«الخارجية» تنهي استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين في الانتخابات الرئاسية

مجهولون يحرقون مقر حملة السيسي بالشرقية.. واللجنة العليا تنفي أي انحياز

عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)
عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)
TT

«الخارجية» تنهي استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين في الانتخابات الرئاسية

عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)
عامل ينتهي من عمله في تعليق لافتة دعائية ضخمة للمرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس (رويترز)

أنهت وزارة الخارجية المصرية استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين في الانتخابات الرئاسية، والذي يجري على مدار أربعة أيام، بدءا من الخميس 15 مايو (أيار) الحالي، وحتى يوم الأحد 18 من نفس الشهر. وقال السفير علي العشيري مساعد وزير الخارجية أمس إن «عملية التصويت ستجرى في 141 بعثة دبلوماسية وقنصلية، بعدما جرى إلغاء اللجان الانتخابية في سوريا وليبيا والصومال وأفريقيا الوسطى، بسبب الظروف الأمنية التي تشهدها تلك الدول».
وتجري الانتخابات الرئاسية في داخل مصر يومي 26 و27 مايو. وتقتصر المنافسة بها بين مرشحين هما المشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع السابق، وحمدين صباحي زعيم التيار الشعبي. ونفت أمس اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية انحيازها لصالح مرشح على حساب الآخر، مؤكدة أنها تتعامل وفقا للقانون في مراقبة الدعاية وتمويل كل المرشحين. فيما واصل كل من صباحي والسيسي حملاتهما الدعائية، وأضرم مجهولون النار في مقر حملة للسيسي بالشرقية.
وأوضح العشيري أن الوزارة وبعثاتها الدبلوماسية والقنصلية أنهت استعداداتها لتصويت المصريين المغتربين، خلال الأيام المحددة من التاسعة صباحا إلى التاسعة مساء بتوقيت كل دولة. وشدد على أن كل مواطن مصري موجود بالخارج خلال فترة التصويت، ومقيد بجداول الناخبين ويحمل أصل بطاقة الرقم القومي أو أصل جواز السفر الجديد، سيكون من حقه أن يتوجه إلى أقرب بعثة دبلوماسية أو قنصلية للإدلاء بصوته. كما أكد أنه جرى اختبار أجهزة القارئ الآلي، وآلية التواصل عبر الإنترنت مع لجنة الانتخابات الرئاسية من جانب كل البعثات الدبلوماسية والقنصلية وعددها 141 بعثة، فضلا عن أنه سيجرى توفير الدعم الفني لدى البعثات ذات الكثافة التصويتية العالية (دول الخليج العربي وبعض دول أوروبا).
وأشار العشيري إلى أنه صدرت التعليمات إلى البعثات الدبلوماسية والقنصلية بأن تعمل بكامل طاقاتها من الكوادر البشرية لتسهيل عملية التصويت، وأن يقتصر العمل القنصلي خلال تلك الفترة على تقديم المساعدة القنصلية في الحالات العاجلة، موضحا أن المصريين المقيدين في الجداول الانتخابية في الدول التي جرى إلغاء اللجان الانتخابية بها يمكنهم إذا سمحت ظروفهم التصويت في أي دولة مجاورة أو التصويت في مصر يومي 26 و27 مايو في لجانهم الانتخابية طبقا لعناوينهم المدونة في بطاقة الرقم القومي. وطالب العشيري المصريين في الخارج أن يراجعوا موقع لجنة الانتخابات الرئاسية على شبكة المعلومات الدولية للتأكد من قيدهم بالجداول الانتخابية، وللاطلاع على كل القواعد والضوابط التي تحكم عملية التصويت، وناشدهم أن يحرصوا على ممارسة حقهم الانتخابي.
وتعقد لجنة الانتخابات الرئاسية، برئاسة المستشار أنور رشاد العاصي، مؤتمرا صحافيا غدا (الأربعاء)، تستعرض فيه كل الخطوات والإجراءات المتعلقة بعمليات تصويت المصريين بالخارج، والتنسيق الذي يجري بين وزارة الخارجية ولجنة الانتخابات الرئاسية لإتمام العملية على النحو الأكمل والأمثل، في مناخ يتسم بالشفافية والديمقراطية، وكذلك وضع كل التيسيرات اللازمة لتمكين المصريين بالخارج من الإدلاء بأصواتهم بسهولة ويسر.
وفي تصريحات له، قال المستشار عبد العزيز سلمان، أمين عام اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، إن «من يعتقد أن اللجنة تقوم بملاحقة مرشح رئاسي بعينه لصالح الآخر واهم»، مؤكدا أن «اللجنة الرئاسية كفيلة بتطبيق صحيح القانون ولا شأن لها بالسياسة من قريب أو بعيد». وأضاف سلمان نقلا عن وكالة أنباء الشرق الأوسط، أنه «لا فرق مطلقا ولا تمييز أو تفضيل بين المرشحين الرئاسيين أمام اللجنة الرئاسية»، موضحا أن اللجنة ليست طرفا فيما يظنه البعض عن طريق الخطأ.
وحول قيام اللجنة الرئاسية برصد مخالفة انتخابية لصباحي، في حين لم ترصدها عندما أعلن السيسي اعتزامه الترشح للرئاسة، أوضح سالمان أن استقالة السيسي ليست دعاية انتخابية، باعتبار أن الدعاية تتمثل في قيام المرشح الرئاسي بعرض برنامجه الانتخابي؛ وهو ما لم يقدم عليه السيسي. وبينما واصل كلا المرشحين حملاتهما الانتخابية أمس، أضرم مجهولون النار في مقر حملة دعم السيسي بمدينة منيا القمح في محافظة الشرقية وفروا هاربين، فيما جرت السيطرة على النيران بمعاونة الأهالي الذين هرعوا لإخمادها. وكشفت المعاينة الأولية للنيابة عن التهام النيران للباب الرئيس لمقر الحملة من الخارج، فضلا عن صور المرشح الرئاسي واللافتات المعلقة أمام المقر.
وفي مقر حملته بالقاهرة استقبل السيسي وفدا من أدباء وكتاب مصر أمس للاستماع لرؤيتهم حول القضايا المختلفة انطلاقا من دورهم المؤثر في صياغة الرأي العام. وأعرب السيسي عن سعادته بالتواصل مع أدباء مصر، مؤكدا أن هناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقهم في الفترة المقبلة، من أجل خلق منظومة وعي حقيقية لدى المواطن تمكنه من إدراك مستوى التحديات التي تواجه الوطن.
ويعقد تيار الاستقلال، المشكل من أحزاب مؤيدة للسيسي، مؤتمرا جماهيريا اليوم (الثلاثاء) بمنطقة كرداسة بالجيزة لدعمه في الانتخابات. وقال المستشار أحمد الفضالي المنسق العام للتيار إن «المؤتمر يبعث برسالة للعالم عن استعادة الأمن في منطقة كرداسة، والتي شهدت عمليات أمنية مكثفة خلال الفترة الأخيرة، واقتلاع الإرهاب منها».
في المقابل، وجه صباحي رسالة مصورة إلى المصريين بالخارج قبل أيام من بدء تصويتهم. وقال صباحي أمس «إلى كل مصري ومصرية خارج حدود الوطن، أنتم سفراء مصر في هذا العالم، وأنتم العقول التي استوعبت خبرة التقدم الإنساني في مجتمعات كثيرة، نحتاج لهذه الخبرة».
ودعا مؤسس التيار الشعبي المصريين إلى الاستثمار في مصر في ظل حوافز جادة لتأمين هذا الاستثمار، وأن «يكون شريكا في تنمية شاملة نحن بحاجة إليها لإنقاذ مصر مما هي فيه من فقر»، مؤكدا عزمه إنشاء وزارة للمصريين بالخارج وتفعيل دور القنصليات في إطار إصلاح عميق لجهاز الدولة المصري لحماية حقوق وكرامة المصريين بالخارج، وإنشاء مراكز قانونية في كل سفارة للدفاع عن حقوقهم وكرامتهم، بالإضافة إلى مراكز ثقافية تستطيع إيصال المواطن المصري بثقافته ولغته.
من جهة أخرى، رفضت دار الإفتاء المصرية وعلماء من الأزهر الشريف أمس، فتوى يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (المقيم في قطر)، بتحريم المشاركة في انتخابات الرئاسة، ووصفتها دار الإفتاء بـ«الشاذة» والمجافية للشرع والمصلحة العليا للبلاد. وأفتى القرضاوي الليلة قبل الماضية في ختام مشاركته في مؤتمر حول القدس في الدوحة نظمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بحرمة المشاركة في الانتخابات، ودعا المصريين إلى مقاطعتها. وسبق أن دعت قيادات من الإخوان إلى مقاطعة الانتخابات أيضا. وأقال الأزهر في ديسمبر (كانون أول) الماضي، القرضاوي من عضوية هيئة كبار العلماء «نتيجة ما نسب إليه من إساءات إلى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب والمؤسسة الدينية في مصر».
ووصفت دار الإفتاء فتاوى تحريم المشاركة في الانتخابات بـ«الشاذة والمجافية للشرع والمصلحة العليا للبلاد»، ونفت الدار أمس علاقة تلك الفتاوى والآراء بالفهم الصحيح للشريعة الإسلامية، ومنهجها الوسطي القائم على ضرورة مراعاة مصالح العباد وما يسهم في تحقيق منافعهم الدينية والدنيوية. وأضافت أن «فتوى القرضاوي الأخيرة تكشف عن توظيفه النصوص والأحكام الدينية لخدمة الأغراض والأهداف السياسية الحزبية الخاصة، بما يمثل إقحاما للدين في صراع سياسي يشوه سماحة الإسلام».
ومن جانبه، قال الدكتور القصبي زلط، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر «كلنا يفهم أن الإنسان إذا وجد في مجتمع فلا بد من أن يكون إيجابيا، فالسلبية أمر يكرهه الإسلام، والإيجابية في مشاركة الإنسان في قضايا المجتمع الذي يعيش فيه». وأوضح زلط لـ«الشرق الأوسط»: «أرى من وجهة نظري.. هذا الفتوى نابعة عن الهوى وعن وجهة نظر غير مقبولة، ومرفوضة شكلا ومضمونا وموضوعا، فضلا عن أنها تدعو إلى السلبية والإسلام يدعو للإيجابية»، لافتا إلى أن مشكلة الفتاوى النابعة عن حزب أو جماعة أو تيار تتمسك عادة بالبعد عن الحيادية والبعد عن الموضوعية.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.