{أصيلة} يرصد الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة والديمقراطية

بن عيسى دعا إلى عزل الظاهرة عن الحركات الآيديولوجية التي تشكل وقوداً لها

TT

{أصيلة} يرصد الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة والديمقراطية

طغى موضوع خطاب الشعبوية في النظام الإقليمي والدولي على حلقة النقاش الأولى في الندوة الثانية لمنتدى أصيلة الـ39 التي انطلقت أعمالها مساء أول من أمس، وحملت عنوان «الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة الديمقراطية»، وذلك بحضور ثلة من الخبراء والمفكرين المغاربة والعرب والأجانب، الذين رصدوا تأثير هذا الخطاب على الإنسانية والحلول الممكنة في ظل الوضع الراهن.
ودعا الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، محمد بن عيسى، أول من أمس، بأصيلة في كلمة تقديمية للندوة إلى عزل الشعبوية عن الحركات الآيديولوجية التي تشكل وقودا لها.
وقال إن المطلوب الآن في مواجهة التيارات الشعبوية الفوضوية هو «الانكباب على التأمل والتفكير في أوضاعنا العربية والأفريقية، من زاوية أن الشعبوية حالة يجب عزلها عن الحركات الآيديولوجية التي تستمد منها النار»، مضيفا أنه يتعين أيضا «تقوية الأواصر الفكرية بين النخب العربية والأفريقية لتستعيد مكانتها ودورها التنويري في المجتمع»، فضلا عن «تفعيل قنوات الاتصال بالغرب وفتح حوار مع نخبة ومؤسساته الفاعلة لتبيان مخاطر الانسياق في التعاطي العاطفي مع التيارات الشعبوية الفوضوية».
وتساءل بن عيسى: «ضمن أي خانة فكرية وسياسية نصنف تجارب الاحتجاج، أو الحراك الذي عرفته بعض المجتمعات العربية والأفريقية والأوروبية؟ هل هو مجرد مطلب ملح لتحقيق العدالة الاجتماعية ؟ أم تقف وراءه خلفيات وأجندات سياسية يجهلها المحتجون أنفسهم؟»، محذرا في هذا السياق من أن الغرب يخطئ في تشخيص وتقييم الأوضاع في المجتمعات الساعية إلى الديمقراطية حينما يطالب بتطبيق معاييره في التعاطي مع «النزعات الشعبوية التي تحركها الأمية والغرائز والعنف الأعمى، وهذا ما حدث فيما يسمى بالربيع العربي».
وسجل الأمين العام لمنتدى أصيلة أنه رغم «تباين» مواقف الغرب من التيارات الشعبوية داخله، لكنه «قادر على احتواء غلوها وحماستها، بالنظر إلى مناعة مؤسساته الديمقراطية وقوة اقتصاده وتعايش وتقبل المجتمع الأفكار المتطرفة»، مضيفا أن ذلك جانب من «واجهة ديمقراطية خاصة بالغرب، تقبل دخول أحزاب شعبوية إلى البرلمان، بينما الوضع مختلف في المجتمعات الساعية إلى الديمقراطية». كما أبرز بن عيسى أن الشعبوية لم تعد مجرد أفكار «مبعثرة خارجة عن الانسياق الفكري المعروف» تتساكن وتتعايش مع الآراء المخالفة لها في المجتمع الواحد، بل تسعى لاقتحام معاقل السلطة وادعاء القدرة على تنظيم مغاير للمجتمع. وخلص إلى القول إنه «لا مانع من أن تحتل الشعبوية السلمية حيزا ضيقا في الصرح الديمقراطي الذي ننشده، بما يشحذ الأفكار ويثري النقاش بين الفاعلين ليسود الاستقرار في خاتمة المطاف».
بدوره، قال ميغيل أنخيل موراتينوس، وزير الخارجية والتعاون الإسباني الأسبق، إن الشعبوية ذات وجهين: شعبوية وطنية وأخرى دولية، وبالتالي لا يمكن فهم تأثيرها على المستوى الوطني دون إدراك التأثير الدولي لها، مضيفا أن للشعبوية تأثيرا في الطبقات السياسية بكل من إسبانيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والدول الإسلامية. أما على الصعيد الدولي فيرى موراتينوس أن الشعبوية انعكست على التجارة الدولية والاتفاقيات المتعددة الأطراف ففقدت العولمة وجهها الإنساني، ولم تستطع تحقيق الترابط بين الدول إلا سلبيا، وأضاف أن العالم احتاج إلى قرون لبناء منظومة الضمان المشترك للتهديد المشترك، وعندما كان القرار يصنعه الأقوياء نيابة عن الضعفاء كانت الاتفاقيات الدولية هي التي تخلق التوازن لتقف أمام الشعبوية.
وتحدث محمود جبريل، رئيس المكتب التنفيذي السابق للمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا، عن تأثير الشعبوية على المجتمعات العربية، وقال إن هذه الأخيرة تعاني من الصدى، أي المصطلحات التي تروج في العالم ويتم ترديدها في المجتمعات ككل.
كما تطرق جبريل لموضوع الفرد في العالم العربي، وفي العالم الذي أصبح ممكنا أكثر من ذي قبل بالمعلومة عن طريق التواصل التقني، وأصبحت المجتمعات تتحدث ككتل تطرح توقعات في ظل فشل اقتصادي وتتحول إلى احتجاجات تتنامى بشكل مستمر، موضحا في هذا الصدد أنه إذا لم تكن صياغة عقل جديد يتعامل مع العصر وتأطير الحراك الشعبي، فسيشهد العالم توترا كبيرا بين مفهوم الأمن والديمقراطية، ويصبح الطلب حثيثا على استعادة الأمن على حساب الديمقراطية السليمة.
ومن جانبه، عبر طاهر المصري، رئيس الوزراء الأردني الأسبق ورئيس مجلس الأعيان الأسبق، عن اندهاشه من توصيف المجتمعات الغربية للديمقراطية إذا ما تمت مقارنة ذلك بتصرفاتهم وأساليب حكمهم التي تميز بها استعمارهم في بلدان كثيرة، والشعبوية كمفهوم في نظر المصري، لا تزال بفعل تعريفاتها الناقصة وغير المحددة قادرة على التستر وتحويل ملامحها بدعوى المقدس ودعوى الانتماء الأعمى تارة، وتطل اليوم على العالم باسم الهويات المحلية تارة، وباسم الإرهاب والتطرف تارة أخرى.
وعن الشعبوية في شرق أوروبا ودول البلقان، تحدث فيوك جيريميكش، وزير خارجية صربيا سابقا ورئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة الـ67 عن عدم تفاؤله وعدم اتفاقه مع أن الشعبوية لها شعبية، ففي شرق أوروبا كانت هناك دائما على مر التاريخ موجات الشعبوية، مشيرا إلى أن هناك قادة لهم دور كبير في تكريسها، وأنها في تصاعد كبير. لكن مع الديمقراطية يمكن تصحيح المسار، لكن تبعات الموجة الجديدة لما سيشهده الحكم هو كمثل مريض، حيث تبقى هناك دائما تبعات وأعراض العلاج فيما بعد قائمة.
وأوضح جيريميكش أن تصاعد الحراك الشعبوي أصبح مقلقا بشأن ما يتعلق بمعالجة مشكلات التيارات السياسية الجديدة، وقدم مثالا على ذلك بالولايات المتحدة التي سحبت الدعم من الاتفاقيات الأوروبية، خصوصا اتفاقية المناخ، موضحا أن هذا النوع من الخطابات الجديدة أصبح مهيمنا، وأبدى تخوفه من أن المفكرين الأوروبيين سيتوانون عن المشاركة في المنتديات الأوروبية، وستستمر التوجهات الجديدة والراهنة مما يهدد بحدوث أزمة.
من جانبه، استهل مصطفى حجازي، وهو مختص في الاستراتيجية السياسية ورئيس مؤسسة «سكوير» للفكر الإنساني بالقاهرة، حديثه عن العصر الإنساني الجديد الذي سماه «ما بعد الصناعة والمعلوماتية»، أو «عصر الحكمة والمبدأ»، وهو عملية إتاحة المعلومات على مدى أوسع واختزال المعرفة، حيث يصبح الحكم فيه على قدر كبير من الخطأ، ووصف الإنسانية بأنها تتخبط وأصبحت تعبر عن نفسها من خلال الاحتجاج في الشارع، وهي تجليات تقود الإنسانية إلى انتقاد كل ما تعودت عليه من تعريفات قديمة، مثل العدل والحرية والنظم السياسية والاقتصادية، مشيرا في هذا الصدد إلى خروج نوعين من البشر إلى الشارع: الأول النخبة المرنة التي وجدت مكانا في الشوارع وموقعا في الحكم. والفئة الثانية هي فئة من الجمهور الغير المفكر الذي لا يستجيب لنداءات العقل.
في السياق ذاته، قال أنطونيو دي أغويار باتريوتا، سفير البرازيل لدى إيطاليا والممثل الدائم السابق للبرازيل لدى الأمم المتحدة ووزير الخارجية سابقا، إن هذا الخطاب يتم طرحه دائما بمنظور الدول وإرثها، ودائما ما يتم الربط بين الشعبوية وتصاعد الانتمائية وتصاعد القومية، لكن بالنسبة لتجربة البرازيل يوضح باتريوتا أن الشعبوية لم تكن لها علاقة بكراهية الأجانب، فهذا التوجه بالنسبة للبرازيل كانت له بعض المزايا بإعطائها فرصة لفتح النقاش حول قضايا العدالة الاجتماعية، مشيرا إلى أن الشعبوية ليست بالضرورة أن تكون استبدادية، لأنها استطاعت أن تجد لها مكانا.
أما محمد تاج الدين الحسيني، الخبير في الشؤون السياسية وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، فقال إن الشعبوية لها تعريفات كثيرة، وإنها فلسفة سياسية وآيديولوجية تتجه عن طريق توظيف الدعاية من أجل استقطاب الجماهير والتأثير عليها من خلال نشر معلومات بطريقة موجهة لدغدغة مشاعر الجماهير واستقطابها من أجل رؤية محددة، مبرزا أن الديماغوجية لها أساليب كثيرة لخداع الجماهير والتأثير عليها واستغلالها للحصول على السلطة أو للحفاظ عليها، وهي مقاربة استبدادية لا تستعمل فقط من طرف الحاكم، بل تستغلها المعارضة أيضا.



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».