينات القرن الثامن عشر ازدادت المطبوعات وأصبح لدى العاصمة البريطانية 6 صحف يومية، و12 صحيفة تصدر 3 مرات أسبوعيا، و13 صحيفة أسبوعية. وكان مجمل التوزيع الأسبوعي للمطبوعات مائة ألف نسخة، إلا أن النسخة الواحدة في تلك الأيام كان يقرأها نحو 20 شخصا.
شعبية الصحف قيدتها الضرائب المفروضة عليها في القرن التاسع عشر. لكن في منتصف القرن، أعفيت المطبوعات من الضرائب وأصبحت تكلفة النسخ لا تزيد على سنت واحد، مما شجع ولادة كثير من المطبوعات وتضاعف الشهية الشرائية. وبحلول عام 1880 وصل عدد الصحف إلى 15 جريدة يومية، و383 جريدة أسبوعية، إلى جانب «لندن غازيت» التي كانت تصدرها الحكومة.
وعلى مدار السنوات التالية تحول «فليت ستريت» إلى شارع الصحافة البريطانية وعصبها، وافتتحت جميع الصحف الشهيرة مقرات لها هناك في بدايات القرن العشرين، وانتقلت «ديلي إكسبريس» إلى بناية رقم 121 - 128 على الشارع عام 1931، من تصميم المهندس المعماري أوين ويليامز، وكانت أول بناية بحائط زجاجي «curtain wall» في لندن، وكانت جارتها منافستها «ديلي تلغراف» في بناية رقم 135 - 142 التي تتميز بساعة شهيرة لا تزال موجودة إلى يومنا هذا. وتربعت أمام الصحيفتين وكالة «رويترز» للأنباء بمبنى شامخ يعلو مدخله تمثال «الشهرة».
وصلت شهرة هذا الشارع لذروتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي. كان القلب النابض للصحافة والمصدر الرئيسي للأخبار. وأطلق البعض عليه اسم «شارع الفضائح» لانتشار صحافييه ومراسليه في مطاعمه ومقاهيه بحثا عن تسريبات وقصص مثيرة من المنافسين. وكان مركزاً مهماً للمشوار المهني لأي صحافي في البلاد؛ إذ تدرج منه أعلام المهنة.
التكنولوجيا كانت محدودة في تلك الأيام والإرسال كان ضعيفا، فكان من الصعب إجراء الاتصالات، وكان اعتماد الصحافيين أيضا على الكتابة بالقلم، والاستعانة بالآلة الكاتبة لصف الأخبار. وكان لكل جريدة مطبعتها الخاصة القابعة في قبو البناية. لذلك لطالما وُجدت الشاحنات المحملة بلفائف الورق الضخمة وهي تحاول الدخول إلى الشوارع الجانبية لتوصيل شحناتها إلى المطابع. وكانت تعاود الكرة في المساء لتسلم الطبعات وتوزعيها.
* أهل الصحافة يهجرون مكاتبهم
بدأت سطوة شارع الصحافة في الانكماش، وغاب عنه الحبر تدريجيا، بعدما قرر روبرت ميردوخ، مالك شركة «نيوز إنترناشيونال» عام 1986، أن ينقل مطبوعاته «التايمز» و«الصن» و«أخبار العالم» إلى مقر جديد في «وابينغ»، بعيدا عن «فليت ستريت».
كان قرار ميردوخ ماديا بحتا؛ إذ رأى أنه من المستحيل أن تدر صحفه الأرباح في شارع كانت تحكمه سياسات الاتحادات المهنية التي كانت تعنى بحقوق عمال الطباعة والنشر والتوزيع، وأيدته آنذاك رئيسة وزراء البلاد المحافظة مارغريت ثاتشر. وقام ميردوخ بفصل جميع عمال الطباعة وتوظيف كادر جديد يعنى بالنشر الإلكتروني مع إدخال الكومبيوترات والتنقية الحديثة إلى مكاتبه الجديدة، مما أضعف موقف الاتحادات المهنية.
وأدى الأمر إلى خلاف شرس على مدار عام ومظاهرات تحولت إلى مواجهات عنيفة بين الموظفين ورجال الأمن على «فليت ستريت». لكن الأمر انتهى بهزيمة الاتحادات المهنية. وفي عام 1988، نُقلت كل الصحف الوطنية من شارع فليت إلى منطقة دوكلاندز، واعتمدت على طرق الطباعة الحديثة بالكومبيوتر، بدلا من الألواح المعدنية الساخنة، وأصوات الآلات الكاتبة. كما بدأت مطبوعات أخرى بالنزوح من «فليت ستريت» تدريجيا إلى كناري وورف وسوثارك. وكانت وكالة «رويترز» للأنباء من آخر الأسماء الشهيرة التي عزفت عن الشارع عام 2005.
ورحلت آخر مطبوعة شهيرة عن الشارع في أغسطس (آب) الماضي وهي «الصنداي بوست». وتدريجيا، استخدمت المباني التي خلفتها هذه المطبوعات استخدامات أخرى؛ بعضها أصبح محال تجارية أو مطاعم. كما أصبح الشارع مقرا لكثير من البنوك الاستثمارية والتجارية وشركات المحاماة الكبرى، لقربه من المحاكم الملكية. واستولى بنك «غولدمان ساكس» على مبنييْ «التلغراف» و«إكسبريس» الشهيرين. ومع أن الصحافيين هجروا «فليت ستريت»، إلا أن اسمه لا يزال مرتبطا بمسيرة تطور مجالات الطباعة والنشر في بريطانيا، والعالم، ليومنا هذا.
* ثرثرة صحافية على طاولة العشاء
 عُرف «فليت ستريت» آنذاك بوجود كثير من المطاعم والمطاهي التي ارتادها الصحافيون بشكل يومي. التقوا على مائدة الغداء أو العشاء مع منافسيهم من مطبوعات أخرى لتقييم المناخ الصحافي والتغيرات السياسية، وللبحث عن قصص وتسريبات. ومن أقدم وأشهر تلك المحلات مطعم «يي أولد تشيشاير تشيز» الذي تأسس عام 1666 وكان بقعة لكتاب شهيرين مثل تشارلز ديكينز وسامويل جونسون، ثم أضحى مع نشوء المطبوعات بجواره مقراً لهم.
عمل مايكل في المطعم منذ 50 عاماً، ولا يزال يشرف عليه إلى اليوم. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان جميع زبائننا من أهل الصحافة قبل أن يرحلوا عن هذا الشارع. وكان هذا المطعم هو المقر الأشهر الذي كانوا يرتادونه بعد ساعات الدوام أو في استراحة الغداء». ويضيف: «كان للمطعم هوية غريبة امتلكها طابع من الطبقية غير المعلنة». ويشرح الرجل السبعيني الإنجليزي مستطرداً: «كان يجلس الصحافيون والمراسلون دوماً في الطابق الأعلى من المطعم، بينما كان يتناول موظفو الطباعة وجباتهم في الطابق الأرضي، وعمال النظافة في المكاتب كانوا يجتمعون في الطابق السفلي (القبو)».
كان مايكل المشرف على طابق الصحافيين. وعن يومياته آنذاك يقول: «كان يرتاده محررون معروفون من المطبوعات المجاورة يتناولون العشاء وأطراف الحديث الذي كان يتحول أحيانا إلى نقاش صحافي أو سياسي ساخن». ويكشف أن صحافيي «أخبار العالم» التابعة لإمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية كانوا الأكثر صخباً ومشاكسة وكانوا يسهرون حتى موعد إغلاق أبواب المطعم.
ماذا عن رواد المطعم اليوم؟ يرد مايكل بحسرة: «تغير الحال اليوم وأصبح زبائن المطعم من المحامين وموظفي البنوك وأحاديثهم ليست شيقة كنقاشات أهل الصحافة». ويضيف: «يزور مطعمنا كثير من السياح بحثاً عن ذكريات شارع الصحافة. فضولهم يدفعهم لسؤالي عن أشهر الصحافيين والكتاب الذين جلسوا على مقاعدنا الخشبية لكتابة أعمالهم المميزة أو لتناول وجبة العشاء مع أقرانهم من أعلام الصحافة».
* الشارع شهد ولادة صحيفة «الشرق الأوسط»
قبل 39 عاما، وتحديدا في الرابع من يوليو (تموز) من عام 1978 ظهرت صحيفة «الشرق الأوسط» الدولية لأول مرة من ساحة «غف سكواير» الصغيرة المتصلة بشارع فليت ستريت، بعدما اشترت الشركة السعودية للأبحاث والتسويق عام 1976 وكالة «برس فوتو» وهي أقدم وكالة صور صحافية بريطانية، واشترت أيضا المبنى الذي كانت تشغله تلك الوكالة. وأصبح مقر الشركة موطئ القدم الأول للمجموعة السعودية في بريطانيا ومهدا لولادة صحيفة العرب الدولية، الخضراء.
هذه الساحة كانت تعبق بالتاريخ والذكريات ففيها وضع العلامة البريطانية ساميول جونسون قاموسه الأول للغة الإنجليزية في المبنى المجاور. وكان فليت ستريت في تلك الحقبة القلب النابض لصناعة الصحافة البريطانية، ولعل ذلك المكان أغرب مقر لتبدأ منه ثورة الصحافة العربية.
عين الأخوان الناشران هشام ومحمد علي حافظ الصحافي جهاد الخازن ليتولى رئاسة تحرير الصحيفة وطلبوا منه بناء كادر مؤهل لإطلاق «الشرق الأوسط». وظهر العدد الأول من الصحيفة متأخرا ساعات قليلة عن الموعد المحدد وكانت تلك السويعات كافية لإفساد البرنامج المعد للتوزيع، وتم استئجار طائرة لتوصيل 40 ألف نسخة إلى السعودية. ولكن في عام 1980 كانت «الشرق الأوسط» من أوائل من اعتمدوا على إرسال الصفحات عن طريق الأقمار الصناعية.
في بداياتها، تألف كادر الصحيفة من عائلة صغيرة منهم عرفان نظام الدين الذي شغل منصب مدير التحرير، وعادل الأحمر سكرتير التحرير، وضمت أسرة التحرير حافظ إبراهيم خير الله وعبد الباري عطوان وحافظ القباني وحسن فؤاد وعادل صلاحي وعادل بشتاوي ووفائي دياب وحسن لقيس ومتعاونين من «بي بي سي». إلى جانب الموظفين الآخرين كالخطاطين وصفافي الأخبار وقسم الإنتاج والتركيب.
وعندما انطلقت الصحيفة، جاء العدد الأكبر من فريق الإنتاج من لبنان، حيث كانوا يعملون في مطبوعات مثل "النهار" و"الحياة" و"الديلي ستار". وكان محمد الملاح رئيس فريق الانتاج، وظل يعمل في "الشرق الأوسط" حتى تقاعده. وأحضر الملاح معه ابن اخيه، واسمه ايضا محمد للعمل كمصور.
ولا يزال البعض من طاقمها المؤسس جزءا من أسرة «الشرق الأوسط» اليوم. منهم إياد أبو شقرا مستشار هيئة التحرير الذي انضم إلى الصحيفة في يوليو (تموز) عام 1979. ويتذكر أبو شقرا لندن والصحيفة في تلك الأيام بقوله «كنا كالعائلة وكانت لندن في تلك الأيام مدينة هادئة (تنام) في عطلة نهاية الأسبوع والمحلات تغلق أبوابها مبكرا لذا كنا نمضي أوقاتنا مع بعضنا البعض». وعن تجربته في غف سكواير يضيف، «كان حلم حياتي أن أكون من أحد صحافيي فليت ستريت، وتحقق ذلك... مؤسسات مثل رويترز والديلي تلغراف والديلي إكسبريس... كنت أسمع عنها في الإذاعة ومن ثم بات مقر عملي جارها». ويكشف الصحافي اللبناني أنه «وسط المطبوعات البريطانية العريقة، كانت تتربع («الشرق الأوسط») على ذات الأكشاك والأجانب عرفوها بلون صفحاتها الخضراء». ويستطرد، «في تلك الأيام لم نشعر أننا غرباء عن باقي قاطني الشارع، بل شعرنا أننا جزء من المنظومة الصحافية».
الصحافي المصري حافظ قباني كان حاضرا من قبل موعد إصدار الصحيفة وتولى الدوليات في بداياتها كما تسلم لاحقا إدارة قسم الترجمة. ويتذكر أيضا البدايات ويقول «العلاقات الإنسانية كانت وطيدة والمناسبات التي كانت تقيمها الشركة كانت مميزة». ويضيف، «كنا في بادئ الأمر نتناول الغداء من المطعم التركي لعدم إلمامنا بالمطبخ البريطاني، لكن بعد فترة تمكنا من اكتشاف المطاعم الأخرى منها مطعم (يي أولد تشيشير تشيز) الذي اشتهر بزبائنه من أهل الصحافة». ومن ذكرياته في فليت ستريت اكتظاظه بمركبات الشحن الخاصة بالمطابع التي كانت توزع الورق، والأمسيات التي كان يقضيها في نادي الصحافة الدولي لحضور فعاليات ثقافية إلى جانب أبرز الصحافيين.
نديم فرحات، رئيس قسم التنفيذ في «الشرق الأوسط» انضم لعائلتها بعد ثلاثة أشهر على تأسيسها عندما كانت الطبعة تتألف من 12 صفحة فقط. ويكشف أن عملية تركيب الصفحات حينذاك كانت معقدة جدا بقوله «كانت تأتي المادة من المحرر إلى صفيف الأخبار الذي كان يطبعها ثم يحمضها، ثم كنا نفصل العنوان ثم نضع المادة على الشمع ونقصها بالشفرة وننظف حوافها بالبنزين ونرسلها للطباعة. كانت مهمة معقدة». ويضيف «تذكرني رائحة الشمع والبنزين في تلك الحقبة التي لطالما كانت لدي جروح طفيفة على أصابعي فيها من شفرة التركيب». ويستطرد، «كان عددنا كبيرا وكان لدينا ثلاثة خطاطين لكتابة العناوين من ضمنهم زميلنا الحالي عبده الريس».
ويتذكر يومياته في قسم التركيب ويقول «كانت مليئة بالإبداع والاعتماد كان على المهارات اليدوية وليس الكومبيوتر وأعتقد أنني أصبت بالإحباط عندما أدخل الكومبيوتر إلى مجال التركيب لأن العمل اليدوي كان يستهويني».
وحول مقر الصحيفة بجوار المطبوعات البريطانية يقول «ولو اختفى أحد الموظفين في تلك الأيام من المحررين أو المركبين كنا نبحث عنه في أحد تلك المطاعم. ومن أشهرها مطاعم (الفيش أند تشيبز)». ويتذكر اليوم الذي تزوجت فيه الأميرة ديانا من الأمير تشارلز ويقول «اكتظ شارع فليت ستريت بالصحافيين والمصورين يتنافسون لالتقاط أفضل صورة للثنائي الملكي عند مرور موكبهم المتجه إلى سانت بولز».
مع أن المخرج الفني لدى صحيفة «الشرق الأوسط» عادل نعمان لم يبدأ مسيرته في المطبوعة منذ انطلاقها، إلا أنه كان شاهدا على ذكريات غف سكواير من خلال عمله مع مطبوعات المجموعة السعودية الأخرى مثل «سيدتي» و«المجلة». كان يستقل سيارته إلى العمل، الأمر الذي اعتبره ميزة مقارنة بزحمة وسط لندن اليوم. وعن يومياته في فليت ستريت يقول «أتذكر المطاعم المجاورة التي كانت تقدم أطباقا منزلية من المطبخ الإنجليزي. تلك الأطباق تماشت مذاقاتها مع طابع شارع الصحافة البريطانية». ويضيف، «أشتاق إلى غف سكواير نفسه، رونقه كان مميزا جدا وكانت أياما جميلة أمضيناها هناك».
التحق أبو بكر بـ«الشرق الأوسط» عام 1983 كساعٍ أو مراسل. وعن تلك الأيام يقول «كانت («الشرق الأوسط») منذ انطلاقها حديث الناس في فليت ستريت لأنها المطبوعة العربية ذات الصفحات الخضراء وهكذا اشتهرت وعرفها العرب والأجانب». ويضيف، «عندما بدأت كان الصحافيون يكتبون بالقلم وكانت وظيفتي أن أوصل المقالات إلى قسم صف الأخبار ومن ثم إلى قسم التركيب وكانت عملية طويلة وشاقة». ويستطرد، «كما كنت أنتظر وصول الصور من الوكالات وإيصالها للمحرر المناسب وحتى كنت أزور مكتب أسوشييتد برس لتسلم الصور منهم. كنا نكد قبل التطور التكنولوجي لكن تاريخ بدايات المطبوعة من أسباب نجاحها وسمعتها اليوم». ويختتم حديثه، «اليوم لدينا ساعيان في («الشرق الأوسط»)، في تلك الأيام كان عددنا 12».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.