قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين

سبان حمو قال لـ«الشرق الأوسط» إن معارك ريف حلب ستعرقل تحرير الرقة... وليس قلقاً من «تخلي الأميركيين»

قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين
TT

قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين

قائد «الوحدات» الكردية: روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام في عفرين

قال قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية، سبان حمو، في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس، إن روسيا «متواطئة» مع تركيا والنظام السوري ضد الأكراد في عفرين، متوقعاً «مواجهة مباشرة وجهاً لوجه» بين تركيا و«وحدات حماية الشعب» شمال سوريا؛ ما «سيؤثر سلباً» على معركة تحرير الرقة من «داعش».
وقال حمو في حديث هاتفي أمس، إن «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم «وحدات حماية الشعب» الكردية وفصائل عربية «اخترقت» أمس سور الحي القديم في الرقة معقل «داعش»، حيث بدأ نحو خمسة آلاف مقاتل عربي وكردي هجوماً على المدينة من أربع جبهات، حيث تم فتح سبعة محاور في كل جبهة، ضمن «خطة عسكرية لتحريرها خلال شهرين» في حال استمر التقدم بنفس الوتيرة، خصوصاً بعد تراجع عدد عناصر «داعش» في الأيام الماضية من نحو خمسة آلاف إلى 2500 عنصر.
وخلال هذه المعركة، يقدم التحالف الدولي بقيادة أميركا غطاء جوياً للقوات العربية والكردية «سيتم تصعيد وتيرته، بما في ذلك مشاركة طائرات أباتشي الأميركية في عملية تحرير الرقة بعد تحرير الموصل من (داعش)، إضافة إلى وجود 1300 عنصر معظمهم من الأميركيين ضمن التحالف». ويجري يومياً نقل ذخائر وأسلحة عبر طائرات أميركية إلى القاعدة العسكرية الأميركية الرئيسية في كوباني (عين العرب) التي تضم معدات إلكترونية وعسكرية متطورة ومهبطاً للطائرات. وقال حمو: «هناك تنسيق كامل بين التحالف وقواتنا، ونحارب جنباً إلى جنب».
* «قواعد» أميركية
وبحسب حمو، أقام الجيش الأميركي قواعد ومطارات ومراكز في 7 مواقع تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» و«وحدات حماية الشعب»، أبرزها في كوباني، إضافة إلى مطارين في الحسكة، وواحد في القامشلي واثنين في ديريك (المالكية)، وآخر في تل أبيض على حدود تركيا، وإلى «مفرزة عسكرية» في منبج في ريف حلب.
يضاف إلى هذه المراكز السبعة، معسكر التنف الذي أقامه الجيش الأميركي في زاوية الحدود السورية - العراقية - الأردنية، ومعسكر الزقف الذي يقع شمال التنف باتجاه مدينة البوكمال، وسط أنباء عن سحب هذا الأخير بموجب تفاهم رعته روسيا، وقضى بتفكيك هذا المعسكر الأميركي مقابل انسحاب موالين للنظام من منطقة نفوذ معسكر التنف بدائرة عمقها 55 كيلومتراً.
وإذ قال حمو إن الجيش الأميركي «يمكن أن يقيم قاعدة جديدة في أي مكان يريد شرق سوريا من دون عقبات أو موانع»، رداً على سؤال يتعلق بأنباء عن إقامة قاعدة قرب الشدادي في ريف الحسكة لدعم فصائل «الجيش الحر»؛ استعداداً لمعركة تحرير دير الزور من «داعش»، قال إن الأميركيين لم يبحثوا رسمياً مع قيادة «الوحدات» موضوع تحويل مطار الطبقة في ريف الرقة الذي سيطرت عليها «سوريا الديمقراطية» إلى قاعدة جوية متكاملة. وتابع: «بعد تحرير الرقة، إذا طرح موضوع دير الزور نحن مستعدون؛ لأننا نريد تحرير كل المناطق من (داعش) بما ذلك دير الزور ودرعا (جنوب سوريا)، وأي مكان. ونحن تفاهمنا مع الأميركيين على محاربة (داعش) والإرهاب في كل مكان».

* عفرين
وقال قائد «وحدات حماية الشعب» الكردية إن «استراتيجية تركيا تقوم على وأد مفهوم روج آفا (غرب كردستان) وتحاول محاربة الكرد وسوريا في شكل عام»، وأن ما يحصل في ريف عفرين والكلام عن بدء معركة جديدة باسم «سيف الفرات» بدعم من أنقرة «مؤامرة»، مشيراً إلى أن «روسيا والنظام الذي يقول إنه دولة ويصون الحدود والسيادة يتركان تركيا للتوغل والتدخل والقصف من دون أي موقف واضح». وزاد: «واضح أن هناك تواطؤا من تحت الطاولة بين الأطراف الثلاثة».
وكان «حزب الاتحاد الديمقراطي» برئاسة صالح مسلم الجناح السياسي لـ«وحدات الحماية» اقترح مع حلفائه العرب ومن قوميات أخرى نهاية 2013 مشروعا للإدارات الذاتية في ثلاثة أقاليم، هي الحسكة وعين العرب شرق نهر الفرات وعفرين غرب الفرات، ثم اقترح مشروع الفيدرالية الديمقراطية نموذجا لسوريا المستقبل.
لكن تركيا، التي تعتبر «الاتحاد الديمقراطي» و«وحدات الحماية» تابعين لـ«حزب العمال» الكردستاني وتنظيمين إرهابيين، اعتبرت الربط بين الأقاليم الذاتية الثلاثة وقيام «كردستان» شمال سوريا خطاً أحمر. ودعمت فصائل «درع الفرات» للتوغل شمال حلب لمنع الربط بين إقليمي الحسكة وعين العرب شرق الفرات وإقليم عفرين غرب الفرات. وقيل إن هذا حصل بتفاهم مع موسكو التي لم تمنع ذلك بالتزامن مع سقوط شرق حلب. وأقام الجيش الروسي قبل أشهر مركزاً عسكرياً في عفرين.
وسئل حمو أمس عن موقف روسيا من العملية العسكرية في عفرين وريف حلب، فأجاب: «لو لم يكن هناك موقف روسي (مؤيد أو غير رافض)، أنه من سابع المستحيلات دخول الأتراك إلى شمال سوريا وقصف ريف عفرين». وأضاف: «قد يكون هدف روسيا هو تخريب عملياتنا ضد (داعش) في الرقة وشرق سوريا. وهدف تركيا والنظام تخريب مشروع روج آفا (غرب كردستان). لكن هذا الاتفاق (بين الأطراف الثلاثة) مثل اتفاق الذئب والخاروف. وللأسف بعض الدول الكبرى يتصرف مثل التجار» في إشارة إلى موسكو. وزاد رداً على سؤال: «الروس قالوا لنا إنهم لم ينسحبوا من مركز عفرين، وقالوا للأتراك إنهم انسحبوا وادخلوا إلى سوريا».
وترددت أنباء عن وجود اتفاق بين أنقرة وموسكو قضى بتعهد روسيا انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» و«وحدات حماية الشعب» من تل رفعت وقرى مجاورة قرب عفرين مقابل عدم دخول فصائل «درع الفرات» التي يدعمها الجيش التركي إلى منبج التي أقيم فيها مركز للجيش الأميركي. وقال حمو: «كل اتفاق لسنا طرفاً فيه، لسنا معنيين به».
وسئل عن موقف «وحدات الحماية» في حال بدأت عملية «سيف الفرات» التي تدعمها أنقرة في عفرين، فأجاب: «موقفنا واضح... لا مشكلة. سنحارب بكل إمكاناتنا، وسنكون لأول مرة في مواجهة الأتراك وجهاً لوجه. هم معتدون على أرضنا ودخلوا إلى أرض ليست أرضهم، نحن جاهزون منتهى الجهوزية لإفشال خطط الاحتلال التركي وإجبارهم على الانسحاب من كل شبر من أراضي سوريا». وزاد: «للأسف الروس يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر».
وهل أُثير موضوع التدخل التركي في عفرين مع المبعوث الرئاسي الأميركي، بريت ماغورك، خلال زيارته لريف الرقة قبل أيام، فأجاب بأنه لم يلتق به «لكن الموقف الأميركي واضح ومبدئي. يقولون إن هذه المناطق (في عفرين) تابعة لروسيا، وهناك مناطق تابعة لهم. هناك اتفاق بينهم شرق نهر الفرات للأميركيين وغرب نهر الفرات للروس». وأضاف: «في شكل طبيعي، فإن الهجوم على عفرين سيؤثر سلبا على معركة الرقة، إذ إن 500 من جيش الثوار قرروا الذهاب من الرقة للدفاع عن عفرين ونصف مقاتلي وحدات الشعب الموجودين قرب الرقة، هم من عفرين وسيذهبون للدفاع عن أهلهم وأرضهم. أكيد سيؤثر ذلك على معركة تحرير الرقة».
وزاد حمو: «عفرين ستكون نقطة مقاومة ضد كل من يعتدي علينا ومشروعنا الديمقراطي ومشروعنا الفيدرالي لسوريا»، نافياً أنباء عن نيتهم تسليم عفرين إلى قوات النظام كما حصل في ريف حلب عندما رعت موسكو تسليم «سوريا الديمقراطية» مناطق إلى قوات النظام. وقال ردا على سؤال: «إذا وافق (رئيس النظام السوري) بشار الأسد على التغيير والمشروع الفيدرالي ليست هناك مشكلة. الموضوع ليس موضوع أشخاص، بل تغيير في مؤسسات وعقلية النظام وتعاطيه مع سوريا وحقوق الشعب السوري والأكراد».
وأشار حمو إلى أن الأكراد «ليسوا قلقين» من تخلي الأميركيين عنهم كما يفعل الروس حالياً في ريف حلب، وكما فعل الأميركيون مع أكراد العراق في سبعينات القرن الماضي. وقال: «لسنا قلقين بهذا الخصوص. نعتمد على سياستنا وهي عقلانية ولسنا تابعين لأحد. علاقتنا مبنية على الانتصارات وإنجازات «وحدات حماية الشعب». طالما التنظيم قائم والانتصارات قائمة لا نخشى من التخلي (عنا) من أي طرف، بل إنني أتوقع أنه في وقت ليس بعيداً أن الروس سيحصون (يدركون) ويعرفون أن سياستهم الحالية كانت خاطئة».



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.