جيش جديد لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء

تحت شعار «جميعاً ضد التطرف من أجل الأمن والتنمية»

عناصر من «أفريكوم» المخصصة لمكافحة الإرهاب في الشمال الأفريقي («الشرق الأوسط»)
عناصر من «أفريكوم» المخصصة لمكافحة الإرهاب في الشمال الأفريقي («الشرق الأوسط»)
TT

جيش جديد لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء

عناصر من «أفريكوم» المخصصة لمكافحة الإرهاب في الشمال الأفريقي («الشرق الأوسط»)
عناصر من «أفريكوم» المخصصة لمكافحة الإرهاب في الشمال الأفريقي («الشرق الأوسط»)

تشكل منطقة الساحل والصحراء واحدة من المناطق الجيوسياسية الدولية التي تشهد صراعاً مريراً بين المجموعات الإرهابية من جهة؛ ودول المنطقة مدعومة بالقوى الدولية الكبرى من جهة ثانية. ويبدو وعي الطرفين بأهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة كبيراً جداً بصفتها ممراً يتوسط دول جنوب الصحراء مع الشمال، وصولاً للبحر الأبيض المتوسط وأوروبا؛ مما يجعل المصالح الاستراتيجية للجماعات الإرهابية ومصالح دول المنطقة، في حالة حرب مستمرة.
جاءت قمة رؤساء دول الساحل والصحراء الأخيرة التي اختتمت قبل أيام، والمنظمة تحت شعار: «جميعاً ضد الإرهاب من أجل الأمن والتنمية»، لتدشن مرحلة جديدة من المواجهة الدولية للجماعات الإرهابية بالمنطقة. ويظهر أن عقد قمة وزراء الدفاع الخميس 4 مايو (أيار) 2017 لكل من بوركينافاسو، والنيجر، وموريتانيا، ومالي، وتشاد، والمغرب، الذي سبق قمة الرؤساء يعلن فعليا انتقال الصراع إلى مستوى آخر يتجاوز التعاون الأمني؛ ويعلن بداية التعاون العسكري.
وكان من اللافت إعلان انطلاق هذه المرحلة من العاصمة المالية باماكو بحضور طرفين أساسيين متحالفين مع دول المنطقة؛ فقد شارك المغرب في أشغال وزراء الدفاع؛ بينما شهدت القمة حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رؤساء الدول الأفريقية الخمس موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد. وقد توصل المجتمعون لاتفاق بموجبه سيتم إنشاء قوة إقليمية مشتركة لمكافحة المجموعات الإرهابية بالمنطقة. ومن المنتظر أن يتكون هذا «الجيش»، من نحو من 5 آلاف عسكري، ويبدأ عمله قبل نهاية عام 2017 وبتمويل يصل إلى 423 مليون يورو، ستقدم فرنسا منها نحو 8 ملايين يورو، إضافة إلى 70 عربة عسكرية للقوة العسكرية لـ«التحالف من أجل الساحل».
* لماذا التحالف الآن؟
يبدو أن هذا التحالف يأتي بعد سلسلة من التحولات النوعية المهمة في منطقة الساحل والصحراء. أول هذه المستجدات يعزز جانب الجماعات الإرهابية، حيث تمكنت أهم الجماعات وكبراها في الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل من الاندماج؛ بتاريخ الخميس 2 مارس (آذار) 2017، وتأسيس «جماعة أنصار الإسلام والمسلمين»، بزعامة إياد أغ غالي، وأعاد التنظيم تجديد بيعته لتنظيم «القاعدة»، معلنا بذلك توحيد مجموعة من التنظيمات هي: «جماعة أنصار الدين»، التي تأسست بزعامة القائد الأزوادي إياد أغ غالي في ديسمبر (كانون الأول) 2011 في مدينة كيدال بشمال مالي، و«كتيبة المرابطين في مالي»، التي تعد اندماجا بين مقاتلي جماعة «التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا»، كما تضم جماعة «أنصار الإسلام والمسلمين» «كتيبة الملثمين» برئاسة مختار بلمختار، (المعروف بـ«الأعور» ويمثل الجناح الجزائري)، وتنشط هذه المجموعة في منطقة غاوة قرب الحدود المالية مع النيجر وبوركينافاسو. ونشير هنا أن التنظيم أدرجته الولايات المتحدة الأميركية في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2013 على لائحة «المنظمات الإرهابية الأجنبية»، كما أنه تنظيميا توزع ولاؤه بين 2011 و2017 بين تنظيم القاعدة و«داعش». أما تنظيم «إمارة الصحراء الكبرى»، فيضم 6 كتائب كلها تابعة لـ«تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي»، فيما تعد «كتائب ماسنا» مجموعة إرهابية مقاتلة تتبنى فكر «القاعدة»، لكنها مؤسسة على أسس إثنية «الفلان».
ومنذ إعلانها، تمكنت «جماعة أنصار الإسلام والمسلمين»، من تنفيذ عمليات إرهابية كثيرة، كما أنها ما زالت تحتفظ ببعض الرهائن من جنسيات مختلفة؛ حيث نشر هذا التنظيم الإرهابي شريط فيديو على موقع «تليغرام» يوم السبت 1 يوليو (تموز) 2017، يظهر 6 رهائن على قيد الحياة اختطفوا أواخر 2016 في بلدة غاو شمال مالي، بينهم آرثر كينيث وهو طبيب أسترالي جراح، والروماني يوليان غيرغوت، وصوفي بيترونان وهي مواطنة فرنسية، إضافة للجنوب أفريقي ستيفن ماكغاون؛ والراهبة الكولومبية غلوريا سيسيليا نارفايز ارغوتي، وبياتريس ستوكلي المبشرة السويسرية.
من جهة أخرى، شن «أنصار الإسلام والمسلمين» هجومه بتاريخ الاثنين 19 يونيو (حزيران) 2017 في منتجع «كانغابا» السياحي قرب العاصمة المالية باماكو؛ مما أدى لمقتل 4 أشخاص؛ صيني وفرنسية وبرتغالي ومالي، كما أسفرت العملية عن قتل المهاجمين وعسكري مالي. وفي بداية نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 قتل 5 عسكريين نيجريين وفقد 4 آخرون، بعد «هجوم إرهابي» وقع في قرية بانيبانغو في منطقة «والام»، على بعد نحو مائة كلم من العاصمة النيجرية نيامي.
هذه التطورات عززت من مكانة التنظيمات الإرهابية، ولوحظ توسع لدائرة استهدافاتها بالمنطقة، وأصبحت تحديا حقيقيا لدول الساحل. حيث أكد ألان ريشارد دونواهي، الوزير في حكومة الرئيس الإيفواري، المكلف بالدفاع، في قمة نظرائه من الساحل والمغرب، أن تطور الأعمال الوحشية للإرهابيين لا بد من أن يصاحب بعمل متخصص ومنسق لدول الساحل. وهو الاتجاه نفسه الذي دافع عنه كل من دانيال كابلان دونكان، نائب رئيس جمهورية كوت ديفوار، وإبراهيم ساني أباني الأمين العام لتجمع دول الساحل والصحراء، معتبرين أن مواجهة الإرهاب تتطلب مجهودا مشتركا على المستويات الأمنية والعسكرية والتنموية لدول المنطقة.
وفي سياق جواب وثيقة عمل قمة الرؤساء الأخيرة في باماكو على خلفيات بداية هذه المرحلة الجديدة وتكوين «جيش الساحل ضد الإرهاب»، في هذا الوقت بالذات؛ أكدت الوثيقة أن ميلاده جاء بعد أن «بات من المعروف أن الإرهابيين أنفسهم اعتدوا مؤخرا على بوركينافاسو وساحل العاج والنيجر ومالي». فيما أكد رئيس مالي إبراهيم أبو بكر كيتا، أنه «في مواجهة تصاعد التطرف، يجب توحيد الجهود لخوض التحديات، وعلينا أن نمضي أبعد». أما أحد المسؤولين الماليين، فقد أشار إلى أن «بلاده تواجه صعوبات، لكن الإرهابيين يغادرون دولا أخرى للقدوم إلى مالي»، وهو ما يتطلب تعاونا دوليا وإقليميا ضد هذه المجموعات.
وفي السياق نفسه، أكد الرئيس التشادي في خطابه بالقمة «ازدياد الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل»، مشيرا إلى أن «التهديد يتخذ أبعادا جديدة، وإذا لم نتحرك سريعا، فإن منطقتنا ستصبح مع الوقت منطقة إرهابية».
* قوات محلية ودولية
ورغم أن النيجر وبوركينافاسو ومالي، حاولت الاعتماد على الإمكانات الذاتية وأعلنت في 24 يناير (كانون الثاني) 2016 عن إنشاء قوة عسكرية مختلطة لحفظ الأمن في منطقة ليبتاكو - غورما الواقعة بين الدول الثلاث، عادّةً أن هذه المنطقة «تكاد تتحول إلى معقل للمجموعات الإرهابية والإجرامية بأشكالها كافة»، فإن هذه الجهود المحلية ما زالت متعثرة، وتحتاج لمساندة دولية لوجيستيّاً وتدريبياً.
ففي أبريل (نيسان) سنة 2010 افتتح مقر قيادة العمليات المشتركة بين الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر، في محاولة لعمل مشترك على المستوى الإقليمي يهم التدريب والتنسيق، يواجه تنامي الجماعات الإرهابية والأطماع الأجنبية بالمنطقة.
وللحيلولة دون تحول الساحل والصحراء إلى جغرافية مسيطر عليها من الجماعات الإرهابية؛ جاء تأسيس «جيش الساحل ضد الإرهاب»؛ لتعزيز الجهود الدولية التي تقودها الأمم المتحدة، حيث رحبت فرنسا في 30 يونيو (حزيران) الماضي بقرار مجلس الأمن «2364» الخاص بتمديد عمل بعثة الأمم لتحقيق الاستقرار ومحاربة الإرهاب، والجريمة المنظمة في مالي المعروفة بـ«المينسما».
وقبل نحو 3 أسابيع، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، القاعدة العسكرية الفرنسية بمدينة غاو شمال مالي، وأكد أن «التزام فرنسا بالوقوف إلى جانب مالي سيكون كاملا من أجل الأمن في مالي وفي الساحل (الأفريقي) أيضا، من خلال مواصلة التزام قواتنا (...)، وعبر مواصلة التزامنا بخريطة طريق دبلوماسية وسياسية». كما أشار إلى أن فرنسا عبر قواتها بالمنطقة «ستستمر، بالنيابة عن أوروبا، في تأمين مالي، غير أن بلدانا أوروبية أخرى بوسعها عمل المزيد من أجل التنمية».
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي زارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل النيجر بعد زيارة لباماكو عاصمة مالي، وفي مؤتمر صحافي مشترك لميركل والرئيس النيجيري، طلب الأخير «دعم ألمانيا لمواجهة التهديدات الإرهابية التي تعيش على وقعها البلدان المجاورة، خصوصاً مالي»؛ وأعلن نشر جنود ألمان في بلاده، موضحا أن «الأمر لا يتعلق بإنشاء قاعدة عسكرية».
وعلى خلاف ذلك، قامت الولايات المتحدة الأميركية، بإنشاء قاعدة عسكرية بالنيجر، بمدينة أغدايس، وخصصت لها ميزانية بنحو مائة مليون دولار، وعدّتها واشنطن مشروعا استراتيجيا هو الأهم على المستوى الأفريقي. وتكمن هذه الأهمية في قدرة الولايات المتحدة على التدخل السريع في منطقة الساحل والصحراء، حيث انطلقت من القاعدة المشار إليها عدة طائرات أميركية نفذت هجمات في مالي وليبيا والنيجر في سنة 2016 والنصف الأول من سنة 2017.
استحضارا لمجموع التطورات الحاصلة في منطقة الساحل والصحراء، يمكن القول إن المعركة مع الإرهاب ستكون قاسية وطويلة، لما توفره البيئة الجغرافية والإثنية للمنطقة من عوامل توتر وعنف، تذكيها الصراعات الحدودية، وانتشار منظمات الجريمة العابرة للقارات، واستغلال جماعات الجريمة المنظمة والمتاجرة في المخدرات والبشر على المستوى المحلي. وهو ما يجعل الجهود الدولية والإقليمية الخاصة بتعزيز العلاقات الأمنية والعسكرية، في مواجهة مباشرة مع عوامل معقدة وشديدة الحساسية، كلها تلعب لصالح الجماعات الإرهابية بالمنطقة.

* أستاذ زائر للعلوم السياسية - جامعة محمد الخامس بالرباط



فرنسا في مواجهة الإرهاب بالساحل الأفريقي

تشييع جثامين الجنود الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في تصادم بطائرتي هليكوبتر أثناء ملاحقة متشددين بمالي بداية الشهر (أ.ف.ب)
تشييع جثامين الجنود الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في تصادم بطائرتي هليكوبتر أثناء ملاحقة متشددين بمالي بداية الشهر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا في مواجهة الإرهاب بالساحل الأفريقي

تشييع جثامين الجنود الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في تصادم بطائرتي هليكوبتر أثناء ملاحقة متشددين بمالي بداية الشهر (أ.ف.ب)
تشييع جثامين الجنود الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في تصادم بطائرتي هليكوبتر أثناء ملاحقة متشددين بمالي بداية الشهر (أ.ف.ب)

غداة إعلان باريس مصرع 13 جندياً من مواطنيها، في حادث تحطم مروحيتين عسكريتين في جمهورية مالي الأفريقية، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعلن في مؤتمر صحافي أن بلاده تدرس جميع الخيارات الاستراتيجية المتعلقة بوجودها العسكري في منطقة الساحل الأفريقي.
في تصريحاته، أكد ماكرون أنه أمر الجيش الفرنسي بتقييم عملياته ضد المسلحين في غرب أفريقيا، مشيراً إلى أن جميع الخيارات متاحة، وموضحاً أن بلاده «ترغب في مشاركة أكبر من قبل حلفائها في المنطقة من أجل مكافحة الإرهاب».

هل يمكن عد تصريحات ماكرون بداية لمرحلة فرنسية جديدة في مكافحة الإرهاب على أراضي القارة السمراء، لا سيما في منطقة دول الساحل التي تضم بنوع خاص «بوركينا فاسو، ومالي، وموريتانيا، والنيجر، وتشاد»؟
يتطلب منا الجواب بلورة رؤية واسعة للإشكالية الأفريقية في تقاطعاتها مع الإرهاب بشكل عام من جهة، ولجهة دول الساحل من ناحية ثانية.
بداية، يمكن القطع بأن كثيراً من التحديات الحياتية اليومية تطفو على السطح في تلك الدول، لا سيما في ظل التغيرات المناخية التي تجعل الحياة صعبة للغاية وسط الجفاف، الأمر الذي يولد هجرات غير نظامية من دولة إلى أخرى. وفي الوسط، تنشأ عصابات الجريمة المنظمة والعشوائية معاً، مما يقود في نهاية المشهد إلى حالة من الانفلات الأمني، وعدم مقدرة الحكومات على ضبط الأوضاع الأمنية، وربما لهذا السبب أنشأ رؤساء دول المنطقة ما يعرف بـ«المجموعة الخماسية»، التي تدعمها فرنسا وتخطط لها مجابهتها مع الإرهاب، والهدف من وراء هذا التجمع هو تنسيق أنشطتهم، وتولي زمام الأمور، وضمان أمنهم، من أجل الحد من تغلغل الإرهاب الأعمى في دروبهم.
على أنه وفي زمن ما يمكن أن نسميه «الإرهاب المعولم»، كانت ارتدادات ما جرى لتنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا، من اندحارات وهزائم عسكرية العامين الماضيين، تسمع في القارة الأفريقية بشكل عام، وفي منطقة الساحل بنوع خاص، ولم يكن غريباً أو عجيباً أن تعلن جماعات إرهابية متعددة، مثل «بوكو حرام» وحركة الشباب وغيرهما، ولاءها لـ«داعش»، وزعيمها المغدور أبي بكر البغدادي.
وتبدو فرنسا، فعلاً وقولاً، عازمة على التصدي للإرهاب القائم والآتي في القارة السمراء، وقد يرجع البعض السبب إلى أن فرنسا تحاول أن تحافظ على مكاسبها التاريخية السياسية أو الاقتصادية في القارة التي تتكالب عليها اليوم الأقطاب الكبرى، من واشنطن إلى موسكو، مروراً ببكين، ولا تود باريس أن تخرج خالية الوفاض من قسمة الغرماء الأفريقية، أي أنه تموضع عسكري بهدف سياسي أو اقتصادي، وفي كل الأحوال لا يهم التوجه، إنما المهم حساب الحصاد، وما تخططه الجمهورية الفرنسية لمواجهة طاعون القرن الحادي والعشرين.
في حديثها المطول مع صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، كانت وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، تشير إلى أن فرنسا تقود جهوداً أوروبية لتشكيل قوة عسكرية لمحاربة تنظيمي «داعش» و«القاعدة» في منطقة الساحل الأفريقي، وأن هناك خطوات جديدة في الطريق تهدف إلى تعزيز المعركة ضد العناصر الإرهابية هناك، وإن طال زمن الصراع أو المواجهة.
ما الذي يجعل فرنسا تتحرك على هذا النحو الجاد الحازم في توجهها نحو الساحل الأفريقي؟
المؤكد أن تدهور الأوضاع في الساحل الأفريقي، وبنوع خاص المثلث الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، قد أزعج الأوروبيين أيما إزعاج، لا سيما أن هذا التدهور يفتح الأبواب لهجرات غير شرعية لسواحل أوروبا، حكماً سوف يتسرب في الوسط منها عناصر إرهابية تنوي إلحاق الأذى بالقارة الأوروبية ومواطنيها.
يكاد المتابع للشأن الإرهابي في الساحل الأفريقي يقطع بأن فرنسا تقود عملية «برخان 2»، وقد بدأت «برخان 1» منذ اندلاع أولى شرارات الأزمة الأمنية في منطقة الساحل، فقد التزمت فرنسا التزاماً حاراً من أجل كبح جماح التهديد الإرهابي.
بدأت العملية في يناير (كانون الثاني) 2013، حين تدخلت فرنسا في شمال مالي، عبر عملية «سيرفال»، بغية منع الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة من السيطرة على البلاد.
والثابت أنه منذ ذلك الحين، توحدت العمليات الفرنسية التي تضم زهاء 4500 جندي تحت اسم عملية «برخان». وتعمل القوات الفرنسية في هذا الإطار على نحو وثيق مع القوات المسلحة في منطقة الساحل.
ويمكن للمرء توقع «برخان 2»، من خلال تحليل وتفكيك تصريحات وزيرة الجيوش الفرنسية بارلي التي عدت أن دول الساحل الأفريقي تقع على أبواب أوروبا. وعليه، فإن المرحلة المقبلة من المواجهة لن تكون فرنسية فقط، بل الهدف منها إشراك بقية دول أوروبا في مالي بقيادة عملية «برخان 2»، في إطار وحدة مشتركة تدعى «تاكوبا»، بغية مواكبة القوات المسلحة المالية.
ولعل المتابع لتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العام الحالي يرى أن الرجل يكاد ينزع إلى ما مضي في طريقه جنرال فرنسا الأشهر شارل ديغول، ذاك الذي اهتم كثيراً بوحدة أوروبا والأوروبيين بأكثر من التحالف مع الأميركيين أو الآسيويين.
ماكرون الذي أطلق صيحة تكوين جيش أوروبي مستقل هو نفسه الذي تحدث مؤخراً عما أطلق عليه «الموت السريري» لحلف الناتو. وعليه، يبقى من الطبيعي أن تكون خطط فرنسا هادفة إلى جمع شمل الأوروبيين للدفاع عن القارة، وعدم انتظار القوة الأميركية الأفريقية (أفريكوم) للدفاع عن القارة الأوروبية.
هذه الرؤية تؤكدها تصريحات الوزيرة بارلي التي أشارت إلى أن فرنسا تبذل الجهود الكبيرة من أجل أن يكون هناك أوروبيون أكثر في الصفوف الأولى مع فرنسا ودول الساحل. وقد أعلنت الوزيرة الفرنسية بالفعل أن «التشيكيين والبلجيكيين والإستونيين قد استجابوا أولاً، كما أن آخرين حكماً سينضمون إلى عملية (تاكوبا) عندما تصادق برلمانات بلادهم على انتشارهم مع القوات الفرنسية».
لا تبدو مسألة قيادة فرنسا لتحالف أوروبي ضد الإرهاب مسألة مرحباً بها بالمطلق في الداخل الفرنسي، لا سيما أن الخسائر التي تكمن دونها عاماً بعد الآخر في منطقة الساحل قد فتحت باب النقاش واسعاً في الداخل الفرنسي، فقد قتل هناك العشرات من الجنود منذ عام 2013، مما جعل بعض الأصوات تتساءل عن نجاعة تلك العملية، وفرصها في الحد من خطورة التنظيمات الإرهابية، وقد وصل النقاش إلى وسائل الإعلام الفرنسية المختلفة.
غير أنه، على الجانب الآخر، ترتفع أصوات المسؤولين الفرنسيين، لا سيما من الجنرالات والعسكريين، الذين يقارنون بين الأكلاف والخسائر من باب المواجهة، وما يمكن أن يصيب فرنسا وبقية دول أوروبا حال صمت الأوروبيين وجلوسهم مستكينين لا يفعلون شيئاً. فساعتها، ستكون الأراضي الأوروبية من أدناها إلى أقصاها أراضي شاسعة متروكة من الدول، وستصبح ملاجئ لمجموعات إرهابية تابعة لـ«داعش» و«القاعدة».
ما حظوظ نجاحات مثل هذا التحالف الأوروبي الجديد؟
يمكن القول إن هناك فرصة جيدة لأن يفعل التحالف الفرنسي الأوروبي الجديد حضوره، في مواجهة الإرهاب المتغلغل في أفريقيا، لا سيما أن الهدف يخدم عموم الأوروبيين، فتوفير الأمن والاستقرار في الجانب الآخر من الأطلسي ينعكس حتماً برداً وسلاماً على بقية عموم أوروبا.
ولم يكن الإعلان الفرنسي الأخير هو نقطة البداية في عملية «برخان 2» أو «تاكوبا»، فقد سبق أن أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بمعية رئيس بوركينا فاسو السيد روش كابوريه، وهو الرئيس الحالي للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، إبان مؤتمر قمة مجموعة الدول السبع في بياريتز، إنشاء الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.
وترمي هذه الشراكة مع بلدان المنطقة إلى تعزيز فعالية الجهود المبذولة في مجالي الدفاع والأمن الداخلي، وإلى تحسين سبل تنسيق دعم الإصلاحات الضرورية في هذين المجالين، وتمثل ضرورة المساءلة مقوماً من مقومات هذه الشراكة.
ولا يخلو المشهد الفرنسي من براغماتية مستنيرة، إن جاز التعبير، فالفرنسيون لن يقبلوا أن يستنزفوا طويلاً في دفاعهم عن الأمن الأوروبي، في حين تبقى بقية دول أوروبا في مقاعد المتفرجين ليس أكثر، وربما لمح الفرنسيون مؤخراً من طرف خفي إلى فكرة الانسحاب الكامل الشامل، إن لم تسارع بقية دول القارة الأوروبية في إظهار رغبة حقيقية في تفعيل شراكة استراتيجية تستنقذ دول الساحل الأفريقي من الوقوع لقمة سائغة في فم الجماعات الإرهابية، في منطقة باتت الأنسب ليتخذها الإرهابيون مخزناً استراتيجياً ومنطقة حشد لهم، وفي مقدمة تلك الجماعات مجموعات إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة تجتمع تحت راية جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، وأخرى تابعة لتنظيم داعش على غرار التنظيم الإرهابي في الصحراء الكبرى، التي تقوم بتنفيذ كثير من الهجمات ضد القوات المسلحة في منطقة الساحل، والقوات الدولية التي تدعمها، والتي تضم بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الإبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، المكلفة بدعم تنفيذ اتفاق السلام المنبثق عن عملية الجزائر العاصمة، ودعم جهود إرساء الاستقرار التي تبذلها السلطات المالية في وسط البلاد.
ولعل كارثة ما يجري في منطقة الساحل الأفريقي، ودول المجموعة الخماسية بنوع خاص، غير موصولة فقط بالجماعات الراديكالية على اختلاف تسمياتها وانتماءاتها، فهناك مجموعات أخرى مهددة للأمن والسلام الأوروبيين، جماعات من قبيل تجار المخدرات والأسلحة، وكذا مهربو البشر، وتهريب المهاجرين غير الشرعيين، وهذا هاجس رهيب بدوره بالنسبة لعموم الأوروبيين.
على أن علامة استفهام تبقى قلقه محيرة بالنسبة لباريس وقصر الإليزيه اليوم، وهي تلك المرتبطة بالإرادة الأوروبية التي تعاني من حالة تفسخ وتباعد غير مسبوقة، تبدت في خلافات ألمانية فرنسية بنوع خاص تجاه فكرة استمرار الناتو، وطرح الجيش الأوروبي الموحد.
باختصار غير مخل: هل دعم الأوروبيين كافة لعملية «برخان 2» أمر مقطوع به أم أن هناك دولاً أوروبية أخرى سوف تبدي تحفظات على فكرة المساهمة في تلك العمليات، خوفاً من أن تستعلن فرنسا القوة الضاربة الأوروبية في القارة الأفريقية من جديد، مما يعني عودة سطوتها التي كانت لها قديماً في زمن الاحتلال العسكري لتلك الدول، الأمر الذي ربما ينتقص من نفوذ دول أخرى بعينها تصارع اليوم لتقود دفة أوروبا، في ظل حالة الانسحاب من الاتحاد التي تمثلها بريطانيا، والمخاوف من أن تلحقها دول أخرى؟
مهما يكن من أمر الجواب، فإن تصاعد العمليات الإرهابية في الفترة الأخيرة، أو حدوث عمليات جديدة ضد أهداف أوروبية في القارة الأفريقية، وجريان المقدرات بأي أعمال إرهابية على تراب الدول الأوروبية، ربما يؤكدان الحاجة الحتمية لتعزيز توجهات فرنسا، وشراكة بقية دول أوروبا، ويبدو واضحاً أيضاً أن بعضاً من دول أفريقيا استشرفت مخاوف جمة من تعاظم الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، مثل تشاد التي وافقت على تعبئة مزيد من الجيوش في المثلث الحدودي الهش مع النيجر وبوركينا فاسو.