«برنت» يعود لمستويات ما قبل «اتفاق الجزائر»... ماذا بيد «أوبك»؟

3 مشكلات تعوق الصعود... و«أزمة الثقة» و«طريقة القياس» يزيدان الغموض

«برنت» يعود لمستويات ما قبل «اتفاق الجزائر»... ماذا بيد «أوبك»؟
TT

«برنت» يعود لمستويات ما قبل «اتفاق الجزائر»... ماذا بيد «أوبك»؟

«برنت» يعود لمستويات ما قبل «اتفاق الجزائر»... ماذا بيد «أوبك»؟

في الساعة 15:45 بتوقيت السعودية، 12:45 بتوقيت غرينتش، كانت أسعار عقود نفط برنت الآجلة تتداول في لندن عند مستوى 46.85 دولار، وهو أقل مستوى لها منذ أغسطس (آب) 2016. ويعني ذلك أن أسعار برنت مؤخرا عادت لمستواها الذي كانت عليه قبل اجتماع الجزائر في سبتمبر (أيلول) الماضي، وهو أول اجتماع تتفق فيه منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) على تبني اتفاق لإنقاذ السوق، والذي تطور لاحقاً ليصبح اتفاقية تخفيض إنتاج مع باقي المنتجين المستقلين في العالم لإعادة استقرار الأسواق من خلال القضاء على الفائض في المخزونات العالمية.
فماذا حدث حتى تصل الأسعار إلى هذا المستوى وتتخلى عن كل مكاسبها؟ وهل معنى ما يحدث حالياً أن كل الجهود التي بذلتها «أوبك» مع المنتجين خارجها خلال عام كامل لم تكن كافية؟ وماذا عن اتفاق تخفيض الإنتاج، هل سيؤتي ثماره وتهبط المخزونات النفطية إلى مستوى متوسط الخمس سنوات أم سيفشل؟ والسؤال الأهم من كل هذا هو: هل ستستطيع «أوبك» فعل شيء لرفع الأسعار إلى مستويات الخمسين دولاراً؟
* ماذا حدث حتى تنهار الأسعار؟
إن ما يحدث لا يزال محيراً، فكل التحليلات الصادرة من المصارف العالمية أو من وكالة الطاقة الدولية أو إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أو من الأمانة العامة لـ«أوبك»، كلها تشير إلى نفس الأمر، وهو أن السوق النفطية ستشهد تحول الميزان من الفائض إلى «العجز» هذا العام، مع زيادة الطلب وتراجع إنتاج «أوبك» وحلفائها.
ولنأخذ مثالاً تقديرات وكالة الطاقة الدولية، حيث ما زالت الوكالة تتوقع عجزاً ضمنياً في الإمدادات بالنسبة إلى الطلب في الربع الثاني من العام الحالي. لكنها تقول إن تباطؤ نمو الطلب في الصين وأوروبا على الأخص، وكذلك زيادة الإمدادات، يعنيان أن العجز قد ينخفض إلى 500 ألف برميل يومياً بدلاً من 700 ألف برميل. أما إدارة معلومات الطاقة الأميركية فهي تتوقع أن تشهد المخزونات سحوبات في الربع الثاني والثالث من العام الحالي، وسيكون متوسط السحوبات من المخزونات من يناير (كانون الثاني) حتى ديسمبر (كانون الأول) في حدود 200 ألف برميل يومياً، وستشهد السحوبات أقصى كمية لها في الربع الثالث، إذ من المتوقع أن تهبط بنحو 400 ألف برميل يومياً.
إذا كانت المخزونات ستشهد كل هذه السحوبات فأين هي المشكلة؟ هناك ثلاث مشكلات رئيسية: الأولى هي أن المخزونات لا تهبط بالسرعة الكافية لإعادة التوازن قبل نهاية العام، والثانية هي أن السحب من المخزونات سيدعم الأسعار خلال الأشهر القادمة، وهو ما يعني أن الإنتاج قد يزيد ولو بصورة طفيفة في الولايات المتحدة.
والمشكلة الثالثة والأخيرة هي أن هناك زيادة في الصادرات إلى الولايات المتحدة من بعض دول «أوبك»، مثل العراق، في الوقت الذي تخفض فيه دول أخرى مثل السعودية صادراتها إلى السوق الأميركية. فالعراق بحسب بيانات تتبع الناقلات أرسل حتى الآن 9 ناقلات نفط إلى أميركا خلال أول أسبوعين من شهر يونيو (حزيران) الجاري تحمل 14 مليون برميل، مقارنة بنحو 11 ناقلة الشهر الماضي نقلت 19 مليون برميل.
وما يحدث حالياً هو «أزمة ثقة» أكثر من كونها «أزمة معروض»، إذ إن الدول لم تكن ملتزمة بالشكل الكافي في النصف الأول من العام الحالي، وكانت الصادرات عالية ودخل الجميع في شهر مايو (أيار) ونسب الالتزام ليست 100 في المائة بالنسبة لكثير من الدول. إضافة إلى ذلك، فإن طريقة قياس التزام الدول بالاتفاق، عليها كثير من الملاحظات؛ لأن المنتجين استخدموا مصادر ثانوية ليست جميعها دقيقة بما يكفي. كما أن قياس الإنتاج لا يظهر حجم الكميات التي يتم تصديرها ولا يظهر أي عمليات بيع من المخزون. كما أن الاتفاق يقيس النفط الخام فقط في الوقت الذي يقوم فيه كثير من الدول بالتوسع في تصدير المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي، وهذه تعتبر نفوطاً خفيفة جداً ولا يمكن احتسابها ضمن الاتفاق.
ويبقى القلق متركزاً حول العام المقبل، والذي بحسب كل التقديرات، سيشهد زيادة في الإنتاج والمخزونات بحسب غالبية التوقعات. ولهذه التوقعات ما يبررها، ففي الولايات المتحدة عدد الآبار التي تم حفرها ولم يتم استكمالها حتى الآن في ازدياد مستمر. وبلغ عدد هذه الآبار 5946 بئراً بنهاية مايو بزيادة قدرها 176 بئراً عن أبريل (نيسان). هذه الآبار لن تنتج الآن وستدخل في الإنتاج بعد أشهر، ما يعني أن الإنتاج منها سيؤثر على العام المقبل وأواخر السنة الحالية. ولهذا تتوقع إدارة معلومات الطاقة أن يصل إنتاج أميركا من النفط الخام فقط إلى 10 مليون برميل يومياً العام المقبل، وهو أعلى مستوى منذ عام 1970.
وهذه مجرد أحد المخاوف التي تنتاب السوق الآن وأدت إلى تغيير مراكز الشراء للمضاربين. وهناك مخاوف أخرى، مثل تباطؤ الطلب في الصين في النصف الثاني، ولكنها ليست مؤثرة جداً في عقلية السوق حالياً.
* هل جهود «أوبك» والدول خارجها ليست كافية؟
بغض النظر عما يقال في السوق عن اتفاق «أوبك» والمنتجين خارجها، فإن الاتفاق كان خطوة كبيرة جداً. ولأول مرة منذ عام 2001 تتجمع «أوبك» والدول خارجها لفعل شيء. ويبدو أن روسيا والسعودية حريصتان هذه المرة على جعل الاتفاق يبدو ناجحاً، ولهذا تحملت السعودية العبء الأكبر، وضغطت الحكومة الروسية على الشركات النفطية هناك من أجل الالتزام بمبدأ التخفيض وتمديد الإنتاج.
ولأن هناك كثيراً من الدول التي تدخل في اتفاقية من هذا النوع لأول مرة، كما سبق وذكر وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، فإن مستويات الالتزام تخبطت كثيراً في النصف الأول، وهذا ما جعله متفائل بنسب التزام أعلى في النصف الثاني، وتحسن كبير في أساسيات السوق.
وحتى الآن، الدول ملتزمة بنسبة 96 في المائة، وهو ما يعني أن التخفيضات في حدود 1.7 مليون برميل يومياً من إجمالي الكمية المتفق عليها (إن صحت هذه النسب). وبناء على هذا المعدل، فإن الخفض المتوقع في الإمدادات شهرياً هو نحو 51 مليون برميل. وبناء على مستويات الزيادة في المخزونات الحالية البالغة 292 مليون برميل، فإنها ستختفي خلال 6 أشهر إذا ما التزم الجميع، وإذا ما ظل الإنتاج خارج «أوبك» لا يزيد بشكل كبير، وظل ثابتاً على معدلاته الحالية. وهناك ثقة كبيرة من المحللين بأن المخزونات ستنخفض، ولكن المشكلة تكمن في إنها تنخفض ببطء، كما أوضحت وكالة الطاقة الدولية هذا الأسبوع، في تقريرها الشهري.
* هل فشل اتفاق «أوبك» والدول خارجها لتخفيض الإنتاج؟
من الصعب القول إن الاتفاق فشل، نظراً لأن المخزونات في تراجع مستمر منذ بداية العام الحالي، حتى وإن كان هذا التراجع ليس بالصورة التي يرجوها الجميع.
ولكن الاتفاق عجز حتى الآن عن فعل شيئين: الأول هو خفض المخزونات بشكل سريع. ففي الأساس كان الاتفاق على أن تكون مدته 6 أشهر تنتهي في يونيو الحالي، وتفاءل الجميع أكثر من اللازم بإمكانية تخفيض المخزونات خلال هذه المدة، ولكن توقعات وزراء «أوبك» لم تكن في مكانها. فالصادرات من دول «أوبك» في زيادة في النصف الأول، والطلب في الربع الأول انخفض مع دخول المصافي في الصيانة. الأمر الآخر الذي عجز عنه الاتفاق هو تحويل منحنى أسعار النفط المستقبلية من وضعية الـ«كونتانغو» التي لازمت السوق منذ عام 2014 حتى الآن، إلى وضعية الـ«باكورديشين» وهي التي تكون فيها أسعار الأشهر القادمة أقل من الأسعار الآن، وبالتالي يتخلص الجميع من المخزونات ويتوقفون عن إضافة مزيد من النفط في الأشهر القادمة، وخاصة شركات النفط الصخري التي تتحوط ببيع نفوطها مسبقاً لأن زبائنها قلقون من ارتفاع الأسعار.
* هل تستطيع «أوبك» فعل شيء الآن لرفع الأسعار؟
الكل في السوق يتحدث عن ضرورة تعميق التخفيضات، وطرحت شركة «بيرا» أول من أمس سيناريو كان سيساهم في حل المشكلة لو تم تطبيقه الشهر الماضي، من خلال تخفيض الإنتاج بمليون برميل يومياً إضافية لمدة 90 يوماً خلال يونيو إلى أغسطس، وهي أعلى فترة للاستهلاك.
لكن هناك معارضة لهذا السيناريو؛ لأن تعميق التخفيضات معناه أن الأسعار سترتفع بصورة كبيرة وتسمح بزيادة الحفارات في مناطق النفط الصخري، إذ إن سعر 55 دولاراً سعر مناسب لمنتجي النفط الصخري أكثر من دول «أوبك». ويبقى الحل الوحيد الباقي أمام «أوبك» وحلفائها هو الاستمرار في تخفيض الإنتاج، والتحالف لكامل عام 2018، حتى تتأكد السوق من أن أي زيادة متوقعة ستقابلها تخفيضات.
أما بالنسبة لأي حلول جذرية أخرى، مثل تغيير طريقة التسعير لمواجهة المضاربين الماليين الذين يتحكمون في السوق النفطية، أو تقليص الميزانيات الحكومية للتعامل مع الواقع الجديد للأسعار، التي لا تتوقع لها إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن ترتفع فوق 56 دولاراً هذا العام والعام المقبل، فإن تطبيق هذه الحلول صعب على المدى القصير. وكل ما تحتاجه «أوبك» وحلفاؤها الآن هو الالتزام بجدية أكثر بالتخفيضات وتمديد الاتفاق لأطول وقت ممكن، حتى يظهر حل آخر في الأفق، أو يصل الإنتاج خارج «أوبك» إلى ذروته بعد سنتين من الآن.



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.