«الملكية الأردنية»... تسويق تفاعلي ودعايات مثيرة للجدل عبر «السوشيال ميديا»

رئيس القطاع التجاري لـ«الشرق الأوسط»: حملاتنا أدت إلى زيادة مبيعاتنا بنسبة 30 %

طاقم الملكية يؤدي الدبكة الأردنية  قبيل مباراة لفريق لوغانيز - الحملة أتت رداً على منع الأجهزة الإلكترونية على رحلات بريطانيا وأميركا - الحملة التي أطلقتها الشركة في أميركا قبيل الانتخابات الرئاسية - سيرفر آيدن رئيس القطاع التجاري في الملكية الأردنية
طاقم الملكية يؤدي الدبكة الأردنية قبيل مباراة لفريق لوغانيز - الحملة أتت رداً على منع الأجهزة الإلكترونية على رحلات بريطانيا وأميركا - الحملة التي أطلقتها الشركة في أميركا قبيل الانتخابات الرئاسية - سيرفر آيدن رئيس القطاع التجاري في الملكية الأردنية
TT

«الملكية الأردنية»... تسويق تفاعلي ودعايات مثيرة للجدل عبر «السوشيال ميديا»

طاقم الملكية يؤدي الدبكة الأردنية  قبيل مباراة لفريق لوغانيز - الحملة أتت رداً على منع الأجهزة الإلكترونية على رحلات بريطانيا وأميركا - الحملة التي أطلقتها الشركة في أميركا قبيل الانتخابات الرئاسية - سيرفر آيدن رئيس القطاع التجاري في الملكية الأردنية
طاقم الملكية يؤدي الدبكة الأردنية قبيل مباراة لفريق لوغانيز - الحملة أتت رداً على منع الأجهزة الإلكترونية على رحلات بريطانيا وأميركا - الحملة التي أطلقتها الشركة في أميركا قبيل الانتخابات الرئاسية - سيرفر آيدن رئيس القطاع التجاري في الملكية الأردنية

«لا أخاف من الطيران. لكن وجودي داخل الطائرة يرهبني. هناك حيث تحاوطني عيون ثاقبة تنظر إلى بشكل مختلف عن غيري. ماذا لو حدث شيء ولم يصدقوني؟ هم يجهلون هويتي... لكنهم عندما ينظرون إليّ كل ما يرونه هو لون، واسم، ووجه ملتح وكتاب... لا أخاف من الطيران، لكن الركاب حولي خائفون مني؛ والخائفون تبدر منهم العنصرية، لكن المضطهدين هم الأكثر خوفاً... (قل لا للتمييز)». هذا نص لفيديو أطلقته الخطوط الملكية الأردنية على «السوشيال ميديا» يصف حال التمييز العنصري والفكر النمطي الذي وقعت ضحيته شريحة واسعة من الناس جراء هجمات إرهابية نفذت على متن الطائرات. الفيديو صرخة جريئة ترفض، باسم الخطوط الأردنية، ذلك التمييز والاضطهاد على متن طائراتها. وهو واحد من سلسلة دعايات تفاعلية ابتكرها فريق تسويق الشركة للوصول إلى المسافرين. دعايات الشركة المبتكرة والمثيرة للجدل انطلقت قبل عام واحد تماماً، تزامناً مع انضمام سيرفر آيدن إلى أسرة الشركة. وقد استفادت «الملكية الأردنية» من وسائل التواصل الاجتماعي، واستطاعت تحويلها إلى أداة تفاعلية ووسيلة لزيادة المبيعات بتكلفة قليلة.
لغة شبابية وثقافة أردنية
منذ استلامه منصب رئيس القطاع التجاري، في يونيو (حزيران) 2016، عمل التركي سيرفر آيدن على تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى أداة دعائية وتفاعلية، لوضع الخطوط الملكية الأردنية على «الخريطة الافتراضية»، ورفع مبيعاتها. وحول تلك الخطوة، يقول سيرفر في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «الخطوط الملكية شركة عريقة، ولها تقاليد معروفة تعود إلى سنين، وكانت الرائدة في المنطقة بأكثر من مجال، إذ كانت الخطوط الأولى لتوظيف النساء بمنصب (كابتن)، والأولى في تسيير رحلات مباشرة إلى نيويورك»، ويضيف: «لكن ما حدث على مر السنوات أن اللغة التي توظفها الملكية الأردنية أضحت رسمية وتقليدية جداً، ولم تواكب تحديداً التطور الشبابي، ولم تعنَ بالتواصل مع هذه الشريحة»، ويستطرد: «عالم الطيران تغير اليوم، ففي السابق كان الطيران علامة للترف. أما اليوم، أصبح الطيران من الأمور التي لا تجزأ من حياتنا، جراء المنافسة بين الخطوط وتعدد الخيارات».
ولذلك، اضطرت الخطوط الملكية إلى أن تعمل على تغيير لغتها وطريقة تسويقها. وعن ذلك، يقول آيدن: «أول ما فعلناه هو تقليص عمرنا، فقد أصبحنا ننظر إلى العالم بطريقة مختلفة، نتابع جميع الأحداث العالمية التي تحصل من حولنا، ونتفاعل معها، إلى جانب التفاعل مع ركابنا وشبابنا في المنطقة وفي العالم».
وعرفت حملات الخطوط الأردنية بإثارتها الجدل، وانتشارها السريع على «السوشيال ميديا»، حتى أن الإعلام الغربي تنبه لها، وبات يراقبها ويترقبها. وعن سر ذلك، يقول آيدن: «قررنا أن نروي قصصاً من خلال حملاتنا الدعائية بنكهة أردنية»، ويوضح: «عندما ينظر المرء إلى الثقافة الأردنية، يلاحظ أننا نطبق خصائصها في عملنا... يتمتع الأردنيون بحس فكاهة عال، ويتقبلون جميع الثقافات. ويؤكد ذلك تعدد الثقافات في الأردن والتعايش، ونحن في استراتيجيتنا قررنا عكس صورة هذه الثقافة، واستخدام النكات والتعليقات الجريئة لكسب اهتمام العالم، ولكن باحترام دون مهاجمة أي طرف أو عقيدة أو فكرة»، ويستطرد: «أي أننا نستعير الثقافة الأردنية، ونحولها إلى (لغتنا الدعائية) لتطوير علاقة صداقة مع ركابنا، لكن الأمر لم يكن سهلاً، بل استغرقنا نحو 10 أشهر لتحويل لغتنا من تقليدية إلى فكاهية وشبابية، وحرصنا على فهم الثقافة الأردنية قبل تبنيها».
تسويق تفاعلي ودعايات مثيرة للجدل
ومع أن آيدن هو صاحب فكرة تحويل الثقافة الأردنية إلى لغة دعائية، فإنه لم يطورها منفرداً، إذ يكشف: «لدينا فريق ضخم مكون من عناصر شبابية وموهوبة، ولدينا حيز كبير لتقبل الأخطاء، لأنه من دون أخطاء لن نستطيع فتح الباب للإبداع، وهذه مشكلة أغلب الشركات التقليدية. موظفو قسم المبيعات هم نفسهم لم يتغيروا، لكننا غيرنا ثقافة العمل لتشجيعهم على الإبداع، وأخذ جميع أفكارهم في عين الاعتبار»، ويضيف: «كما نتعامل مع شركة إعلانات خارجية، والحملات الدعائية التي نصدرها هي نتاج هذا التعاون السلس، حيث نجري العصف الذهني مع بعضنا بعضاً، ونضع الأفكار، وبعض الدعايات تبتكرها الوكالة، والبعض الآخر يبتكره الموظفون في الشركة، ولكن القصة نرويها كفريق واحد».
ويؤكد رئيس القطاع التجاري لدى الشركة أن أفكار الدعايات يتم ابتكارها من محيط عالم الطيران، ومن الأحداث العالمية، ويقول: «نتبع نهج التسويق التفاعلي، ولنا دور للرد على القضايا اليومية التي يعاني منها مسافرونا، ونحول تلك المشكلات إلى حلول ودعم لهم، ورسالتنا: نحن ندعمكم، قد لا نكون أكبر خطوط جوية في العالم، أو الأفضل، لكننا الخطوط التي تكترث لاحتياجات مسافريها، ونعد برسم ابتسامة على وجه ركابنا دوماً».
وقد تعرضت الشركة للانتقادات لبعض الإعلانات الجريئة أو المثيرة للجدل. وعن ذلك يقول آيدن: «نتسلى جداً ونحن نصمم الإعلانات، وتجربتنا الجميلة تؤكد لنا أن المستهلك سيستمتع بقدرنا عند قراءة أو رؤية الدعاية. إلا أننا بالفعل عانينا من بعض المشكلات، ولكن هذه هو الثمن الذي يدفعه المرء في عالم التسويق»، ويضيف: «الجميع يساندنا، خصوصاً بعد مشاهدة ردود الفعل، والتفاعل من المستهلك، وارتفاع المبيعات، حيث استطعنا تحويل سبل تسويقنا الجديدة إلى أرباح ملموسة».
تراجع التسويق التقليدي
وتنتشر حملات الخطوط الملكية الأردنية الدعائية على جميع منابر التواصل الاجتماعي، كـ«تويتر» و«فيسبوك» و«يوتيوب»، وتصل زبائن الخطوط والمسافرين الدائمين عبر نشرات البريد الإلكتروني. ووفقاً لآيدن، فإن متابعي الخطوط الملكية على «السوشيال ميديا» من مختلف الأعمار والجنسيات، ومن مختلف بقاع الأرض، إلا أن الكم الأكبر من شريحة الشباب، الداعم الرئيسي للخطوط.
ويكشف آيدن أن الملكية الأردنية قلصت اعتمادها على التسويق التقليدي، مما خفض تكاليف الدعايات بنسبة 80 في المائة، لكنها ما زالت تعتمد في بعض الأحيان على إعلانات الراديو والتلفزيون، لكنها هجرت اللوحات الإعلانية الضخمة في الشوارع.
وحول ما إن كان التسوق التقليدي قد اندثر، يجيب آيدن: «لا أعتقد ذلك، لكنه ليس بشعبية الماضي»، ويضيف: «في مشاريع معينة، يكمل التسويق التقليدي التسويق الحديث، لكن في صورة عامة التواصل الاجتماعي يستبدل بالإعلام التقليدي كوسيلة للتسويق لأنه يتيح التفاعل بين العلامة التجارية والزبون، خصوصاً إن كانت الشريحة المستهدفة من الشباب»، ويستطرد: «على الشركة أن تستوعب من هو المشتري المستقطب عند تسويق المنتج ومن بحاجة إليه. التسويق لم يتغير، لكن عادات المستهلك تشهد تغييراً».
ويوضح أنه «في السابق، كان المستهلك يعتمد على الكلام الذي تتناقله الألسن لتقييم المنتج، لكن اليوم عادات الشراء تغيرت لأن المستهلك بات قادراً على الحصول على جميع معلومات المنتج من خلال الإنترنت. ويريد مستهلك اليوم أن تكون العلامة التجارية التي يختارها متفاعلة معه، وتمثله ومرتبطة بيومياته؛ التسويق أصبح أكثر خصوصية... لدينا معلومات كاملة ومفصلة عن سلوك المستهلك، وعلينا توظيفها في حملاتنا وطريقة تعاملنا معه. التسويق للشخص، والابتعاد عن الحملات الشاملة، التي لا يمكن أن يتفاعل معها الزبون ليشعر بأهميته وتلبية طلباته الخاصة».
زيادة في الأرباح
ولم تكن ثمار التسويق التفاعلي للشركة زيادة للمتابعين على منابر التواصل الاجتماعي فحسب، بل ترجمت إلى زيادة في المبيعات، حيث يقول آيدن إن أكثر حملتين جاذبية للمسافرين كانتا حملة «بان فوياج»، رداً على مشروع قرار قانون دونالد ترمب بمنع دخول مواطنين من دول معينة، وحملة الرد على قرار حظر الإلكترونيات على متن الرحلات المتجهة إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ويضيف: «الحملات لاقت أكثر من 450 تفاعلاً، وأدت إلى زيادة مبيعات تذاكرنا من وإلى الولايات المتحدة بنسبة 30 في المائة، مع أننا لم ننفق الكثير عليها».
ويختار فريق التسويق فرصاً لجذب انتباه الرأي العام من دون الإنفاق المهول، ومن هذه الفرص دعم الملكية الأردنية لنادي لوغانيز المدريدي لكرة القدم. وعن ذلك، يقول آيدن: «هناك فريقان بارزان في مدريد، الريال وأتلتيكو، ولوغانيز هو الفريق الأفقر في العاصمة المدريدية، إلا أنه يمتلك تاريخاً ضخماً وعلاقة مميزة مع شريحة واسعة من الإسبانيين، وهم محبوبون جداً»، ويضيف: «لدى لوغانيز موارد محدودة وميزانية متواضعة، لكنهم وصلوا إلى الدوري الإسباني الدرجة الأولى، وقصتهم الفريدة تمثلنا لأننا في منافسة مع عمالقة الطيران، كما هم في منافسة ضد أفضل الفرق»، ويستطرد: «لذلك قررنا دعم الفريق. ودعمنا لهذا الفريق جذب انتباه الناس، وتحول إلى أرباح في المبيعات». ويذكر أن طاقم إحدى الطائرات المتجهة إلى مدريد قام بتأدية رقصة الدبكة الأردنية الشعبية قبيل إحدى مباريات فريق لوغانيز و ريـال مدريد، التي شاهدها نحو 300 مليون شخص حول العالم، وانتشر الفيديو بشكل واسع، وأثار فضول الأوروبيين للمعرفة أكثر عن الأردن، وعن الملكية الأردنية.
وبعد مرور عام على بداية مشواره، يؤكد سيرفر آيدن أن هدفه المستقبلي هو توفير خدمة فريدة وشخصية لكل مسافر على متن الخطوط الأردنية، من خلال التسويق التفاعلي، حيث يقول: «لكل مقعد على الطائرة قصته الخاصة والمميزة، ونريد أن نكون جزءاً من قصة كل مسافر».



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.