معضلة سيناء مع الإرهاب

تجاوزت إطار الحرب المحلية

معضلة سيناء مع الإرهاب
TT

معضلة سيناء مع الإرهاب

معضلة سيناء مع الإرهاب

تعيش شبه جزيرة سيناء معضلة حقيقية منذ عدة سنوات، كان أكثرها صعوبة في الأعوام التي أعقبت عزل الجيش المصري للرئيس الأسبق محمد مرسي، على خلفية مظاهرات شعبية عارمة ضد حكمه في صيف 2013. ومنذ ذلك الوقت، تغيرت كثير من الأمور، منها ما هو ظاهر، مثل مواجهات يسقط فيها ضحايا من رجال الجيش والشرطة ومن أبناء سيناء كما حدث في منطقة البرث، قبل أسبوع، وكذلك ما يرتبط بمسارات الطرق المرصوفة والدروب الترابية وحدود البلدات الصغيرة وتركيبة القبائل التي تعيش فيها. ومنها ما هو خفي ويتعلق أساساً بتحولات جارية في منطقة الشرق الأوسط... من ضمنها علاقة مصر بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) المهيمنة على قطاع غزة المجاور... وما يخص تحولات على الأرض تتعلق ببنود اتفاقية «كامب ديفيد» بين القاهرة وتل أبيب، الموقعة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وما تتضمنه من حظر لوجود الجيش المصري في المنطقة «ج» على حدود إسرائيل.
بينما يضع البعضُ في العمليات الإرهابية التي تشهدها شبه جزيرة سيناء، في شمال شرقي مصر، اللوم على حركات راديكالية مصرية وفلسطينية، وعلى قبائل في سيناء، وعلى ظروف إقليمية ودولية أصبحت شديدة التعقيد، يقول أشرف الحفني، أحد القيادات الشعبية في العريش، لـ«الشرق الأوسط»: «مشكلات سيناء تكمن في كامب ديفيد». بينما يقول محمد العزبي، الباحث السياسي والاستراتيجي في المركز العربي الأفريقي، لـ«الشرق الأوسط» جازماً: «مما لا شك فيه أن أطرافاً إقليمية تحاول ابتزاز الحكومة المصرية من خلال دعم المتطرفين في سيناء. هذا يحدث منذ سنين عديدة، ويزداد حسب الظروف».
قبل أكثر من سنتين توصلت القاهرة إلى تفاهمات مع الجانب الإسرائيلي، تعطيها الحق في دخول الجيش المصري، وليس قوات الشرطة فقط، إلى داخل المنطقة «ج» من أجل ملاحقة «الجماعات التكفيرية»، كما تصفها بيانات المتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية، العقيد أركان حرب، تامر الرفاعي.
ووفقاً لما أصدره الرفاعي، من مئات البيانات التي تتعلق بسير عمليات الجيش في سيناء، فقد تم القضاء على معظم العناصر «التكفيرية»، وأغلقت غالبية الأنفاق التي تمر من تحت الأرض بين جانبي سيناء وغزة. وتدمير آليات ومصادرة أسلحة وغيرها، إلى جانب مد يد العون للسكان المحليين في المدن والقرى المبعثرة في صحراء سيناء.
لكن رغم كل هذه الجهود، ورغم كسر شوكة الجماعات المتطرفة، ومقتل وهروب أعداد كبيرة من سيناء، فإنه، مع ذلك، يبدو أن المشكلة لا تريد أن تنتهي.
ويقول اللواء محمد قشقوش، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً: «لا شك أن الوضع في سيناء معقد للغاية... معقد جغرافياً وقبلياً. الأمر يتعلق أيضاً بخلفيات لم تكن طيبة تخص تعامل بعض من رجال الشرطة مع أبناء سيناء إبان نُظم الحكم السابقة».

محافظتا شبه الجزيرة
تنقسم شبه جزيرة سيناء الواقعة شمال شرقي مصر، إلى محافظتين... محافظة جنوب سيناء، وهي قليلة السكان، وتزخر بالمنتجعات السياحية، وأشهرها شرم الشيخ على البحر الأحمر. ومحافظة شمال سيناء، الأكثر سكاناً، وتقع على ساحل البحر المتوسط، وأشهر مدنها رفح الملاصقة لغزة والشيخ زويد، ثم العريش. وحسب اللواء قشقوش: «اليوم، المشكلة هنا... في الجزء الملاصق لغزة في محافظة شمال سيناء. هذه مساحة وعرة تضاريسيا، وتغطي نحو ألف كيلومتر مربع».
ومنذ وقت مبكر - أي بداية من عام 2004 - انطلقت من محافظة شمال سيناء عمليات إرهابية بسيارات مفخخة ضد مواقع سياحية في محافظة جنوب سيناء. ومع أن خطط التنمية لشبه الجزيرة عموماً كانت تسير على قدم وساق، فإنها كانت واضحة المعالم في الجنوب أكثر من الشمال، لدرجة أن الرئيس الأسبق حسني مبارك، اعتاد إقامة المؤتمرات الدولية واستقبال ضيوفه الكبار في منتجع شرم الشيخ.

مصطلح الإرهاب
ويتذكر مصدر قبلي يعمل مع السلطات الأمنية في العريش، تلك الأيام، ويقول: «منذ تفجيرات 2004 بدأنا نتعرف على مصطلح الإرهاب هنا. لم تكن مسؤولية مطاردة العناصر المتطرفة، تقع على عاتق الجيش، كما يحدث الآن، ولكن على رجال الشرطة».
وقعت مواجهات كثيرة. وردَّ الإرهابيون بتنفيذ تفجيرات وأعمال تخريبية أخرى في 2005 و2006 و2007. ويقول العزبي: «وقتذاك فازت حماس في الانتخابات، وانفردت بحكم غزة، وأرادت إدارة المعبر الوحيد لها مع العالم وهو معبر رفح. لقد انقلبت الأمور رأساً على عقب. كان لهذا تأثير سلبي كبير على الاستقرار في سيناء. كانت حماس تتحرش بمصر من خلال إقامتها شبكة من الأنفاق عبر الحدود». ويضيف: «انفراد حماس بغزة، كان له تأثير في تغذية الجماعات المتطرفة في سيناء. معروف أن حماس هي الذراع العسكرية لجماعة الإخوان. وبالتالي كان هناك دعم لوجيستي للشباب التكفيريين والخارجين من عباءة الجماعة، لاستخدمهم ورقة ضغط على الحكومة المصرية، وذلك من خلال تنفيذ عمليات مثل ما حدث في السابق في شرم الشيخ ودهب وطابا».
وعلى أثر ذلك زادت الشرطة المصرية من نشاطها في سيناء. لقد كان عدد الغرباء يتزايد في رفح والشيخ زويد والعريش. وجرت أكبر محاولة لاقتحام الحدود المصرية حين دفعت حماس بألوف الفلسطينيين إلى الأسوار الفاصلة بين جانبي رفح. وتم احتجاز ومحاكمة عدد من أبناء سيناء، وعدد من أعضاء حركة حماس، وكذلك خلية لحزب الله اللبناني كانت تنشط ما بين القاهرة وسيناء.
ويقول أحد القيادات القبلية في العريش: «وقتها بدأت العائلات هنا تعرف أسماء السجون من أجل زيارة المحبوسين... سجن الإسماعيلية، وسجن طرة، وسجن برج العرب، وغيرها». ويعلق اللواء قشقوش قائلاً: «كانت فترة صعبة تعامل فيها بعض رجال الشرطة بقسوة مع المواطنين. هذا ما زالت له آثار السلبية مستمرة حتى اليوم».

غزة بعد 2007
مصدر أمني مصري يقول إن حماس امتلكت زمام السلطة في غزة بعد 2007، لكنها تسببت في «فوضى في تركيبة الحركات الراديكالية في القطاع... تم طرد رجال الحرس الرئاسي (التابعين للرئيس الفلسطيني) من غزة إلى رام الله، والتنكيل بمعارضي حماس. واستغل المتطرفون كل هذه الثغرات للنمو والتكاثر على جانبي الحدود، خصوصاً في سيناء». واستمر الحال على هذا المنوال، إلى أن وقعت «ثورة 25 يناير 2011».
خلال السنوات السبع التي سبقت الإطاحة بمبارك، كانت هناك محاولات حثيثة لفرض الاستقرار في شمال سيناء، ووأد أي محاولة لتمدد المتطرفين، أو الوصول إلى منتجعات البحر الأحمر مرة أخرى، أو باقي المدن المصرية. ومن مقر إقامته في العريش يوضح، الحفني، وهو منسق اللجنة الإدارية للحركة الاشتراكية (يناير)، أن عدم تحقيق كثير من المطالب التي تخص سيناء، منذ وقت مبكر، أدى لاستمرار أزمة التنظيمات المتطرفة إلى أن وصلنا إلى تنظيم داعش.
بينما يقول المصدر القبلي المشار إليه: «حينذاك (في السنوات الأخيرة من حكم مبارك) ثار غضب قطاعات كثيرة من المواطنين، ممن تعارضت مصالحهم مع حملات الشرطة، ومع تدقيق رجال القانون».
أضف إلى ذلك الغضب من مداهمة البيوت، والاحتجاز لفترات طويلة. كان من ضمن مجالات العمل التي يمتهنها بعض أبناء سيناء، في تلك الفترة، تهريب المهاجرين غير الشرعيين القادمين من القارة الأفريقية ويسعون الوصول إلى إسرائيل، وكذلك تهريب الأسلحة والسلع عبر الأنفاق إلى غزة.
ويتابع: «في ظل تلك الظروف استمرت الشرطة في الضغط علينا (أي على شيوخ القبائل) لمنع الشباب من الانخراط في الأعمال غير القانونية من تهريب وتسلل وغيره، ولأنه لا توجد فرص عمل، بدأت سلطة شيوخ القبائل تتراجع رويداً رويداً طوال سنوات».

أخطاء الماضي
خلال السنوات السبع التي سبقت سقوط مبارك، أيضاً، وبين جدران السجون، التقى أصحاب الفكر المتطرف من أبناء سيناء، وكان بينهم قيادات، بالمئات من المحتجزين السيناويين، وغير السيناويين، ممن لم يكن لديهم أي أفكار متشددة في السابق. ويقول أحمد الزملوط، ابن العريش الذي يدير مؤسسة تنموية في شبه الجزيرة الصحراوية: «أخطاء الماضي، لم تعالج في حينه... اليوم يمكن أن ترى النتائج. أعتقد أنك إذا أردت أن تصحح أمراً ما، بعد فوات الأوان، فستكون عملية مكلفة. هذا ما يحدث عادة».
وظهرت أولى الهجمات الكبرى التي نفذها متطرفون من سيناء، بالأسلحة الثقيلة، قبل يومين من اندلاع «ثورة 2011». ووفقاً لمحاضر للشرطة، اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، وتعود لأيام 23 يناير، وما بعدها، فقد انطلقت العشرات من سيارات الدفع الرباعي المزودة بالقذائف الصاروخية، واجتاحت الكمائن الأمنية، في طريقها لاحتلال أقسام الشرطة في رفح والشيخ زويد، ومبنى مديرية الأمن في عاصمة المحافظة. ووفق وصف الزملوط: «كان الأمر، برمته، مخيفاً».
كانت نقطة انطلاق غالبية المتطرفين المهاجمين، حينذاك، من قرى قريبة من غزة، أشهرها قرية المهدية، التابعة لمدينة الشيخ زويد. وانهارت الشرطة في عموم مصر، وانسحبت يوم 28 يناير من الشوارع، وتوقفت عن التعامل مع الفوضى التي ضربت البلاد، بما في ذلك الوضع في سيناء. وفر من السجون ألوف من المحكومين في قضايا إرهابية وجنائية، بمن في ذلك المحكومين من خلايا حماس وحزب الله.

«الإخوان» في السلطة
ومع هيمنة جماعة الإخوان على السلطة في مصر، من خلال البرلمان أولاً، ثم رئاسة محمد مرسي للدولة، عاد المئات من المتشددين المصريين من خارج البلاد. وتمَّ كذلك إخراج زرافات ممن تبقى من المتطرفين، من السجون المصرية، ليس من متطرفي سيناء فقط، بل من معتنقي الأفكار المتشددة من باقي المحافظات المصرية أيضاً. وفرّ غالبية هؤلاء إلى سيناء عقب الإطاحة بمرسي. وبدأت دوامة العنف تتخذ طابعاً أكثر حدة، ما اضطر دبابات الجيش لاجتياز قناة السويس والدخول إلى سيناء، بما في ذلك المنطقة «ج». ودكت الطائرات حصون «التكفيريين» في رفح والشيخ زويد وفي جبل الحلال الوعر. ولكن، كما يتساءل اللواء قشقوش: «لماذا لم تتوقف عمليات المتطرفين حتى الآن؟».
قد يكون السؤال الشائع أيضاً: «لماذا يتكرّر العمل بهذا الأسلوب؟». الإجابة ليست سهلة. أولاً: لا يمكن تفتيش كل مواطن وكل سيارة في سيناء. «الحياة ستتوقف» كما يقول قشقوش. ومن المشكلات التي تواجه السلطات الأمنية في سيناء، صعوبة الكشف عن المواد المتفجرة المتقدمة، والمقصود بها «تلك التي لا تعطي مؤشرات ولا إنذاراً للأجهزة الإلكترونية». ويستخدم المتطرفون أسلحة نوعية، تم العثور على نماذج منها عقب هجوم البرث الذي خلف نحو 26 قتيلاً وجريحاً.
ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش المصري في تطهير سيناء من «التكفيريين»، خلال الشهور الأخيرة، فإن هناك مفردات تجعل الحرب على الإرهاب هنا ليست مسألة سهلة، ومنها الطبيعة الجغرافية الوعرة، حيث تكثر الأحراش والمزارع والأنفاق. وحسب قشقوش... «هذه المنطقة تشهد عمليات ضد الجيش وتعد معضلة رئيسية، وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع... هي بيئة حاضنة ممتازة، تشبه تقريباً بيئة فيتنام مع الأميركيين، التي كان يغلب عليها الكثافة السكانية في قرى صغيرة قزمية منتشرة في مناطق فيها مستنقعات، وفيها مناطق شجرية وغابات، فكان التعامل الأميركي معها صعباً للغاية».
ويشير إلى أن الوضع في سيناء أكثر تعقيداً حتى من مدينة الموصل التي تحصن فيها تنظيم داعش قبل هزيمته أمام القوات العراقية أخيراً. ومع ذلك يؤكد: «قضينا على نسبة كبيرة من خطر الإرهاب في سيناء، لكن الحرب معه ما زالت طويلة المدى».

إلى سوريا والعراق
مذ تضييق الجيش الخناق على المتطرفين في سيناء، فرّ المئات منهم إلى سوريا والعراق ودول أخرى، إلا أن هناك رحلة عكسية لهذه العناصر الخطرة، إلى ليبيا، ومن ثمَّ إلى مصر مجدداً، وذلك بعد الضربات التي تلقاها تنظيم داعش في الموصل والرقة. العزبي يقول إنه «من المستحيل عبور أي جهادي من ليبيا إلى سيناء... لكن من الممكن أن يكون هناك بعض الدعم اللوجيستي للموجودين في الداخل، لأن الجيش أحكم سيطرته على كل المنافذ المؤدية إلى سيناء، سواء نفق الشهيد أحمد حمدي، الواصل بين سيناء وغرب مصر، أو المعدِّيات التي تعبر بين ضفتي قناة السويس، أو كوبري السلام».
غير أن العزبي لا يستبعد دخول «تكفيريين» إلى سيناء من خلال معابر أخرى، إذ يقول: «عودة المتطرفين إلى سيناء، في الفترة الأخيرة، ممكن عن طريق البحر، أو الأنفاق مع غزة... توجد تقنيات لحفر نفق مخصص فقط لعبور الإرهابيين لتنفيذ عمليات، والعودة، ثم تفجير النفق بعد ذلك، لإخفاء معالمه، وهو ما يزيد من معضلة الوضع في سيناء أمام السلطات».
ويشير إلى أن استخدام المتطرفين للضغط على الحكومة المصرية لا يقتصر على حماس فقط، ولكن هناك دولاً في المنطقة تفعل ذلك أيضاً. ويقول إنه، على سبيل المثال: «لا يمكن أن نتوقع ترحيباً إسرائيلياً بوجود قوات مصرية ضخمة من الجيش قرب حدودها، خصوصاً في المنطقة (ج). فرغم موافقة الحكومة في تل أبيب على ذلك، هناك أطراف في إسرائيل تنظر بحظر للأمر، وأعتقد أنها متورطة في إقلاق الجيش في تلك المنطقة».
ويستطرد العزبي قائلاً إن «الإحداثيات التي يملكها الإرهابيون لتحديد مواقع القوات الأمنية من الجيش والشرطة، إحداثيات لا تملكها إلا أجهزة مخابرات دول. نحن نعلم أن قطر تقدم دعماً لوجيستياً لهؤلاء المتطرفين، لكن تميّز الجماعات الإرهابية في العمل الاستخباراتي وتحديد مواقع رجال الأمن، وتحركاتهم، يتم عبر أجهزة مخابرات لديها الهدف ذاته، وهو محاولة إنهاك الدولة المصرية، ليس من خلال تنفيذ عمليات إرهابية في سيناء فقط، ولكن في عموم البلاد».

التعويل على القبائل
وتعول السلطات المصرية في الفترة الأخيرة على تضامن وتعاون قبائل سيناء في مواجهة المتطرفين، وفي حرمانهم من أي بيئة حاضنة، أو أي مجالات للحركة، خصوصاً بعدما هاجم تنظيم داعش عدداً من أبناء هذه القبائل، وأقدم على قتلهم والتمثيل بجثثهم. ومنها قبائل السواركة والترابين. ووفق قشقوش: «يمكن أن نقول إن التعاون ضد الأغراب وضد الإرهابيين ازداد حين أضيرت هذه القبائل في عدد من أبنائها. لكن لو حدث تعاون أكبر بين الدولة والقبائل، في سيناء، سيكون المردود المعلوماتي أفضل». ويضيف أن «الحرب ضد الإرهاب في مثل هذه المناطق، تعتمد بنسبة 99 في المائة على المعلومات، وبنسبة 1 في المائة على العمل العسكري، وما أسهله... نحتاج لفيض من المعلومات الدقيقة بشكل مستمر»، مشيراً إلى أن الهجوم على أفراد الجيش في منطقة البرث يوم الجمعة قبل الماضي، سببه الرئيسي نقص في المعلومات... «في اعتقادي، لو كانت الشبكة المعلوماتية موجودة لتغير الأمر.. الدقائق تُحدث فرقاً كبيراً في مثل هذه الأحداث. الطرف الآخر يعتمد على المفاجأة».
ثم إن من نفذوا عملية يوم الجمعة قبل الماضي، ليسوا بالعدد القليل... فقد قتل الجيش نحو 40 منهم، وبالتالي فإن من كانوا يقفون وراء العملية، وفقاً لرأي قشقوش، لا يقلون عن 70 أو 80 فرداً أو أكثر... ويتساءل مجدداً: «أين اجتمعوا، وأين خططوا... لا بد أن يكونوا قد اجتمعوا في مكان معين... حتى لو تكلموا في التليفونات، فهي مراقبة. وهناك نسبة من التنصت، ولا يحدث عمل بمثل هذا الحجم إلا إذا حدث اجتماع كبير، أو أكثر من اجتماع كبير. لو كانت لديك هذه المعلومة، لكان لديك القدرة على إحباط العمل قبل أن يتم».
أخيراً، يبدو من نشاط «التكفيريين» في سيناء خلال الشهور الأخيرة أنه يوجد نقص في المتفجرات المتقدمة، إذ جرى اكتشاف عملية خلط، يقوم بها المتطرفون للمواد المحلية، من المتفجرات التي تعود إلى مخلفات الحرب العالمية الثانية، مع مواد حديثة شديدة التدمير. ويذكر مصدر عسكري في سيناء أنهم «يطوعون خامات محلية.. يخلطونها بمواد جرى تهريبها من ليبيا أو من قطاع غزة... يستخدمون كميات قليلة من الرصيد الشديد التفجير، كي لا ينضب، ويضعونه مع بعض المواد المحلية القابلة للانفجار. الفرق كبير جدا... تفجير 20 عبوة من المادة المحلية، مثل تفجير عبوتين من المواد المتقدمة. انفجار البرث كان ضخماً للغاية».



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».