أنقرة تحيي ذكرى الانقلاب الفاشل باعتقالات و«نوبات حراسة الديمقراطية»

توقيف موظفين بمجلس الوزراء وأكاديميين... والنمسا تمنع زيارة لوزير الاقتصاد التركي

عمال يضعون في إسطنبول أمس اللمسات الأخيرة على نصب أعد لتذكر ضحايا الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 (أ.ب)
عمال يضعون في إسطنبول أمس اللمسات الأخيرة على نصب أعد لتذكر ضحايا الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 (أ.ب)
TT

أنقرة تحيي ذكرى الانقلاب الفاشل باعتقالات و«نوبات حراسة الديمقراطية»

عمال يضعون في إسطنبول أمس اللمسات الأخيرة على نصب أعد لتذكر ضحايا الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 (أ.ب)
عمال يضعون في إسطنبول أمس اللمسات الأخيرة على نصب أعد لتذكر ضحايا الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 (أ.ب)

بينما تنطلق اليوم الثلاثاء فعاليات تستمر أسبوعا بمناسبة الذكرى الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 يوليو (تموز) من العام الماضي، تواصلت حملة الاعتقالات الموسعة التي تستهدف أتباعا محتملين للداعية فتح الله غولن الذي تحمله السلطات المسؤولية عن تدبير محاولة الانقلاب.
وأطلقت قوات الأمن في العاصمة أنقرة أمس حملة أمنية استهدفت 43 من الموظفين في مجلس الوزراء التركي بناء على مذكرة من المدعي العام للعاصمة لاتهامهم باستخدام تطبيق التواصل الاجتماعي «بايلوك»، الذي تقول السلطات إنه كان وسيلة التواصل بين أتباع غولن ليلة المحاولة الانقلابية. ومن بين الذين صدرت أوامر بالقبض عليهم 6 لا يزالون بالخدمة، فيما الباقون أقيلوا من مواقعهم العام الماضي في إطار ما تسميه الحكومة «حملة التطهير» الموسعة التي طالت أكثر من مائتي ألف من العاملين في مختلف مؤسسات الدولة تم حبس أكثر من 5 ألفاً منهم.
واستمرارا لهذه الحملة، أصدر الادعاء العام لمدينة إسطنبول أمس أيضا مذكرات توقيف بحق 72 من الأكاديميين والموظفين؛ تم اعتقال 42 منهم في جامعة بوغازإيتشي؛ إحدى الجامعات المرموقة والأكثر شهرة في إسطنبول، و«جامعة إسطنبول الحضارية». ومن بين الواردة أسماؤهم في مذكرات الاعتقال 8 من جامعة بوغازإيتشي؛ بينهم الأكاديمي البارز كوراي تشاليشكان، الذي عمل في السابق مستشارا متطوعا لرئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، فيما باقي المذكرات تتضمن أسماء لعاملين في «جامعة إسطنبول الحضارية»، بينهم 19 من أعضاء هيئة التدريس في كلية الطب، والجميع يشتبه في استخدامهم تطبيق «بايلوك» للرسائل الفورية المشفرة، الذي تعتقد السلطات التركية أن أتباع غولن كانوا يستخدمونه للتواصل فيما بينهم خلال محاولة الانقلاب الفاشلة وقبلها.
ونظم كليتشدار أوغلو، أول من أمس، تجمعاً شعبياً حاشداً في إسطنبول احتجاجاً على الحملة الأمنية المستمرة منذ إعلان حالة الطوارئ في 20 يوليو العام الماضي على خلفية الانقلاب الفاشل. وقال كليتشدار أوغلو، وهو زعيم حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، أمام التجمع الذي قدر عدد المشاركين فيه بمليوني شخص وعقد في ختام مسيرة «العدالة» التي استمرت 25 يوما من أنقرة إلى إسطنبول، إن البلاد تعيش تحت حكم ديكتاتوري، وتعهد بمواصلة التصدي للحكومة، قائلا إن التاسع من يوليو سيكون ميلاداً جديداً لتركيا وإن نضالهم من أجل العدالة والقانون والحقوق في البلاد سيستمر.
وزار كليتشدار أوغلو، أمس، النائب عن حزب الشعب الجمهوري أنيس بربر أوغلو، الذي انطلقت «مسيرة العدالة» في 25 يونيو (حزيران) الماضي في اليوم التالي للحكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة إفشاء معلومات سرية خاصة بالدولة بغرض التجسس السياسي أو العسكري، في سجن مالتبه في إسطنبول. وفي تصريح عقب الزيارة، قال كليتشدار أوغلو إن قرار المحكمة بحق بربر أوغلو «مجحف جدا، ولا يتماشى مع القانون والعدل، ومن شأنه ترك جروح عميقة في ضمير المجتمع» مضيفا: «هناك مقولة مفادها أن العدالة تسير ببطء، لكنها تصل إلى هدفها بالتأكيد، ولذا نحن واثقون من أن العدالة ستتجلى يوما ما».
وعاقبت محكمة الجنايات في إسطنبول في 14 يونيو الماضي بربر أوغلو بالسجن 25 عاما، في القضية المعروفة بقضية «شاحنات المخابرات»؛ حيث سلم صحيفة «جمهوريت» التركية مقاطع فيديو تكشف إرسال أسلحة إلى تنظيم داعش الإرهابي في سوريا في 3 شاحنات يرافقها عناصر من المخابرات التركية أوقفتها قوات الدرك بناء على تصريح من النيابة العامة في مدينة أضنة جنوب البلاد في 19 يناير (كانون الثاني) 2014، وقالت الحكومة إن الشاحنات كانت تحمل مواد إغاثة ومساعدات طبية للتركمان في شمال سوريا، وإن توقيفها كان مؤامرة من أتباع الداعية فتح الله غولن لإحداث اضطرابات والضغط على الحكومة.
في سياق مواز، تنطلق في تركيا بدءا من اليوم، فعاليات مختلفة في أنحاء البلاد تستمر أسبوعا لإحياء ذكرى التصدي للمحاولة الانقلابية الفاشلة، تلبية لدعوة الرئيس رجب طيب إردوغان للمواطنين بالنزول إلى الميادين والشوارع في جميع محافظات تركيا الإحدى والثمانين للمشاركة في فعالية «حراسة الديمقراطية» التي تعود من جديد في الذكرى الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة.
وسيشارك إردوغان في اعتصام «حراسة الديمقراطية»، ويزور ضريح ضابط الصف «عمر خالص دمير» الذي قتل الجنرال الانقلابي سميح ترزي أوغلو، وساهم في إحباط المحاولة الانقلابية، وكذلك يشارك في الاعتصام عند ضريح «أرول أولجوق» الذي لقي حتفه على «جسر شهداء 15 تموز»، (البوسفور سابقا).
وستقام فعاليات في أبرز مواقع الصمود ضد المحاولة الانقلابية؛ في مقدمتها البرلمان التركي، والقصر الرئاسي، ورئاسة القوات الخاصة في غولباشي بأنقرة، و«جسر شهداء 15 تموز» في إسطنبول، و«ميدان الإرادة الوطنية»، (كزيلاي سابقا)، في أنقرة.
كما سيشهد الفندق الذي كان يقيم فيه إردوغان ليلة الانقلاب الفاشل، في بلدة مرمريس بمحافظة موغلا جنوب غربي تركيا، فعالية في إطار الاحتفالات بالتصدي للمحاولة الانقلابية. وستنظم مسيرة على «جسر شهداء 15 تموز»، بمشاركة الرئيس إردوغان، مساء 15 يوليو الحالي، بعنوان: «مسيرة الوحدة الوطنية». كما تنظم رئاسة الشؤون الدينية أنشطة بالمساجد في المحافظات المختلفة لإحياء هذه الذكرى. في السياق ذاته، رفضت السلطات النمساوية السماح لوزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي بدخول أراضيها للمشاركة في إحياء الجالية التركية هناك الذكرى الأولى لمحاولة الانقلاب، لأن هذه الزيارة لم تكن مبرمجة في إطار التبادل الثنائي، بل مرتبطة بظهوره العام في حدث في ذكرى محاولة الانقلاب، مما سيشكل خطرا على النظام العام؛ بحسب وزارة الخارجية النمساوية.
والأسبوع الماضي رفضت هولندا طلبا مماثلا لنائب رئيس الوزراء التركي أرتوغرول توركيش. وتتهم تركيا كثيرا من الدول الأوروبية بانتهاك حقوق الجالية التركية في لقاء مسؤولي بلادهم والتضييق على فعالياتهم على غرار ما حصل إبان الاستفتاء الأخير الذي جرى في تركيا على التعديلات الدستورية وما رافقه من حملة منع وتضييق أوروبية على المواطنين الأتراك في أراضيها.
وانتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية حسين مفتي أوغلو، أمس، منع السلطات النمساوية مشاركة زيبكجي في فعالية فيينا، وعدّ في بيان قرار المنع دليلا على عدم جدية فيينا في دفاعها عن القيم الديمقراطية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...