منتدى أصيلة يبدأ دورته الـ39 بندوة حول مكانة أفريقيا في العالم

عرب وأفارقة رصدوا ما عانته القارة من تحديات في العقود الماضية... وفرصها المستقبلية

محمد بن عيسى الأمين العام لـ«مؤسسة منتدى أصيلة» برفقة نبيل بن عبد الله وبجانبه نبيل الحمر مستشار ملك البحرين خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى (تصوير: مصطفى حبيس)
محمد بن عيسى الأمين العام لـ«مؤسسة منتدى أصيلة» برفقة نبيل بن عبد الله وبجانبه نبيل الحمر مستشار ملك البحرين خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى (تصوير: مصطفى حبيس)
TT

منتدى أصيلة يبدأ دورته الـ39 بندوة حول مكانة أفريقيا في العالم

محمد بن عيسى الأمين العام لـ«مؤسسة منتدى أصيلة» برفقة نبيل بن عبد الله وبجانبه نبيل الحمر مستشار ملك البحرين خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى (تصوير: مصطفى حبيس)
محمد بن عيسى الأمين العام لـ«مؤسسة منتدى أصيلة» برفقة نبيل بن عبد الله وبجانبه نبيل الحمر مستشار ملك البحرين خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى (تصوير: مصطفى حبيس)

شكلت أفريقيا وعلاقتها بالعالم موضوع نقاش أولى ندوات منتدى أصيلة «أفريقيا والعالم: أي عالم لأفريقيا؟»، شارك فيها مجموعة من الباحثين العرب والأفارقة.
وبحث المشاركون، مساء الجمعة، في الندوة، التي تنظم في إطار موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ39، بمكتبة الأمير بندر بن سلطان، التغييرات الجوهرية التي تعيشها القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة، ورصدوا طريقها في التحول من قارة للفقر والأوبئة والديكتاتوريات، إلى مدار استقطاب دولي واسع بتجارب تنموية رائدة.
وقال محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، وعمدة المدينة ووزير خارجية المغرب الأسبق، إن الندوة موضوع النقاش فرصة مهمة من أجل إنجاز مقاربة شمولية بأساليب ورؤى مبتكرة لتناول مشكلات وقضايا القارة الأفريقية، وتغيير النظرة التقليدية التي لطالما تعاملت معها على أنها فقط خزان للثروات المادية، مشدداً على أن الوقت قد حان من أجل النظر للقارة من زاوية الثروة اللامادية التي لا تفنى، وحددها في الإنسان الأفريقي الذي تجاهله العالم، لكنه نبه إلى أن الأفارقة واعون جيدا بالوضع الراهن، ومدركون أيضاً لما يزخر به هذا الفضاء الشاسع من قدرات بشرية خلاقة تركت بصمات إيجابية من خلال الإبداع في مجالات الفنون والموسيقى والآداب والعلوم والتكنولوجيا.
من جهة ثانية، أشار بن عيسى إلى أن موسم أصيلة الثقافي كان منذ انطلاقته عام 1978 ولا يزال حريصاً على مواكبة إشكالات القارة الأفريقية في كل مظاهراته، لافتاً إلى أن المملكة المغربية لم تتخلَّ عن النظر إلى أفريقيا، ليس فقط كشريك جغرافي، بل كمصير إنساني واقتصادي موحد وجامع.
من جانبه أشاد نبيل الحمر، مستشار العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، بدور منتدى أصيلة كمحطة لجمع أهل الفكر والمعرفة، وتحدث عن علاقته بالمدينة والمنتدى وبعرابه محمد بن عيسى، مشيراً إلى مشروع استنساخ منتدى أصيلة في البحرين قبل سنوات، وقال إنه حقق نجاحاً معرفياً وجسد دور التعاون الإيجابي بين الشرق العربي وأقصى الغرب العربي، وتمنى لو يتم استنساخ التجربة في كل عاصمة عربية من أجل بناء ثقافة عربية جميلة.
أما محمد الأعرج، وزير الثقافة والاتصال (الإعلام) المغربي، فتطرق في مداخلته إلى علاقة أفريقيا بالعالم في ظرفية اتساع الهوة بين العوالم، وما يقتضيه ذلك من نباهة في التعاطي مع قضايا التنمية في أفريقيا، انطلاقاً من قناعة وإيمان أبنائها بإمكانية رفع هذا الرهان بقوة الإرادة وعمق الثقة، مشيراً إلى بعض النقاط التي شدد عليها العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطبه ذات البعد الأفريقي، وكذا انخراطه الميداني في دينامية انطلاق مشاريع وشراكات ذات آفاق تنموية ووحدوية على المستوى القاري.
وأضاف الأعرج أن رفع التحديات والرهانات التي سيناقشها منتدى أصيلة لن يكون ممكنا خارج ثالوث الفكر والثقافة والإنسان، مشيرا إلى أن العمق الإنساني هو «فضاء للتعبير عن قوة المشترك ووحدة المصير في هذا الكوكب».
من جهته، تحدث ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي، عن أهمية البعد الأفريقي بالنسبة للمغرب، موضحاً أنه يحظى بالأولوية في سياسة المملكة الخارجية، وعلى هذا الأساس تشكل السياسة الخارجية للمملكة في المقام الأول التزاماً قوياً وشخصياً لعاهل اختار إعطاء التوجه الأفريقي للمغرب بعداً جديداً، مشيراً إلى أنه أيضاً ثمرة تفكير عميق لإضفاء روح التضامن والإصرار والإرادة على عمل المغرب «من أجل إقلاع أفريقيا»، ويتعلق الأمر بتغيير جذري للمعايير ومراعاة الموقع الاستثنائي الذي تحظى به أفريقيا.
واعتبر بوريطة أن عام 2017 هو عام الاحتفال بأفريقيا، لأنه تُوِّج بعودة المملكة المغربية إلى بيتها الأفريقي، وكذا بالموافقة المبدئية لرؤساء دول وحكومات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على طلبها لانضمامها لهذا التجمع الإقليمي، الذي يشكل نموذجاً ناجحاً للاندماج الاقتصادي للقارة.
وقال بوريطة إن هاتين الخطوتين تسعيان إلى توطيد التزام المغرب بأفريقيا في علاقاته الثنائية من أجل إعطاء قوة للمساهمة الفاعلة في رؤية أفريقيا من أجل السلم والتنمية، وذلك في إطار الشراكة المنتجة للثروة والمبنية على مبدأ المنفعة المتبادلة في مجالات كثيرة.
أما جون أجيكم كوفور، رئيس جمهورية غانا سابقاً، والرئيس المشارك للمنتدى الأفريقي - العربي - اللاتينو - أميركي، فقد قدم لمحة تاريخية عن الوضعية الاقتصادية للدول الأفريقية قبل وبعد الاستعمار، ورصد في مداخلته المشكلات التي خلفتها الأزمات على التوالي في كل فترة، وهي كلها تحديات، حسب رأيه، لم تكن أفريقيا قادرة على مواجهتها، وراكمت وراءها التخلُّفَات حتى أصبحت عاجزة. ورأى كوفور في رسالة وجهها إلى المنتدى، وتلاها نيابة عنه ممثل خاص، أن أفريقيا تعيش اليوم انتعاشاً اقتصادياً مهمّاً من خلال شراكات التبادل التجاري، والتطور الاقتصادي المطرد، وهي بوادر مشجعة للتنمية، كما تعززت مكانتها كأحد الأطراف الناشطة في المنظومة الاقتصادية العالمية.
ولأن أفريقيا مزيج بين دول تجمعها كثير من الخصائص وتفرقها أخرى، فقد استهل السنغالي أليون سال، المدير التنفيذي لمعهد مستقبل الأفارقة، مداخلته حول الهوية الأفريقية، معتبراً أن أفريقيا ليست كتلة واحدة، بل تجمع عدة أفريقيات، وأوضح أن العنصر الأفريقي «هو مزيج بين العرب والزنوج، وإذا أردنا أن نناقش أفريقيا فلا بد من أن نطرح بعض الأسئلة التي اعتبرها مهمة، أولها: ما إذا كانت أفريقيا جمعاً أم فرداً، ثم ما هي الآلات لقياس الأوضاع من باب النمو الاقتصادي؟»، فالتحسن الجديد في الوضع الاقتصادي، برأيه، ليس أمراً جديداً بل حدث قبل ذلك وعاد للانخفاض لاحقاً.
وبشأن الحكامة، أشار سال إلى أن هناك منظومات سياسية أفريقية تشهد التفتت والانفصال والانطواء على الذاتية والتطرف والاختلاف، ثم تساءل إذا كانت أفريقيا قد استعادت مكانتها التي لم يكن يجب أن تفقدها أم أنها مجرد حمل أسفرت عن إجهاض؟ً
من جهته، أشار إدريس الكراوي، الأمين العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي وعضو في مجلس إدارة المجلس الدولي للعمل الاجتماعي، إلى أن منظومة الاقتصاد العالمي في طور إعادة توزيع القوى السياسية، موضحاً أن المغرب من بين الدول الصاعدة في أفريقيا نتيجة للعمل المضني الذي يقوم به، مما دفعه إلى اكتساب مكانته راعياً أول في أفريقيا، ومبرزاً أن أفريقيا باتت تشهد اليوم ثورة جديدة من خلال الصناعات والثروة الطبيعية والذكاء المعرفي والقوة البشرية، وتوقع، في السياق ذاته، أن تصبح أفريقيا من بين الدول العظمى عالمياً من حيث عدد السكان، الذي سيصل إلى 61 في المائة من سكان العالم، بما يزيد عن مليارين وأربعمائة مليون نسمة، وهو ما سيتطلب ضرورة تحسين إدارة الثروات الطبيعية وتحسين العجز في بعض المجالات، وذلك عبر إعادة أنماط التنمية بحيث تكون العملية في أيدي الأفارقة أنفسهم، من دون أن نغفل المشكلات التي تواجهها القارة اليوم، ثم التخطيط على المدى المتوسط واعتماد مبدأ المساءلة، بناء على تفكير مستقل وطرح للواقع دون تشاؤم أو تفاؤل مفرط.
من جهته، تطرَّق موسى سيك، رئيس المركز الأفريقي الاستراتيجي، إلى مشكلة الجوع في أفريقيا، باعتبارها من المشكلات المستعصية في القارة السمراء، ورأى أنه قبل التفكير في أي شيء من أجل أفريقيا يجب التخلص من الجوع لأن الثقافة الغذائية، في رأيه، تعد من أهم الأمور التي يجب تجاوزها ليتمكن الأفارقة من تقديم شيء آخر لأنفسهم وللمجتمع، موضحاً أن أفريقيا يمكنها أن تنتج من الحبوب ما يكفي العالم كله لأنها تملك ثروة بشرية هائلة، وأراضي شاسعة يمكن استغلالها من أجل تحقيق التنمية.
من جانبه، قال يوسف العمراني، المكلف مهمة في الديوان الملكي المغربي، والوزير المنتدب السابق في الخارجية، إن «انخراط أفريقيا في هذه المنظومة مهم، لكن دون أن تمس بمصالحها وخصوصيتها، فالأفارقة أصبحوا مدركين أن المجتمع الدولي عاجز عن حل الأزمات، وعليهم إعادة النظر في الهياكل الدولية»، متسائلاً ما إذا كان يجب على الأفارقة أن يقبلوا التباين في الطرح في التعامل مع الأزمات وضمان اندماجهم في العالم؟
والرد بالنسبة للعمراني واضح؛ فأفريقيا «بحاجة إلى المزيد من التكامل والحكم الرشيد، فهناك أزمات ومشكلات أمنية جدية يجب التعاون من أجل إيجاد حل لها، أما العولمة فلها إيجابياتها، شريطة أن تتم السيطرة عليها حتى لا تهمش أحداً، والرهانات التي لا تتوافق معها تتطلب ردود فعل مشتركة، والعولمة نمط يمكن الاستفادة منه شرط أن تكون التنمية البشرية في صلبه».
أما برونوين بروتن، نائبة مديرة المجلس الأطلسي، فانتقدت موقف الولايات المتحدة في تعاملها مع أفريقيا وتهميشها، والنظر إليها بعين الارتياب بسبب المشكلات التي تعاني منها، وقالت إن أفريقيا نشطة وأميركا يجب ألا تتجاهل هذا الأمر بسبب المشكلات من خلال انطباعات جاهزة.
بيد أن بروتن قالت إنها متفائلة بشأن أفريقيا، حيث تتوقع أن تحقق نمواً حقيقياً في ظرف أربعة عقود، مضيفة أنه يجب على أميركا أن ترى فيها منبع الفرص الجديدة، وليس التركيز على الجوانب السلبية، فأميركا تشيخ، في نظرها، والعكس يحصل في أفريقيا.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.