حمص.. فرصة المعارضة الضائعة

تشتت الكتائب وغياب قيادة مركزية تسببا في سقوط {عاصمة الثورة}

حمص.. فرصة المعارضة الضائعة
TT

حمص.. فرصة المعارضة الضائعة

حمص.. فرصة المعارضة الضائعة

خسرت فصائل المعارضة السورية بعد خروج آخر مقاتليها من أحياء حمص القديمة ضمن اتفاق مع النظام أشرفت الأمم المتحدة على تنفيذ بنوده، فرصة ثمينة لإضعاف النظام السوري في عاصمته السياسية دمشق ودفعه للانكفاء إلى حاضنته الطائفية في الساحل.
فحمص تقع في منتصف سوريا وتربط جغرافيا بين العاصمة دمشق والساحل حيث تقطن غالبية علوية تؤيد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ما يعني أن احتفاظ المعارضة بها كان من شأنه قطع طرق الإمدادات العسكرية القادمة من العراق، وعزل العاصمة، ما يؤدي تدريجيا إلى إجبار النظام على التراجع نحو الساحل، تمهيدا لمحاصرته في معقله الأخير وإسقاطه نهائيا. وسقوطها في يد النظام يعني طوق نجاة جديدا للرئيس السوري بشار الأسد.
تمتلك حمص أهمية استراتيجية بحكم موقعها في المنطقة الوسطى على مسافة 160 كيلومترا تقريبا شمال العاصمة دمشق. وهي كبرى المحافظات السورية من حيث المساحة وفي المرتبة الثالثة من حيث عدد السكان بعد دمشق وحلب، ولها حدود مع لبنان من الغرب والعراق والأردن من الشرق. وقد خرجت مساحات واسعة من المدينة عن سيطرة النظام بعد اتجاه المعارضة إلى العمل العسكري. لكن بعد اقتحامات متتالية شنتها القوات النظامية ضد أحياء المدينة، تراجعت كتائب المعارضة إلى الأحياء القديمة، التي جرى محاصرتها نظاميا ما يقارب السنتين، ليصار أخيرا إلى إجلاء المعارضة من المدينة ضمن اتفاق مع النظام بإشراف الأمم المتحدة، فتعود حمص إلى سيطرة النظام. لعل النظام السوري أدرك منذ المعارك الأولى التي اندلعت في حمص خطورة السيناريو الذي تسعى إليه المعارضة انطلاقا من حمص، فسعى إلى إجهاضه عبر استراتيجيتين: الأولى تقضي بقطع الإمدادات عن بؤر المعارضة في المدينة تمهيدا لفصلها بعضها عن بعض ومحاصرتها وإجبارها على الاستسلام، بحسب ما يؤكد المحلل العسكري السوري عبد الناصر العايد لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن «الاستراتيجية النظامية الثانية اعتمدت على تغذية الصراعات داخل القوى العسكرية المعارضة التي انشغلت بالنزاعات الداخلية، مما جعل التعاون بينها شبه مستحيل، فإذا ما هاجمت القوات النظامية مجموعة ما ترفض المجموعات القريبة التدخل لإنقاذها».
وعلى الأرجح، فإن افتقاد كتائب المعارضة السورية في حمص قيادة مركزية تدير العمليات العسكرية بشكل متوازن وفعال، «ساعد النظام على استعادة حمص بسرعة أكبر»، وفق ما يقول المحلل العسكري عبد الناصر العايد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، موضحا أن «المعارضة تعاني مشكلة التشتت وعدم وجود استراتيجية موحدة تحافظ على التنسيق بين المناطق الخاضعة للمعارض».
ويزيد سقوط حمص بيد النظام من شرذمة كتائب المعارضة وتشتتها، فبعد أن كانت المعارك الميدانية تحصل في وسط البلاد، باتت تتركز أكثر في الأطراف التي لا تشكل خطرا كبيرا على النظام السوري. وهو ما سيساهم في تراجع مستوى التنسيق بين فصائل المعارضة، التي تقاتل أساسا وفق استراتيجيات متضاربة ترضي الجهات الممولة أكثر مما تلتزم استراتيجية محددة للمعارضة.
ويشدد العايد على أن «احتفاظ المعارضة بحمص كان من شأنه أن يحرم النظام من طريق إمداداته الواصل بين الساحل ودمشق، مما سيؤدي إلى إضعافه في العاصمة حيث عمقه السياسي، وإجباره إلى الانكفاء نحو عمقه الطائفي في الساحل»، لافتا إلى أن «تراجع النظام نحو الساحل سيعد هزيمة عسكرية له تمهد لإسقاطه».
وفي السياق ذاته، لا يقلل أستاذ العلاقات الدولية بجامعة باريس - الجنوب، خطار بودياب خلال تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» من أهمية حمص وعدها «عقدة طرق مهمة لوصل دمشق بالساحل، مما جعلها معركة مصيرية بالنسبة للنظام السوري»، موضحا أن «المعارضة ارتكبت خطأ كبيرا حين تلهت بحروب جانبية ولم تركز على استهداف النظام في مركزه الرئيس بالعاصمة عبر استثمار معارك حمص وما سواها».
وفي حين، يوضح بودياب أن «سقوط حمص يمثل انتكاسة للمعارضة»، يشير في الوقت نفسه إلى أن «الصراع في سوريا يخرج عن القواعد الكلاسيكية، فهو ليس حرب جيوش كما أنه ليس حرب عصابات، النزاع بين الأطراف في سوريا مزيج من الاثنين، مما يعني أن الحرب باتت طويلة الأمد ودخلت مرحلة الاستنزاف»، انطلاقا من ذلك فإن «سيطرة أي طرف على مدينة أو بلدة، ستقابلها سيطرة مضادة من الطرف الثاني في إطار حرب مواقع لا نهاية لها».
ويأخذ بودياب على المعارضة السورية «عدم وجود قيادة عسكرية موحدة تخطط لإدارة العمليات وتشرف على التنفيذ»، داعيا إياها إلى الدخول في مرحلة «المساءلة والنقد الذاتي»، لافتا إلى «تصريحات أدلى بها قائد جبهة حمص العقيد فاتح حسون، مبديا استعداده للمساءلة بعد سقوط حمص».
وكانت وكالة «الأناضول» التركية قد نقلت عن العقيد حسون أنه «مستعد مع الكوادر العاملة معه للمساءلة الشرعية والقضائية أمام أي لجنة تابعة للمعارضة»، وذلك لـ«تبيان الحقائق وتشجيعا لبدء مرحلة جديدة من العمل الثوري». وأشار حسون إلى أن «المساءلة من الممكن أن تتضمن الإمكانات القتالية التي تسلمتها جبهة حمص من سلاح وذخيرة وعتاد حربي، وكذلك الأمر بالنسبة للإمكانات المالية التي تسلمتها، وأيضا بالنسبة للإمكانات الطبية والإغاثية، وذلك من جانب الجهات الداعمة للمعارضة».
كما أبدى استعداده مع كوادره للمساءلة أيضا بـ«خصوص العمليات والمعارك القتالية المنفذة تحت إشراف الجبهة، وأيضا التواصل الداخلي والخارجي مع مختلف الجهات أو أي موضوع آخر متعلق». وكشف عن أنه «تقدم بطلب رسمي بهذا الخصوص إلى رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة أحمد طعمة»، لكن «لم يتلق ردا عليه حتى اليوم»، على حد قوله.
وعلى الأرجح، فإن الوقت الذي قد تقضيه المعارضة في تحديد المسؤوليات عن سقوط حمص سيستغله النظام في تثبيت سيطرته على المدينة التي تبدلت توازناتها الديموغرافية على المستوى الطائفي، فغدت الأقلية العلوية التي كانت تقطن في عدد من الأحياء، مثل النزهة والزهراء، الغالبية السكانية في المدينة بعد نزوح عدد كبير من السنة إثر القصف النظامي الذي استهدف مناطقهم. ويسهل هذا التغير الطائفي في حمص على النظام السوري تنفيذ خطته البديلة التي من المحتمل أن يلجأ إليها في حال شعر بالخطر، وتقضي بحسب تقارير صادرة عن مراكز أبحاث دولية بإنشاء دولة علوية تمتد من شمال دمشق إلى الساحل وتتخذ من حمص قاعدة أساسية لها.
في هذا الإطار، لا ينفي العايد أن «حمص باتت مجالا حيويا للعلويين بعد سيطرة النظام عليها»، مستبعدا في الوقت نفسه أن «يلجأ النظام إلى سيناريو الدويلة العلوية، لأن إيران أهم حلفائه لا تريد ذلك».
ويوضح أن «النظام الإيراني لا يريد للعلويين أن ينعزلوا عن محيطهم، على العكس هو يسعى إلى اندماجهم مع هذا المحيط بشكل وظائفي، بحيث يكونون أداة تأثير في الأحداث وذريعة لتوسيع النفوذ»، مضيفا: «كان يمكن لإيران أن تدفع حزب الله في لبنان إلى إقامة دويلة خاصة به، لكنها تفضل أن يبقى عنصرا فاعلا يملك حرية الحركة في البيئة السياسية اللبنانية لتحقيق مزيد من النفوذ لصالحها».
وسواء عمد النظام إلى استخدام حمص كقاعدة لدولته البديلة أم لم يعمد، فإن سيطرته على المدينة ستؤمن له موقعا عسكريا متقدما يحمي من خلاله حاضنته الاجتماعية ويتجه لخوض معاركه في مناطق أخرى.
ورغم خروج مقاتليها من آخر معاقلهم في حمص القديمة، فإن المعارضة السورية لا تزال تسيطر على نحو 85 في المائة من الريف الشمالي لمدينة حمص، حيث المسافة الفاصلة بين حماه وحمص. وتعد مناطق تلبيسة والرستن والغنطو ودير فول والدار الكبيرة وعز الدين والعامرية أهم مناطق الريف الشمالي الخاضعة لسيطرة المعارضة، مما يجعلها هدفا دائما لقصف القوات النظامية، بحسب ما أكد الناشط المعارض سليم قباني لـ«الشرق الأوسط»، مشيرا إلى أن «هذه المناطق تستهدف بقذائف الطائرات النظامية بشكل دوري، مما يتسبب في أضرار فادحة في ممتلكات المدنيين»، كما لفت إلى «وقوع اشتباكات متقطعة بين كتائب المعارضة المتحصنة داخل هذه المناطق والقوات النظامية بين الحين والآخر على جبهات العامرية وتلبيسة والرستن».
وفي حين يرى مراقبون أن المعركة الثانية للقوات النظامية ستكون في الريف الشمالي لحمص لطرد مقاتلي المعارضة من مناطقه، يعرب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، عن اعتقاده أن النظام لا يسعى إلى هذه المعارضة بسبب نفاد المخزون البشري لديه، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام لا يملك العدد الكافي من الجنود لتغطية جميع الجبهات».
ويرجح عبد الرحمن أن «يعمد النظام إلى عقد المصالحة مع مقاتلي المعارضة في الريف الشمالي وربما اتفاق تسوية يشبه ذلك الذي أبرم لخروج العناصر المقاتلة من حمص القديمة»، مشيرا إلى أن عدد مقاتلي المعارضة المتمركزين في الريف الشمالي الحمص كبير جدا. وأوضح أن «عدد الذين وصلوا إلى هناك بعد اتفاق حمص كان 1800، مما يعني أن عدد الذين يتحصنون هناك يمكن إحصاؤه بالآلاف».
وتتنوع انتماءات مقاتلي المعارضة الموجودين في ريف حمص الشمالي، بحسب ما يؤكد عبد الرحمن، بين «الجيش الحر» و«الجبهة الإسلامية» و«جبهة النصرة»، وجبهة «ثوار سوريا»، إضافة إلى عناصر من تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
ومن الممكن أن يؤدي هذا التنوع العقائدي بين فصائل المعارضة في الريف الشمالي إلى اندلاع صراعات بينها أسوة ببقية المناطق، إذ حذرت بعض التقارير من «إمكانية وقوع نزاعات بين مقاتلي حمص الذين خرجوا من أحياء المدينة القديمة بموجب الهدنة الأخيرة، والمجموعات العسكرية التابعة للمعارضة في الريف الشمالي». كما أشارت التقارير إلى وجود «حساسيات لا يمكن إخفاؤها، خصوصا في ظل اتهام مقاتلي حمص نظراءهم في الريف الشمالي بالتخاذل عن نصرتهم، وعدم القيام بأي عمل من أجل فك الحصار الذي فرضه النظام على الأحياء الحمصية التي كان مقاتلو المعارضة يتحصنون فيها طوال السنتين الماضيتين». ورغم أن مقاتلي الريف الشمالي استقبلوا ضيوفهم القادمين من حمص المحاصرة بحفاوة كبيرة، لكن هناك مخاوف جدية من انقلاب الموقف، خصوصا أن عدد الخارجين من حمص تجاوز الألف مقاتل، بموجب الخطة التي قام النظام بفرضها على مقاتلي المعارضة في المنطقة، مما يعني أن انقساما ما سيبرز في الريف الشمالي بين الذين كانوا يتمركزون في القرى وهؤلاء الذين خرجوا ضمن اتفاق حمص، فضلا عن الصراعات العقائدية بين الفصائل المقاتلة، التي من الممكن أن تتحول إلى صراعات مفتوحة في أي لحظة.
وكان لافتا أن المجلس العسكري التابع للجيش السوري الحر ببلدة «الدار الكبيرة» في الريف الشمالي أصدر قرارا عشية تنفيذ اتفاق الهدنة منع فيه «دخول أي شخص إلى البلدة لحين انتهاء وصول المجاهدين من حمص المحاصرة، وذلك حرصا على تأمينهم وراحتهم»، في خطوة تهدف إلى تجنب الاحتكاك بين المقاتلين الموجودين في المنطقة والقادمين إليها من أحياء حمص القديمة.
النكتة سلاح الحمصيين ضد الموت
* احتلت مدينة حمص مكانة رمزية قبل اندلاع أزمة سوريا وبعدها، فـ«عاصمة الثورة»، وفق ما يحلو لناشطين ومعارضين تسميتها، باعتبار أنها احتضنت احتجاجات شعبية مبكرة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، لطالما عرفها العالم على أنها «عاصمة النكتة». ولم يتردد أهلها في المطالبة قبل سنوات بإطلاق لقب «العاصمة العالمية للضحك» على مدينتهم، ثالث أكبر مدينة في سوريا وأغناها حضارة وتاريخا وتراثا.
وإذا كان المصريون، على سبيل المثال، يروون الدعابات والطرائف عن أهالي الصعيد، والفرنسيون عن البلجيكيين، والبرازيليون عن البرتغاليين، فلأهالي حمص النصيب الأكبر من النكت والدعابات المتداولة من قبل السوريين واللبنانيين وحتى الأردنيين.
ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد، حافظ الحمصيون على حس الطرافة. وبادر عدد منهم إلى تصوير طرائف ابتكروها ردا على اتهامات النظام باحتضان المدينة، قبل «عسكرة الثورة» مجموعات مسلحة، تظهرهم وهم يستخدمون الخضار والفواكه والمفرقعات النارية ردا على القصف النظامي. كما عمدوا إلى تصوير أفلام ساخرة وتقديم نماذج لأسلحة مصنوعة من رشاشات المياه والقساطل.
وبعد دخول الجيش النظامي إلى المدينة، أنشأ الحماصنة مجموعات طريفة على مواقع التواصل الاجتماعي، حملت إحداها تسمية «مغسل ومشحم حمص الدولي للدبابات». حتى إن انسحاب مقاتلي المعارضة، الأسبوع الماضي من حمص القديمة، لم يمر مرور الكرام، إذ كتب لاعب كرة القدم الحمصي المعروف عبد الباسط الساروط على صفحته الشخصية باللغة المحكية على موقع «فيسبوك»: «أبو عبدو زلمة نظامي أول ما طلع عالباص عطاه للشوفير عشرة ليرات وطلب منو كرت باص. صار يضحك الشوفير وقلو لأبو عبدو صار الكرت بخمسين ليرة. أبو عبدو اندهش وقال: يا إلهي كم لبثنا!».
ولأهل حمص تاريخ طويل في ميدان الفكاهة والمزاح، وثمة مؤلفات عدة ترصد نشأة «أدب النكتة» في المدينة. وتتناقل مراجع وتقارير عدة رواية مفادها أن القائد المغولي تيمورلنك بعد تنفيذ قواته هجوما على مدينة حلب أدى إلى تدميرها بالكامل، توارد الخبر إلى مسامع أهالي حمص، الذين علموا أن دورهم آت، فقرروا التظاهر بالجنون ولجأوا إلى قرع الطبول وارتداء ملابس غريبة وراحوا يفتعلون حركات غريبة ويقهقهون بطريقة هستيرية، مرددين أن كل من يشرب من مياه نهر العاصي تصيبه لوثة الجنون.
وتضيف الرواية أن قائد المغول لما رأى حالهم، ظن أن المدينة ممسوسة وطالب قواته بإكمال طريقها والزحف مباشرة على دمشق، لتبقى المدينة بفضل خفة دم أهلها وذكائهم، بمأمن عن بطش المغول.
عبد الباسط الساروت: من حراسة المرمى إلى حماية حمص
* لم يكن حارس مرمى منتخب سوريا لكرة القدم عبد الباسط الساروط يعتقد يوما أن الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ستصل إلى عمق مدينته حمص منتصف عام 2011 وتحوله إلى رمز من رموز حراك الشعب السوري.
بين ليلة وضحاها، انتقل الساروط من ملعب كرة القدم إلى واجهة المظاهرات الشعبية التي انطلقت باكرا في حمص، حيث قاد بعضها وصدحت حنجرته بشعارات وأناشيد مناهضة للنظام، باتت جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمدينة، التي تعد وفق ناشطين «عاصمة الثورة»، ولم يتردد ناشطون كثيرون في تلقيبه بـ«بلبل الثورة».
ولم تكن مشاركة حارس كرة القدم، المتحدر من عشيرة «الحديدين» والمولود عام 1992، مشاركة عابرة أم رمزية، إذ تمكن بفضل شعبيته و«الكاريزما» التي يتمتع بها، من أن يصبح من أبرز محركي الشارع الحمصي والأكثر تأثيرا فيه. وكان لظهوره مع الممثلة العلوية فدوى سليمان، إثر محاولة النظام افتعال أحداث ذات طابع طائفي في المدينة، دورا أساسيا في التخفيف من حدة الاحتقان والتشنج.
ومع «عسكرة» الحراك الشعبي الذي لاقاه النظام السوري بالقتل والقمع، لم يعد النشاط السلمي مثمرا، مما دفع الساروط للانخراط في العمل العسكري الميداني، من خلال تأسيس كتيبة تضم عشرات المقاتلين وعرفت باسم «كتيبة البياضة»، لكن عددا كبيرا من عناصرها قضى مطلع العام الحالي بعد محاولتهم كسر الحصار وإدخال المساعدات الغذائية إلى المحاصرين في حمص، من خلال نفق حفروه، وتمكن النظام من كشف مخططهم والإيقاع بهم لدى محاولتهم التسلل إلى حمص القديمة، ولم ينج إلا عدد قليل منهم، بينهم الساروط.
وكتب الساروط، ليلة مقتل عناصر الكتيبة، على صفحته الشخصية على «فيسبوك»: «عرس جماعي لـ62 بطلا نالوا الشهادة في ظروف لا تصدق، كانوا يحملون على أعناقهم هم 3000 نسمة في حمص المحاصرة، وكانوا آخر أمل لفك هذا الحصار اللعين، رحمكم الله يا أبطال، عذرا يا رجولتي لا أستطيع منع نفسي عن البكاء».
وعمد النظام السوري، في مواجهة نفوذ الساروط المتصاعد، إلى تشويه سمعته حينا وترغيبه حينا آخر. فخصص جائزة مالية لمن يعتقله مرة، ومرة أخرى اتهمه بالسعي لإقامة «إمارة سلفية» في حمص. ويروي الساروط في فيلم وثائقي أعده المخرج طلال ديركي بعنوان «العودة إلى حمص»، أن النظام حاول استمالته من خلال وسطاء تعهدوا بتسوية وضعه مقابل أن يتخلى عن موقفه الداعم للمعارضة ويعود مجددا إلى صفوف المنتخب السوري. وقابل هذه المساعي بالرفض المطلق، متمسكا بمواقفه وبحراكه الميداني.
وبقي الساروط في حمص القديمة طيلة الفترة الماضية ولم يتركها إلا بعد اتفاق حمص، التي غادرها ومقاتلو المعارضة منتصف الأسبوع الماضي من المدينة، في إطار تسوية مع النظام السوري أشرفت الأمم المتحدة على تطبيقها.
وكتب الساروط على صفحته على «فيسبوك»: «حمص تمرض لكن لا تموت، العالم تآمر علينا لخروجنا من حمص المحاصرة، ولكن لن يستطيع العالم أن يحاربنا لدخولها لأن مقومات الحياة عادت ومخزون جسدنا الاحتياطي سيعود وسنعود بقوة بإذن الله ونستفيد من أخطائنا بإذن الله وسنترك المسميات والغايات والتسييس للذين أرادوه».



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».