بعد أربعة أيام على بدء سريان هدنة الجنوب في محافظات السويداء والقنيطرة ودرعا، وما رافقها من غموض حول المناطق التي يشملها الاتفاق بالتفصيل لا سيما في ظل تكثيف النظام حملته على البادية السورية، كشف المبعوث الأميركي إلى سوريا مايكل راتني، أن شمال السويداء والقلمون بريف دمشق، ليسا جزءا من هذه الهدنة، مقدرا في الوقت عينه التزام الجبهة الجنوبية بوقف إطلاق النار، ومشيرا إلى أن الخطوات اللاحقة سوف تؤدي إلى نشر قوات مراقبة في المنطقة.
وأكد راتني، في الرسالة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، أن هذا الاتفاق ليس خطوة باتجاه تقسيم سوريا، وإنما هو محاولة لإنقاذ الأرواح وخلق مناخ أكثر إيجابية لعملية سياسية وطنية برعاية الأمم المتحدة، موضحا أنه «يشمل الأراضي التي يسيطر عليها الثوار على حدود الأردن والجولان غرب السويداء، ولا يشمل المناطق الواقعة شمال السويداء أو القلمون».
ومنذ اليوم الأول للهدنة بدأ النظام حملة عسكرية على البادية، حيث السيطرة لفصائل «الجيش الحر» وبالتحديد «جيش أسود الشرقية» و«قوات الشهيد أحمد عبدو»، مسجلا مزيدا من التقدم في ريفي دمشق والسويداء بعد استقدامه التعزيزات العسكرية.
وفي حين تؤكد فصائل المعارضة أنها لم تطلع على خرائط هدنة الجنوب، قال المتحدث باسم الجبهة الجنوبية الرائد عصام الريس، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهدف من استثناء هذه المنطقة من الاتفاق هو «إنجاح الهدنة في البداية بمناطق محددة ومن ثم توسيعها إلى المناطق المعقدة والصعبة جغرافيا»، مشيرا في الوقت عينه إلى أن «النظام يستفيد من هذه الهدنة ومثيلاتها التي لا تضع قيودا على تحركات قواته».
ويتفق كل من الخبير العسكري العميد المتقاعد خليل الحلو والمعارض أحمد أبا زيد، على أن استثناء واشنطن لهذه المنطقة بالتحديد هو لحماية قاعدتها العسكرية في منطقة التنف، بينما يعتبر المتخصص في الجماعات المتطرفة عبد الرحمن الحاج، أنه لو لم تستثن هذه المنطقة من الاتفاق لما يتم التوصل إليه، لأن من دونه سيكون تأمين الممر البري نحو العراق أصعب بكثير.
ويوضح الحلو لـ«الشرق الأوسط»: «سلوك واشنطن العسكري منذ بدء هدنة الجنوب وما رافقها من حملة عسكرية من قبل النظام على البادية، يبدو واضحا منه أن هذه المنطقة مستثناة من الاتفاق، والدليل على ذلك غياب أي موقف من واشنطن التي كانت قبل ذلك قد استهدفت طائرات تابعة للنظام عند اقترابها من قاعدة التنف، وهو ما يبدو أنه متفق عليه».
بدوره يقول أبا زيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن «استثناء شمال السويداء يعني تخلي واشنطن عن مشروع دخول دير الزور من الجنوب كي يتم الدخول إليها من الشمال وحماية قاعدة التنف العسكرية الموجودة في المنطقة، وبالتالي ترك فصائل هذه المنطقة لمصيرها، وهو الأمر الذي يجد فيه النظام والإيرانيون فرصة للتقدم أكثر في البادية نحو السحنة، حيث المحطة الحرارية ومن ثم إلى البوكمال على الحدود العراقية، فيما لا تحظى الفصائل في هذه المنطقة، بأي غطاء جوي من قبل التحالف الدولي».
ويقول عبد الرحمن الحاج، لـ«الشرق الأوسط»: «حاول النظام والإيرانيون التسابق نحو أكبر قدر من مساحات البادية لفرض وقائع يصعب تغييرها من جهة، وتأمين مساحات كبيرة تؤمن الممر البري نحو العراق وتجعل تهديده صعبا، ومن جهة ثالثة وهذا مهم بالنسبة إلى النظام، هو التسابق نحو آبار النفط»، مضيفا: «إذا لم يتحرك الأميركيون لمساعدة فصائل المعارضة، فالإيرانيون وميليشياتهم سيحققون مسعاهم في نهاية المطاف، إذ إن الهدوء في الجنوب سيوفر لها المقاتلين ويساعدها في تركيز الهجوم على البادية».
وفي رسالته قال راتني: «في نهاية المطاف، نتوخى الوصول إلى ترتيب أكثر دقة ومتانة لوقف إطلاق النار في جنوب غربي سوريا، بما في ذلك آليات قوية للمراقبة، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين علينا القيام به للتوصل إلى اتفاق على كل هذه التفاصيل». وأكد أن وقف إطلاق النار الذي أعلن نهاية الأسبوع الماضي هو ترتيب مؤقت يهدف إلى خلق بيئة أفضل لمناقشة خفض التصعيد في منطقة الجنوب بمزيد من التفصيل. وقد كان وقف إطلاق النار ضروريا بسبب التصعيد الذي شهدته تلك المنطقة خلال الأيام والأسابيع الماضية».
وأضاف: «أما بالنسبة لتفاصيل هذا الاتفاق، فهو في جوهره عبارة عن تعهد باستخدام تأثيرنا - نحن والروس - على جميع الأطراف لوقف القتال، ويضع تصورا لخطوات معينة نعتقد أنها يمكن أن تساعد في تعزيز وقف إطلاق النار. وتلك الخطوات تتضمن إمكانية نشر قوات مراقبة في المنطقة وتشكيل مركز مراقبة».
وختم: «سوف نستمر في مباحثاتنا مع الأطراف المعنية في الأسابيع المقبلة حول تنفيذ خطة خفض التصعيد في جنوب غربي سوريا. وفي غضون ذلك، نأمل أن يؤدي هذا الاتفاق إلى وضع حد للعنف».
وفي حين سجّل يوم أمس تراجعا في وتيرة الخروقات في الجنوب السوري الخاضع لاتفاق الهدنة في محافظات السويداء والقنيطرة ودرعا، استمرت حملة النظام على البادية حيث حققت قواته تقدما في ريفي دمشق والسويداء. وقال المتحدث الإعلامي باسم «أسود الشرقية» سعد الحاج، إن النظام يستقدم مزيدا من التعزيزات العسكرية الضخمة من عتاد ودبابات إلى المنطقة، مشيرا إلى اشتباكات عنيفة ومتواصلة بالقرب من منطقة محروثة وقصف عنيف من الطيران الروسي على جميع المحاور في ريفي دمشق والسويداء.
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن الطائرات الحربية نفذت عدة غارات على مناطق في محيط منطقتي خبرات فكة ومحروثة في البادية السورية، وسط تحليق عدة طائرات حربية في سماء المنطقة، لافتا إلى أن المنطقة الواقعة في الريف الجنوبي الشرقي لدمشق، المحاذي لريف السويداء الشمالي الشرقي، تشهد اشتباكات عنيفة بين جيش أسود الشرقية وقوات أحمد العبدو من جهة، وقوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة أخرى، وتحديدا في محور أبو محروثة التي كان قد سيطر عليها وام جويف والغداة في البادية السورية، مترافقة مع قصف قوات النظام على مناطق الاشتباك.
واشنطن ترفع الغطاء عن البادية وتحمي «التنف»... وشمال السويداء خارج «هدنة الجنوب»
راتني في رسالة للمعارضة: نقدر التزامكم وقف النار... والاتفاق ليس خطوة للتقسيم
دمار في بلدة دوما بريف دمشق التي تسيطر عليها المعارضة (رويترز)
واشنطن ترفع الغطاء عن البادية وتحمي «التنف»... وشمال السويداء خارج «هدنة الجنوب»
دمار في بلدة دوما بريف دمشق التي تسيطر عليها المعارضة (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



