«أوديمار بيغيه»... تُعزز استقلاليتها بدخول مجالات فنية

جاسمين أوديمار لـ «الشرق الأوسط» : ما تشهده سوق المنتجات المترفة حالياً ليس أزمة بقدر ما هو تطبيع لازم

ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك  إكسترا ثين» -  ساعة «غراند كومبلكايشن  رويال أوك أوفشور كرونوغراف»
ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك إكسترا ثين» - ساعة «غراند كومبلكايشن رويال أوك أوفشور كرونوغراف»
TT

«أوديمار بيغيه»... تُعزز استقلاليتها بدخول مجالات فنية

ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك  إكسترا ثين» -  ساعة «غراند كومبلكايشن  رويال أوك أوفشور كرونوغراف»
ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك إكسترا ثين» - ساعة «غراند كومبلكايشن رويال أوك أوفشور كرونوغراف»

كانت درجات الحرارة في سويسرا مرتفعة بشكل استثنائي في الأسبوع الثاني من شهر يونيو (حزيران) الأخير. كانت أشعة الشمس الساطعة تتبعنا أينما أخذتنا شركة الساعات السويسرية الشهيرة، «أدوديمار بيغيه» في رحلتها الفنية. كان هدفها تقريبنا من إرثها ومبادئها المتوارثة أباً عن جد وأيضا تعريفنا بفنيتها. لأربعة أيام لم تتنازل الحرارة ولا درجة سواء في بازل أو جنيف أو نيو شاتيل ولوبراسي.
المحطة الأخيرة كانت في معرض «أرت بازل». وجهة لا تقل أهمية عن «لوبراسي» حيث توجد معاملها ومراكز إنتاجها. أهميتها تكمن في أن أوديمار بيغيه أصبحت وجها مألوفا فيها منذ خمس سنوات. تشارك في معرضها السنوي بأجمل إبداعاتها وأكثرها تعقيدا، إلى جانب دعمها لفنانين معاصرين، تُكلفهم بإبداع تحف من بنات أفكارهم تستعرضها في جناحها الخاص. ما إن تطأ قدماك ردهة المعرض حتى تُداهمك رائحة الفن من كل صوب. فكم الأعمال الفنية كان مدوخا. بعضها يغطي الجدران وبعضها الآخر يتدلى من الأسقف أو يتوسط الردهات. ورغم هذا الكم وكل الجمال، كانت الأعين مصوبة على جناح أوديمار بيغيه، وشجرته الضخمة التي كانت أول ما تستقبلك. شجرة استوحاها الفنان سباستيان إيرازوريز من طبيعة «فالي دو جو» حيث توجد معامل الدار، تتفرع لتظهر على فروعها بتلات تتأهب للتفتح.
من بين الازدحام الذي خلقته الشجرة لمعاينتها عن قرب وقبل الدخول لمتابعة ما يقوم به حرفيو الدار أمامهم من حفر على الساعات أو نقشها، تظهر جاسمين أوديمار. سليلة جيل - لويس أوديمار أحد مؤسسي الدار السويسرية في عام 1875.
طويلة ورزينة بشعرها الأبيض القصير وتايور بسيط بلون بيج. اتجهت نحو الحرفيين لتراقبهم وكأنها طفلة ترى هذا المشهد لأول مرة، مع أنها ربما رأته مئات المرات. جاسمين أوديمار تعمل في الدار منذ 30 عاماً، فهي رئيسة مجلس الإدارة، كما أنها واحدة من بين نساء يُحسبن على أصابع اليد الواحدة ممن نجحن في اقتحام عالم الساعات الفاخرة حيث لا يزال الرجل هو المسيطر فيه على المناصب الكبيرة. فحتى عهد قريب كانت الوظائف التي تحصل عليها المرأة في هذا المجال تقتصر على العلاقات العامة أو التسويق أو العمل في المعامل لتجميع المكونات أو نقشها أو تزيين الموانئ وما شابه من أمور تحتاج إلى أنامل ناعمة. باستثناء كارولين شوبارد من دار «شوبار» ونايلة حايك من مجموعة «سواتش» ورئيسة «هاري وينستون» التنفيذية، وشابي نوري الرئيس التنفيذي الجديد لدار «بياجيه» ظلت المرأة مغيبة بشكل واضح عن مراكز القرارات.
بيد أن الأمر لا يُقلق جاسمين. فالمسألة بالنسبة لها مسألة وقت فقط، لأن المرأة تستحق أن يكون لها دور أكبر. فهي حسب رأيها «تتمتع بميزة مهمة ونادرة تتلخص في عدم تضخم الأنا لديها». تضيف بابتسامة شقية: «قد لا يكون المستقبل نسوياً في عالم الترف لكنه حتما أنثويا». وتضيف: «المرأة لا تعاني من مستوى تستيرون عال، وبالتالي لا تُعقد الأمور كثيراً فضلاً عن أنها منصتة جيدة. طبعاً هناك دائما حالات شاذة لكنها عموما قائدة جيدة، وإن كان علي الإعتراف أن قيادة أي شركة كيفما كانت تُشكل تحديا للمرأة والرجل على حد سواء».
درست جاسمين العلوم الاجتماعية والتاريخ الاقتصادي في جامعة جنيف، إلا أنها لم تلتحق بشركة العائلة. كان يدغدغها حلم الصحافة فوجدت ضالتها في جريدة «لوتون» Le Temps في عام 1968. في عام 1980 تولت رئاسة تحريرها.
تعترف أنها على الرغم من أنها وُلدت وشبت في بيئة تتنفس الساعات، لم تكن مطالبة بأن تنذر حياتها لها كتحصيل حاصل فقط لأنها وُلدت فيها. لم تكن المسألة أيضا بالنسبة لها تمردا أو رغبة في الانعتاق من جلباب العائلة. كل ما في الأمر أنها كانت تريد أن تترك أثرا لها في عالم الصحافة، ولم تجد مانعا من والديها. بل العكس، تقول: «شجعاني وتمنيا لي التوفيق عندما أسررت لهما برغبتي». عشرون عاما مرت وحققت فيها الكثير من النجاحات والإنجازات، لكن عندما اقترح عليها والدها في عام 1992 الانضمام للشركة، لم ترفض أو تقاوم. كانت كما تقول «مستعدة لخوض تجربة جديدة، فبعد 20 عاما في العمل الصحافي شعرت أن الوقت حان للتغيير». تستطرد سريعا: «ثم أن النقلة لم تكن تغييرا جذريا كما تتصورين، لأن عملي كرئيسة تحرير في الجريدة كان يتطلب دراية إدارية ومالية مثل تحضير الميزانية وتقنينها وما شابه من أمور».
الآن وبعد 30 عاما من توليها مهمتها كرئيس مجلس الإدارة في «أوديمار بيغيه» لا يبدو عليها الكلل أو أي علامات تشير إلى أن الإرث الكبير الذي تحمله على عاتقها طوال هذه السنوات، يُثقل كاهلها. فهي حريصة أن تسلمه قويا للأجيال القادمة من العائلة. عندما أشير إلى هذه النقطة تجيب دون تردد أنها جبلية الأصل والتكوين وبالتالي تتعامل مع كل شيء في الحياة بعقلانية «فسكان الجبال معروفون باستقلاليتهم وبقدرتهم على التحمل ومواجهة المصاعب ولا يميلون لتضخيم الأمور أكثر من اللازم». كلمة الاستقلالية تكررت على لسانها كثيرا خلال حديثنا. فالدار التي كان جد جدها جيل - لويس أوديمار أحد مؤسسيها لا تزال مستقلة يتحكم أفراد من العائلة في زمامها ويديرونها بنجاح. في كل مرة تُذكرني بذلك، كانت تقفز من عيونها نظرة تُعطي الانطباع بالفخر. ولولا تعريفها للشخصية السويسرية ولا سيما تلك التي تتجذر أصولها في جبال الجورا لكان من السهل تفسير نظرتها هاته اعتدادا بالنفس. تُعلق وكأنها قرأت ما يجول بخاطري «من بين المبادئ التي ورثناها أبا عن جد أن نتجنب الغرور بكل أشكاله. فحتى نبقى شركة عائلية متماسكة وقوية علينا ذلك، إلى جانب الاستعداد للأوقات العصيبة والتعامل معها بحنكة وصبر. فعندما نحقق النجاح ليس من البديهي أنه سيدوم للأبد من دون عمل ومثابرة... ففي الحياة لا بد وأن تواجهنا مطبات علينا تجاوزها بواقعية، المهم أن نصل إلى بر الأمان في النهاية».
قد تكون القيادة في حالتها أسهل بكثير مقارنة بغيرها من الشركات لنفس السبب الذي تُكرره: أن مفاتيحها لا تزال بأيادي أفراد من العائلة. فهذا يعني أنها تتمتع بحرية الإبداع كاملة من دون تدخلات خارجية على قراراتها، وكل الاستراتيجيات التي تعتمدها «مستقبلية وبعيدة المدى لأننا لسنا مضطرين لإجراء تقييمات ربع سنوية لإرضاء المساهمين مثلا».
لكي تحافظ «أوديمار بيغيه» على استقلاليتها فإنها تعرف جيدا أنه لا يمكنها الاعتماد على الفنية وحدها بل يلزمها أيضا أن تحقق النجاح التجاري، وهو ما كان لها حتى في عز الأزمات. ففي كل مرة تعلن عن نتائجها السنوية تُثلج الصدور بما تحققه من أرباح. فهي تنمو بشكل صحي، حسب قولها. الفضل يعود إلى تصاميم ساعاتها الأنيقة وما تتضمنه من وظائف وتعقيدات رائدة سهر عليها حرفيون ومهندسون مهرة في كل معاملها المتطورة. يعود أيضاً إلى استراتيجياتها الذكية التي ابتعدت فيها عن التسرع في اتخاذ القرارات والطموح الزائد في تحقيق الأرباح بدخول أسواق جديدة دون دراسة وافية. فالموجة التي ركبها صناع الموضة والجواهر والساعات بافتتاح محلات كثيرة في الصين، مثلا لم تكن موفقة. والدليل أن عراقيل كثيرة واجهتها، من تقنين الحكومة الصينية تقاليد منح الهدايا، والتي كانت الساعات جزءا منها، إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني عموما وتذبذب العملات العالمية. كل هذا دفع الكثير منهم إلى التراجع وهو يجر ذيول الخيبة. أوديمار بيغيه في المقابل لم تتسرع ولم تتوسع كثيرا. هنا أيضاً أكدت فلسفتها «الجبلية» بعدم تضخيم الأمور وإعطائها حجما يفوق حجمها الحقيقي وإمكانياتها. بالنسبة لجاسمين أوديمار فإن ما يشهده سوق الترف حالياً من تباطؤ وتراجع ليس «أزمة بقدر ما هو تطبيع. فقد شهدت صناعة الترف عموما والساعات خصوصا طفرة مفاجئة فيها بعض المبالغة وبالتالي كان من الصعب أن يستمر. فعندما تكبر أي شركة بشكل سريع ومفاجئ لا تكون النتيجة دائماً في صالحها».
وتضيف: «وهنا أعود إلى الجغرافيا الجبلية وكيف شكلت وعورتها وصعوبة تضاريسها وطقسها شخصياتنا. نحن نتسم بالحذر ولا نأخذ أي خطوة قبل التأكد من أنها ستكون على أرض صلبة. عندما كان الكل يتسابق للتوسع في الصين فضلنا التريث. كنا نعرف أن الصين سوق صعبة وبلد لا نعرف عن تناقضاته الشيء الكثير. لهذا تعاملنا معه بحذر».
تماشيا مع هذه الفلسفة فإن أوديمار بيغيه تحرص على عدم إنتاج أكثر من 40 ألف ساعة في العام تقريبا، كما تقول، حتى لا تُغرق السوق بمنتجاتها وتُفقدها تميزها. فالحسبة بالنسبة لجاسمين بسيطة: عندما تكسب الكثير من الأرباح تكون أكثر عرضة لأن تخسر الكثير أيضاً.



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.