مغامرات خيالية فوق أرض عربية شمال كاليفورنيا

هل سيتم تصوير المزيد من الأفلام في منطقة الخليج؟

من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي  -  «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا
من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي - «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا
TT

مغامرات خيالية فوق أرض عربية شمال كاليفورنيا

من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي  -  «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا
من «ستار وورز.. الفصل السابع» الذي صُوّرت بعض مناظره في أبوظبي - «المريض الإنجليزي»، وظّف الصحراء جيدا

عندما تم الإعلان، قبل أشهر قليلة، عن قيام شركة «ديزني» بتصوير أجزاء من فيلمها المقبل «ستار وورز: الفصل السابع» في إمارة أبوظبي، شعر المتابعون لنشاطات السينما في الإمارات العربية المتحدة بحبور كبير، كون واحد من أكثر الأفلام شهرة ومن بين أضخمها إنتاجا وتمويلا اختار التصوير في صحراء أبوظبي.
بعض ردود الفعل أوحت بالاعتقاد بأن العديد من المشاهد سيتم تصويرها في صحراء الإمارة، وتكهّن آخرون بأن بعض كبار ممثلي الفيلم، مثل هاريسون فورد وأندي سركيس ودومنول غليسون، سيحطّون في الإمارة تلبية لضروريات العمل.
لكن الحقيقة أن ما تم تصويره هناك هو مشاهد مساندة، أو كما يطلق عليها اسم «Second Unit Work»، وهي مناظر أساسية لا يمكن توفيرها في أي مكان آخر غالبا ما تصوّر من دون أبطال الفيلم كونها عامة ومساندة. بينما التصوير الفعلي للفيلم سيتم في استوديوهات «باينوود» قرب لندن، بل وهو بدأ فعلا هذا الشهر.
على أن اختيار الإمارات العربية المتحدة للتصوير فيها هو قرار مهم بحد ذاته أقدمت عليه «ديزني» بعد دراسة ميدانية واتصالات مكثفة. المهم تحديدا هو أن مدينة أبوظبي تستطيع الآن كسب ثقة لا تمنحها المؤسسات السينمائية الأميركية بسهولة تماما كما فعلت دبي قبل عامين عندما استقبلت فيلم «المهمة: مستحيلة 4» الذي أنتجته «باراماونت». الاختلاف هو أن التصوير في دبي كان تصويرا أساسيا حضره توم كروز وجيمي رَنر وبعض الممثلين المشاركين بالفعل. هذا مرده أن السيناريو تطلّب ذلك كون بعض الأحداث (نحو 40 في المائة من الفيلم) تدور حول محاولة توم كروز اقتحام شقة في أحد الطوابق العليا من برج خليفة.
بذلك، كل من أبوظبي ودبي مطروحة، على أساس أنهما تستطيعان استقبال أكبر الإنتاجات السينمائية وتوفير الأرضية اللوجيستية والتقنية المطلوبة لعملية تصوير ناجح محاط باهتمام الدولة لتنشيط هذا القطاع التواصلي مع العالم المحيط.

* صحاري
التصوير في الصحراء ليس مجرد حضور سينمائيين ومعدات تصوير، بل يداخله فن صعب من شروطه ملاءمة ما يتم تصويره مع النظرة (The look) العامة للفيلم واندماج تصميمه الإنتاجي مع باقي ما سيتم تصويره (أو ما تم تصويره في حالات أخرى). كذلك هو دقيق لأن للصحراء شروطها الطبيعية: إضاءتها المبهرة وشمسها الساطعة وألوانها الخاصّة.. وسابقا كان من الصعب الحفاظ على المعدّات في حالة جيّدة، إذ غالبا ما تتسلل إليها الرمال. وهذه الصعوبة لم تضمحل اليوم، لكن تأثيرها خف بفضل استنباطات الأجهزة الحديثة.
التصوير في مدينة عربية هو أمر نادر. الأكثر انتشارا هو التصوير في الصحراء.. وليس أي صحراء. إذا ما أردت صحراء حقيقية، تلك التي تتألف من «تريليون» من الرمال الصغيرة جدا (بحجم الذرة) في كل مائتي متر مربع، ومن كثبان لا متناهية ونخيل وواحات، فما عليك إلا الصحراء العربية على الرغم من تعدد الصحاري في العالم. في أميركا أراض صحراوية تتوزع بين كاليفورنيا وتكساس وأريزونا ويوتا، وفي الصين هناك صحراء كبيرة شمال غربي البلاد (اسمها غوبي)، كذلك هناك صحراء في الجزء الجنوبي من أفريقيا، وأرضان صحراويتان في أستراليا، لكنها صحاري ذات بيئة طبيعية تختلف من مكان لآخر: بعضها، مثلا، صخري، وبعضها الآخر عبارة عن أرض ملساء مشققة في أخاديد طويلة ومتقاطعة، وبعضها الثالث من التربة الحمراء. ولبعضها نباتات تكشف عن مكانها مما يعوق قبولها إذا ما كان الفيلم يقص حكاية تدور في الصحراء العربية التي باتت عنوانا للبيئة العربية من أفلام الإعلانات إلى فيلم بحجم «لورنس العرب».

* هنا وهناك
وليس كل ما يتم تصويره في الصحراء العربية يحمل شخصيات أو مواضيع عربية متّصلة. «ستار وورز.. الفصل السابع» الحالي، كما كان «ستار وورز» الأول (1977) الذي تم تصويره في تونس، عملان من تلك التي تستعير المنظر. بينما «المهمة: مستحيلة 4» أراد الموقع (برج خليفة) داخل المدينة. مثله في ذلك مثل «لورنس العرب» (1962) الذي صُوّر في الأردن و«جوهرة النيل» (1985) الذي تم تصويره في المغرب. هذا الفيلم كان واحدا من تلك التي أساءت إلى البلد الذي استقبلها بالترحاب، إذ صوّرته على نحو يخدم تنميطا معروفا، وذلك على عكس «المريض الإنجليزي» لأنطوني منغيلا (1996) الذي صُور في تونس أو «بابل» لأليخاندرو كونزاليس إيناريتو الذي صوّر سنة 2005 في المغرب. كلاهما حافظ على جمال الصحراء والبيئة ومن فيهما.
الأمر اللافت هو أن غالبية ما تم تصويره في العالم العربي جاء يطلب الصحراء في حد ذاتها. البادية وحكايات ألف ليلة وليلة ومشاهد الجمال والرحّالة والقوافل التي تنتقل فوق الرمال في تلك المساحات الرملية الصفراء الواسعة، كانت مطلبا جماليا من ناحية، وتهدف إلى التماثل مع الواقع ومنح الفيلم مصداقية ما من ناحية أخرى.
في هذا الصدد جذب المغرب والجزائر وتونس عشرات الأفلام، وتحوّلت إلى أماكن تصوير معتمدة كلّما كان لدى السينما في أوروبا أو هوليوود ما يفرض عليها ذلك. إليها ورد جورج لوكاس ومصطفى العقاد ومارتن سكورسيزي وريدلي سكوت من بين مخرجين عديدين.
بالتالي، فإن المدن العربية ومناخاتها الحضرية لم تجذب إلا قلّة من الأعمال. جزء من فيلم جيمس بوند «الجاسوس الذي أحبّني» (1977) ومشاهد من «موت في النيل» (1978)، صُورت في مصر.. وكان على الفيلمين إظهار مشاهد من المدينة، لكنهما أيضا صوّرا خارجها (منطقة الهرم في الأول والنيل في الثاني).
في الستينات خطفت بيروت عدّة إنتاجات أوروبية وأميركية جاءت خصيصا للتصوير في تلك المدينة التي نعمت آنذاك بأمان افتقدته في السبعينات وما بعد. وجرى استخدام مدينة الجزائر في فيلمين مهمّين قبل ذلك هما «بيبي لي موكو» للفرنسي جان دوفيفييه (1937) و«معركة الجزائر» للإيطالي جيلو بونتيكورفو. في كلتا الحالتين لم يكن من الممكن استبدال منطقة القصبة الشهيرة بأزقّتها في أي مكان آخر.

* بالقرب من سانتا باربرا
لكن حين يصل الأمر إلى الصحاري العربية فإن تاريخ السينما يشهد إقبالا كبيرا عليها. في البداية، عندما أخذت هوليوود تتعاطى مع الشخصيات العربية، لم يكن من الضروري مطلقا اجتياز المسافة بين القارة الأميركية وتلك الأفريقية للتصوير فيها. قليل من الخيم المبعثرة وبعض الجياد (الجمال كانت عزيزة) والكثير من الكثبان، ولديك الآن البيئة المطلوبة من دون أن تترك ولاية كاليفورنيا. الفيلم الأشهر في تلك الفترة ولحقبة طويلة «الشيخ» (1921) تم تصويره في صحراء تقع قرب مدينة سانتا باربرا في ولاية كاليفورنيا وفي صحراء «يوما» في ولاية أريزونا.
حتى «كازابلانكا» (1942)، ذلك الفيلم التشويقي - العاطفي الشهير الذي يتّخذ من مدينة عربية عنوانا له، لم ير المغرب على الإطلاق. تم تصوير أجزاء منه في استوديوهات «وورنر» والخارجية في صحراء يوما، شمال غربي أريزونا. أما مشهد المطار الشهير بين إنغريد برغمان وهمفري بوغارت فتم تصويره في مطار متروبوليتان الذي كان واقعا، في الأربعينات، في لوس أنجليس.

* لهو بريء
* جذبت حكايات الصحراء العديد من الإنتاجات الأميركية حتى في أيام السينما الصامتة. من ناحية كانت هي مصدرا لأفلام مغامرات تستخدم العناصر ذاتها التي في أفلام الوسترن: القبائل العربية عوض الهنود الحمر، الأميركيون المهددون، بعض العرب المسالمين والكثير من الأشرار. من ناحية أخرى، كان لدى الغربي ذلك الفضول في معرفة كنه هذا الجزء من العالم وشعبه، هذا بالطبع قبل أن تبدد نشرات الأخبار المسائية ومحطاتها ذلك الفضول موفّرة صورا تجعل من الأفلام التي صوّرت العربي على نحو مشوّه بمثابة لهو بريء.



كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.


شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

LES YEUX VERTS

★★★

إخراج: فاني لياتار وجريمي ترويل

‫ فرنسا/ السويد (2026) ‬

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال. نور (سيد العلامي) صبي يلجأ إلى النوم ويغرق فيه، وسنرى ما يحلم به، ثم نجد شقيقته شايا (دعاء بوطابوش مزرقي) تحاول إيقاظه من سباته العميق، وحين تفشل تدخل عالمه الخيالي. بواعث هذه الرحلة في باطن العقل متوفرة؛ فالصبي يعيش محنة عائلة مهاجرة مهددة بالطرد. يعيش في الواقع أوضاعاً اجتماعية صعبة بسبب ظروف تتعلق بسياسة خارجية لا يستطيع، بطبيعة الحال، فعل شيء حيالها. لكن ما إن نتسلل وإياه إلى العوالم الداخلية التي تتراءى له حتى تنحصر الحكاية في كيفية متابعة تلك العوالم التي باتت تشكل حاضر نور. بذلك تتراجع دواعيها.

هذا هو فيلم الافتتاح لدورة مهرجان لوكارنو هذا العام (يوزع جوائزه في الخامس عشر من الشهر الحالي). يمكن للمرء أن يقدّر اختيار المهرجان لهذا الفيلم؛ ذلك لأن المخرجين حرصا على توفير جماليات بصرية أخاذة في أكثر من موضع، ليس فقط على صعيد تصوير تلك الأحلام التي تدور الأحداث فيها بعد فصل تمهيدي، بل أيضاً في تلك المشاهد التي تقع في اليقظة. نتابع رفض السلطات الفرنسية تجديد إقامة الأب (عمر الجباعي) وولديه، ثم سفره إلى إسبانيا تاركاً ولديه، على أمل أن يجد سبيلاً لنقلهما لاحقاً واللجوء معهما إلى بريطانيا. حين يلجأ نور إلى النوم رافضاً اليقظة (وهي حالة تُعرف علمياً باسم «متلازمة الاستقالة» من الواقع عبر النوم)، يواجه الفيلم متاعب كثيرة، ليس في الانتقال بين الخيال والواقع فحسب، بل أيضاً في بناء سرد قوي يتكفَّل بحمل ثقل الموضوع بأسره.

ربما تعويضاً عن ضعف الدراما، أو نتيجةً له، يطغى التشكيل على المضمون، وتطغى البصريات على الدراما. الجانب السياسي للأزمة التي - افتراضياً - تسببت في كل ما سيتبعها من محاولة نور الهروب من الواقع ومحاولة شايا استرجاعه، كان يمكن أن يحظى بتأكيد أكبر، لكي لا يفلت الفيلم صوب الفانتازيا وحدها.

DONKEY PRINCESS

★★︎

إخراج: يواكيم كوسينا

وكريستوفال ليون

‫ تشيلي/ فرنسا (2026) ‬

من الممتع والمثير أن نشاهد أخيراً فيلماً يقتبس حكاية أخرى للمؤلف الفرنسي شارل بيرو (1628-1703)، غير حكاياته الأشهر «سندريللا» و«الجمال النائم» (The Sleeping Beauty) و«ذو اللحية الزرقاء». ليس أن «جلد الحمار» (العنوان الأصلي للرواية) لم تقدِّمها السينما من قبل، لكن ما قدّمته بقي قليلاً وغير ذي أثر، من بينها فيلم صامت (1906)، وفيلم قصير (2013)، وفيلم فرنسي حققه جاك ديمي سنة 1970.

«أميرة الحمار» (ملف مهرجان لوكارنو)

الفيلم الجديد يختلف عن كل المحاولات السابقة من حيث إنه يجمع بين التصوير الحي مع ممثلين والأنيميشن، وقدر كبير من المؤثرات والتصاميم الفنية المثيرة بحد ذاتها، بناءً على خبرة المخرجين السابقة في الميدان نفسه.

الحكاية ذات خط واضح: ملك بريطانيا، في زمن غابر، يفاجأ بوفاة زوجته التي يحب. إنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال الموت، لكنه سيفعل شيئاً حيال الأحياء. سيقرر أن الحب ممنوع في مملكته، ومن يحب سيعاقب. الجميع واقع تحت هذه الهيمنة، بمن فيهم ابنته ديانا (أنطونيا غيزن)، التي تعيش أسوأ مراحل حياتها بسبب استبداد الأب وحرصه على منعها من الوقوع في الحب. ستجد الحبيب، رغم ذلك، في شخص شاب اسمه لالو (أندرو بارغستد). عندما يكتشف الأب ما حدث، ينفي الحبيب إلى أرض قفراء لا يمكن العيش فيها. لكن، قبل نفيه، يمنح لالو معشوقته إسوارة تستطيع أن تنقلها إلى أي زمان ومكان تختاره.

للهرب من وطأة الوضع، تستخدم ديانا الإسوارة لتجد نفسها في حالات مختلفة. هي مرّة على شاطئ البحر مع زوجها، وفي مرّة أخرى ممثلة في برنامج تلفزيوني تؤدي دور حمار. يحدث هذا قبل أن تلتقي لالو في تشيلي. نقلة مفاجئة تنجح فقط لأنها محض خيالية، وبالكاد تتجنّب السذاجة بفضل خيط متواصل من الأحداث والمزج الناجح - تقنياً - بين الصورة الحية والرسم، المحاطَين بتصاميم إنتاجية وديكورات مقبولة.

لا يمكن أن يكون المؤلف بيرو قد وضع مثل هذه النهاية، ولا حاك ذلك النوع من الخيال، لكن المخرجين يمنحان نفسيهما الحرية في التصرّف بالمادة على النحو الذي يريانه مناسباً لرؤيتهما. إنه نجاح تقني، وليس نجاحاً فنياً كاملاً، يؤكده الفصل الأخير الذي يبعثر الاهتمام وينجلي عن نهاية هابطة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)
TT

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون أميركيون خلال الأربعينات والخمسينات، في ظل الحملة التي قادتها «لجنة مجلس النواب للتحقيق في النشاطات غير الأميركية» (HUAC) ضد مَن اشتبهت في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي أو تعاطفهم معه.

هذه الأفلام كانت سبباً في تقديم أصحابها إلى المحكمة التي كانت تنظر في خلفيات السينمائيين السياسية لتصدر أحكامها عليهم.

من بين هؤلاء؛ دلمر دايفز، وإدوارد دميتريك، وتشارلي تشابلن، وروبرت روسن، وفرد زينمان، وإيليا كازان.

«مرمى نيران» (آر كي أو بكتشرز)

إفشاء معلومات

اختار المهرجان عدداً كبيراً من الأفلام لهذه الاستعادة، وهي موجهة، بالضرورة، إلى جيل ربما سمع عن تلك الفترة من تاريخ هوليوود، لكنه لم يشاهد غير القليل من أفلامها.

بعض الأعمال التي أُدرجت في خانة الأفلام المعادية لأميركا، أو تعرَّض أصحابها للتحقيق، تثير التساؤل حول مبررات نقمة اليمين عليها. من بينها «متسلل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكلارنس براون (1949)؛ يُثير التساؤل ليس فقط لأنه من تأليف الأديب ويليام فولكنر، بل لأن الموضوع الذي أثاره الفيلم منح بطولة مواقف متوازية بين المحامي الأبيض (أداه ديفيد برايان) والمتهم الأسود (جوانو هرنانديز) الذي لم يرتكب جريمة القتل التي أسندت إليه. في النهاية هو تأكيد على موقف ناصع للمحامي أدّى إلى تبرئة متهم أسود في أجواء الأربعينات العنصرية.

ومن أهم الأفلام المرتبطة بالقائمة السوداء «مرمى نيران» (Crossfire)، الذي أخرجه إدوارد دميتريك عام 1947. يتخذ الفيلم موقفاً مناهضاً للعنصرية من خلال حكاية بوليسية تدور حول مقتل مجنَّد يهودي؛ تقع الشبهة في البداية على جندي آخر اسمه مونتغمري (روبرت رايان)، والدافع معاداة السامية. أُنجز الفيلم وعُرض عام 1947، وعندما طلبت اللجنة المكارثية من مخرجه ومنتجه أدريان سكوت المثول أمامها بتهمة نقد النظام وتصوير أحد أفراد الجيش الأميركي قاتلاً. لكنهما رفضا المثول، ما حدا بمنعهما عن العمل. دخل دميتريك السجن إلى أن وافق على الإدلاء بشهادة اعتراف بأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي، وعندما سألته اللجنة إفشاء أسماء سينمائيين آخرين كانوا في الحزب لم يتأخر عن الإدلاء بمعلوماته، ومن بين من ذكرهم منتج الفيلم؛ أدريان سكوت الذي كان «مرمى نيران» آخر أعماله.

جون غارفيلد: «ركض كل الطريق» (يونايتد آرتستس).

في عام 1947، أخضعت اللجنة عدداً من الأفلام الحربية للفحص بحثاً عن ميولها السياسية، وكان من بينها «النجم الشمالي» (The North Star) للويس مايلستون، الشهير بفيلمه المناهض للحرب «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (All Quiet on the Western Front)، و«مهمة إلى موسكو» (Mission to Moscow) لمايكل كورتيز، و«أغنية روسيا» (Song of Russia) لغريغوري راتوف.

كانت هذه الأفلام، في معظمها، نتاج مرحلة عُدّ فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. حتى «أغنية روسيا» كان في ظاهره فيلماً عاطفياً عن أميركي، أدّاه روبرت تايلور، يقع في حب عازفة بيانو روسية، أدّتها سوزان بيترز. وتم، حسب شهادة رئيس «وورنر برذرز»، بطلب من البيت الأبيض.

ومن الأفلام الأخرى المرتبطة بتلك المرحلة «ركض طوال الطريق» (He Ran All the Way) لجون بيري عام 1951. وهو حكاية بوليسية من بطولة جون غارفيلد، الذي خضع للتحقيق أمام اللجنة في 23 أبريل (نيسان) 1951، وكان هذا الفيلم آخر أعماله.

ومن أشهر القضايا في هذا المضمار تلك التي أحاطت بالمخرج إيليا كازان، الذي اعترف بأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي لعامين، بين 1934 و1936. وفي عام 1952، أدلى بشهادة أمام اللجنة، ذكر فيها أسماء عدد من زملائه السابقين، الذين قال إنهم كانوا أعضاء في الحزب.

تكشف أفلام الاستعادة كيف تحوَّلت الشبهات السياسية في سنوات المكارثية إلى أحكام أغلقت أبواب هوليوود أمام عدد كبير من صنّاعها

بعد ذلك، اشترى كازان مساحة إعلانية في صحيفة «نيويورك تايمز» برّر فيها قراره، ودعا آخرين إلى اتخاذ موقف مماثل. لكن إفشاءه أسماء زملائه أدى إلى مقاطعته من جانب عدد من أصدقائه والعاملين في المهنة.

وحسب حديث للمخرج أورسن ويلز عام 1982، اتهم كازان بالتضحية برفاقه، قال: «باع نفسه للمكارثية مجاناً، لم يسأله أحد أن يقحم نفسه بهذه الطريقة. لم ينجز فيلماً اعتُبر معادياً لأميركا. إنه خائن».

من المجدي هنا ذكر أن أورسون وَيلز اضطر خلال مطلع الخمسينات إلى مغادرة الولايات المتحدة تفادياً لطلب شهادته. كذلك فعل تشارلي تشابلن والمخرجين جوزيف لوزاي وجول داسين وساي إندفيلد.

أما تشارلي تشابلن فكان قد غادر الولايات المتحدة على متن باخرة متوجهاً إلى لندن عام 1952، لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» (Limelight)، عندما ألغت السلطات الأميركية تصريح إعادة دخوله، وهو في البحر. فاختار عدم العودة، واستقر مع عائلته في سويسرا، مؤكداً أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي، على الرغم من أن عدداً من أفلامه، وفي مقدمها «أزمنة حديثة» (Modern Times)، عُدّ يساري التوجه وناقداً للرأسمالية.

ويعرض «مهرجان لوكارنو» عشرات الأفلام الأخرى، تتوزع بين الروائي والوثائقي، لمخرجين وكتّاب وفنانين ارتبطت أعمالهم بتلك الحقبة، من أمثال أورسن ويلز، وديفيد هلبورن، وفرد زينمان، وكليفورد أوديتس، وإلمر كليفتون، وهربرت بيبرمان، وغيرهم.