معضلة سيناء مع الإرهاب

تجاوزت إطار الحرب المحلية

معضلة سيناء مع الإرهاب
TT

معضلة سيناء مع الإرهاب

معضلة سيناء مع الإرهاب

تعيش شبه جزيرة سيناء معضلة حقيقية منذ عدة سنوات، كان أكثرها صعوبة في الأعوام التي أعقبت عزل الجيش المصري للرئيس الأسبق محمد مرسي، على خلفية مظاهرات شعبية عارمة ضد حكمه في صيف 2013. ومنذ ذلك الوقت، تغيرت كثير من الأمور، منها ما هو ظاهر، مثل مواجهات يسقط فيها ضحايا من رجال الجيش والشرطة ومن أبناء سيناء كما حدث في منطقة البرث، قبل أسبوع، وكذلك ما يرتبط بمسارات الطرق المرصوفة والدروب الترابية وحدود البلدات الصغيرة وتركيبة القبائل التي تعيش فيها. ومنها ما هو خفي ويتعلق أساساً بتحولات جارية في منطقة الشرق الأوسط... من ضمنها علاقة مصر بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) المهيمنة على قطاع غزة المجاور... وما يخص تحولات على الأرض تتعلق ببنود اتفاقية «كامب ديفيد» بين القاهرة وتل أبيب، الموقعة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وما تتضمنه من حظر لوجود الجيش المصري في المنطقة «ج» على حدود إسرائيل.
بينما يضع البعضُ في العمليات الإرهابية التي تشهدها شبه جزيرة سيناء، في شمال شرقي مصر، اللوم على حركات راديكالية مصرية وفلسطينية، وعلى قبائل في سيناء، وعلى ظروف إقليمية ودولية أصبحت شديدة التعقيد، يقول أشرف الحفني، أحد القيادات الشعبية في العريش، لـ«الشرق الأوسط»: «مشكلات سيناء تكمن في كامب ديفيد». بينما يقول محمد العزبي، الباحث السياسي والاستراتيجي في المركز العربي الأفريقي، لـ«الشرق الأوسط» جازماً: «مما لا شك فيه أن أطرافاً إقليمية تحاول ابتزاز الحكومة المصرية من خلال دعم المتطرفين في سيناء. هذا يحدث منذ سنين عديدة، ويزداد حسب الظروف».
قبل أكثر من سنتين توصلت القاهرة إلى تفاهمات مع الجانب الإسرائيلي، تعطيها الحق في دخول الجيش المصري، وليس قوات الشرطة فقط، إلى داخل المنطقة «ج» من أجل ملاحقة «الجماعات التكفيرية»، كما تصفها بيانات المتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية، العقيد أركان حرب، تامر الرفاعي.
ووفقاً لما أصدره الرفاعي، من مئات البيانات التي تتعلق بسير عمليات الجيش في سيناء، فقد تم القضاء على معظم العناصر «التكفيرية»، وأغلقت غالبية الأنفاق التي تمر من تحت الأرض بين جانبي سيناء وغزة. وتدمير آليات ومصادرة أسلحة وغيرها، إلى جانب مد يد العون للسكان المحليين في المدن والقرى المبعثرة في صحراء سيناء.
لكن رغم كل هذه الجهود، ورغم كسر شوكة الجماعات المتطرفة، ومقتل وهروب أعداد كبيرة من سيناء، فإنه، مع ذلك، يبدو أن المشكلة لا تريد أن تنتهي.
ويقول اللواء محمد قشقوش، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً: «لا شك أن الوضع في سيناء معقد للغاية... معقد جغرافياً وقبلياً. الأمر يتعلق أيضاً بخلفيات لم تكن طيبة تخص تعامل بعض من رجال الشرطة مع أبناء سيناء إبان نُظم الحكم السابقة».

محافظتا شبه الجزيرة
تنقسم شبه جزيرة سيناء الواقعة شمال شرقي مصر، إلى محافظتين... محافظة جنوب سيناء، وهي قليلة السكان، وتزخر بالمنتجعات السياحية، وأشهرها شرم الشيخ على البحر الأحمر. ومحافظة شمال سيناء، الأكثر سكاناً، وتقع على ساحل البحر المتوسط، وأشهر مدنها رفح الملاصقة لغزة والشيخ زويد، ثم العريش. وحسب اللواء قشقوش: «اليوم، المشكلة هنا... في الجزء الملاصق لغزة في محافظة شمال سيناء. هذه مساحة وعرة تضاريسيا، وتغطي نحو ألف كيلومتر مربع».
ومنذ وقت مبكر - أي بداية من عام 2004 - انطلقت من محافظة شمال سيناء عمليات إرهابية بسيارات مفخخة ضد مواقع سياحية في محافظة جنوب سيناء. ومع أن خطط التنمية لشبه الجزيرة عموماً كانت تسير على قدم وساق، فإنها كانت واضحة المعالم في الجنوب أكثر من الشمال، لدرجة أن الرئيس الأسبق حسني مبارك، اعتاد إقامة المؤتمرات الدولية واستقبال ضيوفه الكبار في منتجع شرم الشيخ.

مصطلح الإرهاب
ويتذكر مصدر قبلي يعمل مع السلطات الأمنية في العريش، تلك الأيام، ويقول: «منذ تفجيرات 2004 بدأنا نتعرف على مصطلح الإرهاب هنا. لم تكن مسؤولية مطاردة العناصر المتطرفة، تقع على عاتق الجيش، كما يحدث الآن، ولكن على رجال الشرطة».
وقعت مواجهات كثيرة. وردَّ الإرهابيون بتنفيذ تفجيرات وأعمال تخريبية أخرى في 2005 و2006 و2007. ويقول العزبي: «وقتذاك فازت حماس في الانتخابات، وانفردت بحكم غزة، وأرادت إدارة المعبر الوحيد لها مع العالم وهو معبر رفح. لقد انقلبت الأمور رأساً على عقب. كان لهذا تأثير سلبي كبير على الاستقرار في سيناء. كانت حماس تتحرش بمصر من خلال إقامتها شبكة من الأنفاق عبر الحدود». ويضيف: «انفراد حماس بغزة، كان له تأثير في تغذية الجماعات المتطرفة في سيناء. معروف أن حماس هي الذراع العسكرية لجماعة الإخوان. وبالتالي كان هناك دعم لوجيستي للشباب التكفيريين والخارجين من عباءة الجماعة، لاستخدمهم ورقة ضغط على الحكومة المصرية، وذلك من خلال تنفيذ عمليات مثل ما حدث في السابق في شرم الشيخ ودهب وطابا».
وعلى أثر ذلك زادت الشرطة المصرية من نشاطها في سيناء. لقد كان عدد الغرباء يتزايد في رفح والشيخ زويد والعريش. وجرت أكبر محاولة لاقتحام الحدود المصرية حين دفعت حماس بألوف الفلسطينيين إلى الأسوار الفاصلة بين جانبي رفح. وتم احتجاز ومحاكمة عدد من أبناء سيناء، وعدد من أعضاء حركة حماس، وكذلك خلية لحزب الله اللبناني كانت تنشط ما بين القاهرة وسيناء.
ويقول أحد القيادات القبلية في العريش: «وقتها بدأت العائلات هنا تعرف أسماء السجون من أجل زيارة المحبوسين... سجن الإسماعيلية، وسجن طرة، وسجن برج العرب، وغيرها». ويعلق اللواء قشقوش قائلاً: «كانت فترة صعبة تعامل فيها بعض رجال الشرطة بقسوة مع المواطنين. هذا ما زالت له آثار السلبية مستمرة حتى اليوم».

غزة بعد 2007
مصدر أمني مصري يقول إن حماس امتلكت زمام السلطة في غزة بعد 2007، لكنها تسببت في «فوضى في تركيبة الحركات الراديكالية في القطاع... تم طرد رجال الحرس الرئاسي (التابعين للرئيس الفلسطيني) من غزة إلى رام الله، والتنكيل بمعارضي حماس. واستغل المتطرفون كل هذه الثغرات للنمو والتكاثر على جانبي الحدود، خصوصاً في سيناء». واستمر الحال على هذا المنوال، إلى أن وقعت «ثورة 25 يناير 2011».
خلال السنوات السبع التي سبقت الإطاحة بمبارك، كانت هناك محاولات حثيثة لفرض الاستقرار في شمال سيناء، ووأد أي محاولة لتمدد المتطرفين، أو الوصول إلى منتجعات البحر الأحمر مرة أخرى، أو باقي المدن المصرية. ومن مقر إقامته في العريش يوضح، الحفني، وهو منسق اللجنة الإدارية للحركة الاشتراكية (يناير)، أن عدم تحقيق كثير من المطالب التي تخص سيناء، منذ وقت مبكر، أدى لاستمرار أزمة التنظيمات المتطرفة إلى أن وصلنا إلى تنظيم داعش.
بينما يقول المصدر القبلي المشار إليه: «حينذاك (في السنوات الأخيرة من حكم مبارك) ثار غضب قطاعات كثيرة من المواطنين، ممن تعارضت مصالحهم مع حملات الشرطة، ومع تدقيق رجال القانون».
أضف إلى ذلك الغضب من مداهمة البيوت، والاحتجاز لفترات طويلة. كان من ضمن مجالات العمل التي يمتهنها بعض أبناء سيناء، في تلك الفترة، تهريب المهاجرين غير الشرعيين القادمين من القارة الأفريقية ويسعون الوصول إلى إسرائيل، وكذلك تهريب الأسلحة والسلع عبر الأنفاق إلى غزة.
ويتابع: «في ظل تلك الظروف استمرت الشرطة في الضغط علينا (أي على شيوخ القبائل) لمنع الشباب من الانخراط في الأعمال غير القانونية من تهريب وتسلل وغيره، ولأنه لا توجد فرص عمل، بدأت سلطة شيوخ القبائل تتراجع رويداً رويداً طوال سنوات».

أخطاء الماضي
خلال السنوات السبع التي سبقت سقوط مبارك، أيضاً، وبين جدران السجون، التقى أصحاب الفكر المتطرف من أبناء سيناء، وكان بينهم قيادات، بالمئات من المحتجزين السيناويين، وغير السيناويين، ممن لم يكن لديهم أي أفكار متشددة في السابق. ويقول أحمد الزملوط، ابن العريش الذي يدير مؤسسة تنموية في شبه الجزيرة الصحراوية: «أخطاء الماضي، لم تعالج في حينه... اليوم يمكن أن ترى النتائج. أعتقد أنك إذا أردت أن تصحح أمراً ما، بعد فوات الأوان، فستكون عملية مكلفة. هذا ما يحدث عادة».
وظهرت أولى الهجمات الكبرى التي نفذها متطرفون من سيناء، بالأسلحة الثقيلة، قبل يومين من اندلاع «ثورة 2011». ووفقاً لمحاضر للشرطة، اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، وتعود لأيام 23 يناير، وما بعدها، فقد انطلقت العشرات من سيارات الدفع الرباعي المزودة بالقذائف الصاروخية، واجتاحت الكمائن الأمنية، في طريقها لاحتلال أقسام الشرطة في رفح والشيخ زويد، ومبنى مديرية الأمن في عاصمة المحافظة. ووفق وصف الزملوط: «كان الأمر، برمته، مخيفاً».
كانت نقطة انطلاق غالبية المتطرفين المهاجمين، حينذاك، من قرى قريبة من غزة، أشهرها قرية المهدية، التابعة لمدينة الشيخ زويد. وانهارت الشرطة في عموم مصر، وانسحبت يوم 28 يناير من الشوارع، وتوقفت عن التعامل مع الفوضى التي ضربت البلاد، بما في ذلك الوضع في سيناء. وفر من السجون ألوف من المحكومين في قضايا إرهابية وجنائية، بمن في ذلك المحكومين من خلايا حماس وحزب الله.

«الإخوان» في السلطة
ومع هيمنة جماعة الإخوان على السلطة في مصر، من خلال البرلمان أولاً، ثم رئاسة محمد مرسي للدولة، عاد المئات من المتشددين المصريين من خارج البلاد. وتمَّ كذلك إخراج زرافات ممن تبقى من المتطرفين، من السجون المصرية، ليس من متطرفي سيناء فقط، بل من معتنقي الأفكار المتشددة من باقي المحافظات المصرية أيضاً. وفرّ غالبية هؤلاء إلى سيناء عقب الإطاحة بمرسي. وبدأت دوامة العنف تتخذ طابعاً أكثر حدة، ما اضطر دبابات الجيش لاجتياز قناة السويس والدخول إلى سيناء، بما في ذلك المنطقة «ج». ودكت الطائرات حصون «التكفيريين» في رفح والشيخ زويد وفي جبل الحلال الوعر. ولكن، كما يتساءل اللواء قشقوش: «لماذا لم تتوقف عمليات المتطرفين حتى الآن؟».
قد يكون السؤال الشائع أيضاً: «لماذا يتكرّر العمل بهذا الأسلوب؟». الإجابة ليست سهلة. أولاً: لا يمكن تفتيش كل مواطن وكل سيارة في سيناء. «الحياة ستتوقف» كما يقول قشقوش. ومن المشكلات التي تواجه السلطات الأمنية في سيناء، صعوبة الكشف عن المواد المتفجرة المتقدمة، والمقصود بها «تلك التي لا تعطي مؤشرات ولا إنذاراً للأجهزة الإلكترونية». ويستخدم المتطرفون أسلحة نوعية، تم العثور على نماذج منها عقب هجوم البرث الذي خلف نحو 26 قتيلاً وجريحاً.
ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش المصري في تطهير سيناء من «التكفيريين»، خلال الشهور الأخيرة، فإن هناك مفردات تجعل الحرب على الإرهاب هنا ليست مسألة سهلة، ومنها الطبيعة الجغرافية الوعرة، حيث تكثر الأحراش والمزارع والأنفاق. وحسب قشقوش... «هذه المنطقة تشهد عمليات ضد الجيش وتعد معضلة رئيسية، وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع... هي بيئة حاضنة ممتازة، تشبه تقريباً بيئة فيتنام مع الأميركيين، التي كان يغلب عليها الكثافة السكانية في قرى صغيرة قزمية منتشرة في مناطق فيها مستنقعات، وفيها مناطق شجرية وغابات، فكان التعامل الأميركي معها صعباً للغاية».
ويشير إلى أن الوضع في سيناء أكثر تعقيداً حتى من مدينة الموصل التي تحصن فيها تنظيم داعش قبل هزيمته أمام القوات العراقية أخيراً. ومع ذلك يؤكد: «قضينا على نسبة كبيرة من خطر الإرهاب في سيناء، لكن الحرب معه ما زالت طويلة المدى».

إلى سوريا والعراق
مذ تضييق الجيش الخناق على المتطرفين في سيناء، فرّ المئات منهم إلى سوريا والعراق ودول أخرى، إلا أن هناك رحلة عكسية لهذه العناصر الخطرة، إلى ليبيا، ومن ثمَّ إلى مصر مجدداً، وذلك بعد الضربات التي تلقاها تنظيم داعش في الموصل والرقة. العزبي يقول إنه «من المستحيل عبور أي جهادي من ليبيا إلى سيناء... لكن من الممكن أن يكون هناك بعض الدعم اللوجيستي للموجودين في الداخل، لأن الجيش أحكم سيطرته على كل المنافذ المؤدية إلى سيناء، سواء نفق الشهيد أحمد حمدي، الواصل بين سيناء وغرب مصر، أو المعدِّيات التي تعبر بين ضفتي قناة السويس، أو كوبري السلام».
غير أن العزبي لا يستبعد دخول «تكفيريين» إلى سيناء من خلال معابر أخرى، إذ يقول: «عودة المتطرفين إلى سيناء، في الفترة الأخيرة، ممكن عن طريق البحر، أو الأنفاق مع غزة... توجد تقنيات لحفر نفق مخصص فقط لعبور الإرهابيين لتنفيذ عمليات، والعودة، ثم تفجير النفق بعد ذلك، لإخفاء معالمه، وهو ما يزيد من معضلة الوضع في سيناء أمام السلطات».
ويشير إلى أن استخدام المتطرفين للضغط على الحكومة المصرية لا يقتصر على حماس فقط، ولكن هناك دولاً في المنطقة تفعل ذلك أيضاً. ويقول إنه، على سبيل المثال: «لا يمكن أن نتوقع ترحيباً إسرائيلياً بوجود قوات مصرية ضخمة من الجيش قرب حدودها، خصوصاً في المنطقة (ج). فرغم موافقة الحكومة في تل أبيب على ذلك، هناك أطراف في إسرائيل تنظر بحظر للأمر، وأعتقد أنها متورطة في إقلاق الجيش في تلك المنطقة».
ويستطرد العزبي قائلاً إن «الإحداثيات التي يملكها الإرهابيون لتحديد مواقع القوات الأمنية من الجيش والشرطة، إحداثيات لا تملكها إلا أجهزة مخابرات دول. نحن نعلم أن قطر تقدم دعماً لوجيستياً لهؤلاء المتطرفين، لكن تميّز الجماعات الإرهابية في العمل الاستخباراتي وتحديد مواقع رجال الأمن، وتحركاتهم، يتم عبر أجهزة مخابرات لديها الهدف ذاته، وهو محاولة إنهاك الدولة المصرية، ليس من خلال تنفيذ عمليات إرهابية في سيناء فقط، ولكن في عموم البلاد».

التعويل على القبائل
وتعول السلطات المصرية في الفترة الأخيرة على تضامن وتعاون قبائل سيناء في مواجهة المتطرفين، وفي حرمانهم من أي بيئة حاضنة، أو أي مجالات للحركة، خصوصاً بعدما هاجم تنظيم داعش عدداً من أبناء هذه القبائل، وأقدم على قتلهم والتمثيل بجثثهم. ومنها قبائل السواركة والترابين. ووفق قشقوش: «يمكن أن نقول إن التعاون ضد الأغراب وضد الإرهابيين ازداد حين أضيرت هذه القبائل في عدد من أبنائها. لكن لو حدث تعاون أكبر بين الدولة والقبائل، في سيناء، سيكون المردود المعلوماتي أفضل». ويضيف أن «الحرب ضد الإرهاب في مثل هذه المناطق، تعتمد بنسبة 99 في المائة على المعلومات، وبنسبة 1 في المائة على العمل العسكري، وما أسهله... نحتاج لفيض من المعلومات الدقيقة بشكل مستمر»، مشيراً إلى أن الهجوم على أفراد الجيش في منطقة البرث يوم الجمعة قبل الماضي، سببه الرئيسي نقص في المعلومات... «في اعتقادي، لو كانت الشبكة المعلوماتية موجودة لتغير الأمر.. الدقائق تُحدث فرقاً كبيراً في مثل هذه الأحداث. الطرف الآخر يعتمد على المفاجأة».
ثم إن من نفذوا عملية يوم الجمعة قبل الماضي، ليسوا بالعدد القليل... فقد قتل الجيش نحو 40 منهم، وبالتالي فإن من كانوا يقفون وراء العملية، وفقاً لرأي قشقوش، لا يقلون عن 70 أو 80 فرداً أو أكثر... ويتساءل مجدداً: «أين اجتمعوا، وأين خططوا... لا بد أن يكونوا قد اجتمعوا في مكان معين... حتى لو تكلموا في التليفونات، فهي مراقبة. وهناك نسبة من التنصت، ولا يحدث عمل بمثل هذا الحجم إلا إذا حدث اجتماع كبير، أو أكثر من اجتماع كبير. لو كانت لديك هذه المعلومة، لكان لديك القدرة على إحباط العمل قبل أن يتم».
أخيراً، يبدو من نشاط «التكفيريين» في سيناء خلال الشهور الأخيرة أنه يوجد نقص في المتفجرات المتقدمة، إذ جرى اكتشاف عملية خلط، يقوم بها المتطرفون للمواد المحلية، من المتفجرات التي تعود إلى مخلفات الحرب العالمية الثانية، مع مواد حديثة شديدة التدمير. ويذكر مصدر عسكري في سيناء أنهم «يطوعون خامات محلية.. يخلطونها بمواد جرى تهريبها من ليبيا أو من قطاع غزة... يستخدمون كميات قليلة من الرصيد الشديد التفجير، كي لا ينضب، ويضعونه مع بعض المواد المحلية القابلة للانفجار. الفرق كبير جدا... تفجير 20 عبوة من المادة المحلية، مثل تفجير عبوتين من المواد المتقدمة. انفجار البرث كان ضخماً للغاية».



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.