بنك إنجلترا يكافح لإنقاذ الاقتصاد من «عاصفة بريكست»

خلافات حادة بين الصقور والحمائم... وثبات مطمئن بـ«منحنى فيلبس»

يشهد البنك تحديا خطيرا في ظل ارتفاع معدل التضخم ومخاوف الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)
يشهد البنك تحديا خطيرا في ظل ارتفاع معدل التضخم ومخاوف الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)
TT

بنك إنجلترا يكافح لإنقاذ الاقتصاد من «عاصفة بريكست»

يشهد البنك تحديا خطيرا في ظل ارتفاع معدل التضخم ومخاوف الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)
يشهد البنك تحديا خطيرا في ظل ارتفاع معدل التضخم ومخاوف الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)

في وقت غاية في الحساسية، وقع بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) في خلاف حاد بين الصقور والحمائم حول رفع سعر الفائدة في الاجتماع المقبل في أغسطس (آب) المقبل، وانقسمت الآراء بين أعضاء السياسة النقدية فمن المرجح أن يصوت ثلاثة أعضاء بمن فيهم المحافظ مارك كارني لترك تكاليف الاقتراض عند أدنى مستوى قياسي عند 0.25 في المائة فقط.
ويشهد البنك تحديا خطيرا في خلق التوازن الصعب الذي يواجه الاقتصاد البريطاني للابتعاد به عن الركود، في ظل ارتفاع معدل التضخم وانخفاض الأجور ومخاوف الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، فضلا عن ارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني. ويعد البنك المسؤول الفعلي المحمل عبء المحافظة على الاقتصاد البريطاني وسط بحر العواصف المحيط بالبلاد، والآثار المترتبة على القرارات السياسية للحكومة، ومعالجة كل المشكلات التي يتسبب فيها «بريكست».
وهبطت لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا بسعر الفائدة إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 0.25 في المائة في أغسطس (آب) الماضي، ردا على تصويت يونيو (حزيران) لمغادرة الاتحاد الأوروبي، وأدى انخفاض الجنيه في أعقاب ذلك التصويت إلى ارتفاع أسعار الواردات والتضخم.
وفعليا يتحمل البنك خصوصا أعضاء السياسة النقدية قرارات مهمة، منتظرين اللحظة المناسبة لزيادة سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي، وربما يكون الارتفاع في سعر الفائدة «في الطريق»، لكن مع التأكد من نمو الاستثمار التجاري بشكل كاف لتعويض التباطؤ في الإنفاق الاستهلاكي.
وقال نائب المحافظ، بين برودبنت، إن «البنك ليس مستعدا لرفع أسعار الفائدة بعد»، مما يقلل من فرص ارتفاع تكاليف الاقتراض قريبا، محذرا خلال زيارته لمدينة أبردين الاسكوتلندية من أن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي قد يضر بتجارة المملكة المتحدة. وحدد في رسالته إلى المجلس الاسكوتلندي للتنمية الصناعية، أن «بريطانيا ستعاني إذا أضعف (بريكست) روابطها التجارية القائمة مع الاتحاد الأوروبي».
وأكد برودبنت أن «مزاج الأعمال» هو عامل رئيسي في تفكيره، لكنه أضاف أنه «من الصعب علينا في اللجنة أن نحكم على ما إذا كانت الثقة تتحسن»، وقال نائب محافظ المركزي: «هناك ما يدعو إلى رؤية اللجنة تتحرك في هذا الاتجاه (ارتفاع سعر الفائدة)، ولكن لا يزال هناك كثير من الإمكانيات».
وأعربت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني عن قلقها إزاء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاق جيد. ورغم بدء المفاوضات مؤخرا، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحكومة البريطانية يمكنها أن تحقق في نهاية المطاف نتائج جيدة إلى حد معقول بالنسبة للمملكة المتحدة. وانضم بيان «موديز» لأبواق التحذير المتشائمة في تقييم قاتم بشكل عام، محذرا من تباطؤ الاقتصاد البريطاني الذي يزداد «سوءا»، موضحا أن الجدارة الائتمانية للمملكة المتحدة تتعرض لـ«ضغوط» بعد تصويت الصيف الماضي لمغادرة الاتحاد الأوروبي، وتساءلت الوكالة عما إذا كان بوسع بريطانيا تحقيق نتائج «جيدة إلى معقولة» من محادثاتها مع بروكسل.
وحذرت «موديز» من أن فقدان أغلبية الحكومة في انتخابات الشهر الماضي أثار «المخاطر السياسية والمالية» التي تواجه المملكة المتحدة.
وتتوقع «موديز» أن يضعف الاقتصاد البريطاني بشكل ملحوظ خلال الفترة المتبقية من العام، مع تراجع السيناريو الأساسي إلى 1.5 في المائة هذا العام، و1 في المائة في 2018، مقابل 1.8 في المائة في 2016.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن تكون آفاق النمو البريطانية على أرض الواقع «أضعف»، إذ لم تتمكن من الوصول إلى السوق الواحدة بشروط جيدة.
وأشار تقرير اقتصادي حديث إلى نمو الاقتصاد البريطاني بوتيرة ضعيفة خلال الأشهر الثلاثة حتى نهاية يونيو الماضي، وهي الوتيرة المسجلة نفسها حتى نهاية الشهر السابق، رغم نمو قطاع الخدمات الذي عوض انكماش ناتج قطاع التصنيع.
وذكر المعهد الوطني للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية البريطاني أن الناتج الاقتصادي لبريطانيا زاد بنسبة 0.3 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الماضية حتى نهاية يونيو الماضي، وهو معدل النمو نفسه خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مايو (أيار) الماضي، وهو ما يشير إلى استمرار نمو الاقتصاد بأقل من المعدل المسجل على المدى الطويل وقدره 0.6 في المائة. ويقدر المعهد نمو الاقتصاد البريطاني بمعدل 0.3 في المائة خلال الربع الثاني من العام الحالي.
وقالت ريبيكا بيجوت، الباحثة في المعهد، إن «النمو في قطاع الخدمات عوض الانكماش في الناتج الصناعي. وما زال معدل النمو ضعيفا مقارنة بالعام الماضي».
وأضافت أن معدل الادخار في بريطانيا وصل خلال الربع الأول من العام الحالي إلى مستوى منخفض تاريخي قدره 1.7 في المائة فقط، ومعنى ذلك أن الأسر قلصت مدخراتها لكي تعوض تأثير التراجع في دخولها الحقيقي على الإنفاق الاستهلاكي مع ارتفاع معدل التضخم. وكان المعهد يتوقع في مايو الماضي نمو الاقتصاد خلال العام الحالي بمعدل 1.7 في المائة، وفي العام المقبل بمعدل 1.9 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
وتعد سوق العمالة البريطاني بمثابة «مكعب روبيك» لبنك إنجلترا، وذلك رغم تراجع معدل البطالة بشكل أكبر من المتوقع في الأشهر الثلاثة الأخيرة حتى مايو (أيار) الماضي، وكان الأمر مقترنا بشكل أساسي بعلامات مؤقتة على نمو الأجور، وارتفع متوسط الأرباح باستثناء العلاوات بنحو 2 في المائة في مايو الماضي، بعد أن كان 1.7 في المائة وبلغ معدل التوقعات 1.9 في المائة.
وترى مؤسسة «برايس ووتر هاوس» PWC للأبحاث الاقتصادية، أن العمالة في المملكة المتحدة سجلت رقما قياسيا جديدا، حيث بدأت آليات خلق الوظائف في التعافي مرة أخرى مع تسارع نمو العمالة في الأشهر الأخيرة بعد نمو أبطأ منذ أواخر العام الماضي، ليقترب المعدل العمالة الحالي من 75 في المائة لأول مرة على الإطلاق، ولينخفض معدل البطالة إلى 4.5 في المائة. لكن المؤسسة البحثية تخشى تباطؤ نمو «الأجور الحقيقية» في الوقت الراهن.
ويظهر «منحنى فليبس» (الذي يختص بالعلاقة العكسية بين مستوى البطالة ومعدل التضخم، حيث إذا ارتفعت البطالة فإن الأجور تنخفض والعكس) «الآن» ثباتا ملحوظا مع استمرار تباطؤ نمو الأجور العادية عند 2 في المائة، على الرغم من بعض التحسن الشهر الماضي، وانخفض متوسط نمو الأرباح إلى 1.8 في المائة. ومع ذلك في المملكة المتحدة وكثير من الاقتصادات المتقدمة أظهرت معدلات البطالة انخفاضا حادا. ولكن الأرباح لم ترتفع. ويتوقع خبراء أن يتغير الموقف في وقت قريب؛ الأمر الذي سيضعف الإنفاق الاستهلاكي، رغم استمرار قوة سوق العمل الذي يجب أن يمنع التباطؤ الأخير في الاقتصاد من التحول إلى الركود.
وبحسب البيانات الأخيرة، يظهر «منحنى فيلبس» تفاؤلا أكثر من المتوقع مع الثورة الصناعية الرابعة، مع ارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي التي لا تتطلب ارتفاعا للأجور، وضعف الإنتاجية الملحوظ.



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.