حريق برج سكني يصدم لندن... والضحايا بالعشرات

200 رجل إطفاء حاربوا النيران لأكثر من 16 ساعة

ألسنة النار تلتهم «برج غرينفيل» السكني غرب لندن أمس (أ.ف.ب)
ألسنة النار تلتهم «برج غرينفيل» السكني غرب لندن أمس (أ.ف.ب)
TT

حريق برج سكني يصدم لندن... والضحايا بالعشرات

ألسنة النار تلتهم «برج غرينفيل» السكني غرب لندن أمس (أ.ف.ب)
ألسنة النار تلتهم «برج غرينفيل» السكني غرب لندن أمس (أ.ف.ب)

استفاقت بريطانيا، أمس، على وقع فاجعة جديدة، هي الثالثة في غضون أسابيع، بعد أن أدى حريق في أحد الأبراج السكنية بالعاصمة لندن إلى مقتل 12 على الأقل وإصابة العشرات.
واستمر الحريق الذي اندلع في شارع لاتيمر بعد منصف ليل الثلاثاء إلى الأربعاء، أكثر من 16 ساعة قبل أن يتمكن رجال الإطفاء من إخماده. وأكدت متحدثة باسم جهاز إطفاء لندن لـ«الشرق الأوسط» أن 200 من رجال الإطفاء شاركوا في العملية، منذ أن تمّ إبلاغ السلطات 54 دقيقة بعد منصف الليل، لافتة إلى أنه لم يتم تحديد سبب الحريق بعد، وأنه تم فتح تحقيق لتوضيح ملابسات الحادث.
وقال مساعد مفوض جهاز الإطفاء دان دالي: «يبذل رجال الإطفاء المزودون بأجهزة تنفس أقصى الجهود في ظروف بالغة الصعوبة من أجل السيطرة على هذا الحريق». وأضاف أنه «حادث كبير وخطير جدّاً، ونشرنا كثيراً من الموارد والأجهزة المختصة».
وامتدت النيران بسرعة فائقة عبر الطوابق الـ24 لبرج غرينفيل تاور الذي يعود بناؤه لسبعينات القرن الماضي، والذي يقع شمال حي كنسينغتون وبمحاذاة منطقة شيبردز بوش، التي تقطنها جاليات عربية وأفريقية بكثافة.
وكان يقطن في شقق البرج الـ120 نحو 600 شخص، وشوهد بعضهم يستغيث برجال الإطفاء ويحاول الهرب من النيران، فيما ألقى آخرون بأطفالهم من النوافذ لإنقاذهم. وقال ستيوارت كوندي المسؤول في شرطة العاصمة في بيان: «يمكنني أن أؤكد مصرع 12 شخصاً حتى الآن، لكن الحصيلة يمكن أن ترتفع خلال عملية البحث المعقدة التي ستستمر عدة أيام»، بينما لا يزال كثير من الأشخاص في عداد المفقودين. فيما أكد عمدة لندن صديق خان لشبكة «سكاي نيوز» أن «كثيراً من الأشخاص في عداد المفقودين»، ملمحاً إلى أن الحصيلة قد ترتفع رغم أن «البعض لجأوا إلى جيرانهم أو أصدقائهم».
وبينما لم تؤكد السلطات أسباب الحادث بعد، فإن تقارير إعلامية محلية أفادت بأن سكان المبنى حذروا قبل عام من خطر اندلاع حريق بسبب تراكم النفايات أثناء أعمال ترميم، التي انتهت العام الماضي وكلّفت 8.6 مليون جنيه إسترليني. وكتبت جمعية «غرينفيل أكشن غروب» آنذاك أن «المسألة مثيرة للقلق، إذ ليس هناك سوى مدخل ومخرج واحد لبرج غرينفيل خلال أعمال الترميم». وأضافت أن «مخاطر اندلاع حريق في المنطقة المشتركة في الممر مخيفة، ويمكن أن يعلق الأهالي داخل المبنى ولا مخرج أمامهم».
وروى شهود عيان وناجون من الحريق تفاصيل مرعبة من الحادث. وروى صباح، وهو عراقي خمسيني غادر البرج مع زوجته، لـ«الشرق الأوسط»: «نقيم في هذه البناية منذ 30 عاماً. واعتدنا سماع جرس الإنذار بنشوب حريق، ونغادر شققنا مسرعين ليتبين أنه إنذار كاذب، أو أن الأمر يتعلق بحريق بسيط. وليلة أمس (أول من أمس)، توقعنا أن الأمر مماثل، ولم نحمل معنا أيّاً من أغراضنا». وهرب صباح وزوجته من بيتهما في الطابق الـ17 عند نحو الساعة الواحدة ليلا، بعد أن دق أحد الجيران بابهم وأنذرهم باندلاع حريق كبير في المبنى. ويقول صباح: «هرعنا إلى الدرج، وكنا نحاول الاحتماء من الدخان الكثيف. والتفتت إلى زوجتي في درج الطابق الـ15، لأكتشف أنني أضعتها». ولا يزال صباح يبحث عن زوجته حتى وقت كتابة هذه السطور.
بدورها، روت حنان الوهابي، التي لا تزال تنتظر أخباراً عن شقيقها وأسرته، لوكالة الصحافة الفرنسية أنها استيقظت بسبب الدخان عند قرابة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. وقالت: «لقد رأيت الرماد يدخل من نافذة غرفة الجلوس التي بقيت مفتوحة. نظرت إلى الخارج ورأيت ألسنة النار تصعد حتى النافذة فأغلقتها بسرعة وخرجت مع زوجي وابني البالغ 16 عاما، وابنتي (ذات) التي لم تتجاوز 8 سنوات». ولجأت حنان، التي التفت ببطانية فوق لباس نومها مع أسرتها، إلى قاعة وضعتها السلطات في تصرف الناجين من الحريق. إلا أنها قلقة للغاية حول شقيقها عبد العزيز الوهابي، وزوجته فوزية وأبنائهما المقيمين منذ 16 عاماً تقريباً في الدور الحادي والعشرين.
روى شهود آخرون أنهم رأوا أهالي يلقون بأولادهم من النوافذ إلى مارة تحت لإنقاذهم من الحريق. وقالت سميرة العمراني، لقناة «سكاي نيوز» إنها رأت سيدة تلقي بطفلها الرضيع من الطابق العاشر. وتابعت العمراني: «رأيتُ سيدة تلوح بيدها من نافذة، وكانت تؤشر إلى أنها ستلقي بطفلها. وسارع رجل إلى الإمساك بالطفل الرضيع وأنقذ حياته». وأضافت العمراني أن أصوات الأطفال وصياحهم وبكاءهم لن تفارقها.
أما زارا، وهي شاهدة عيان أخرى، فقالت لراديو «إل بي سي» إنها رأت سيدة تلقي بطفلها البالغ 5 أو 6 سنوات من الطابق الخامس أو السادس. وتابعت: «أعتقد أنه أصيب بكدمات، وأن بعض عظامه انكسرت، لكنه على قيد الحياة»، مضيفة: «كان مشهداً من فيلم هوليوودي».
بدورها، قالت صحيفة «إندبندنت» البريطانية بناء على شهادات شهود عيان إن المسلمين الذين كان بعضهم ينتظر السحور لعبوا دوراً مهمّاً في إغاثة الناس. وروى أندرو باروسو، ثلاثيني مقيم في المنطقة، للصحيفة أن «كل من رأيتهم يغيثون الناس كانوا مسلمين»، وتابع: «الجميع كان يقدم المساعدة. من الجميل أن ترى هذا التعاضد» بين الناس.
من جهتها، قالت رشيدة لصحيفة «ديلي تلغراف» إن معظم العائلات المسلمة كانت مستيقظة عند اندلاع الحريق. فمعظم (المسلمين) لا ينامون إلا بعد الساعة الثانية والنصف فجراً في رمضان»، لافتة إلى أن ذلك قد يكون أنقذ حياتهم.
وبحلول ساعات الصباح الأولى، استجاب عشرات المتطوعين لنداء دائرة «كنسينغتون وتشيلسي» بالتبرع بالملابس والغذاء والغطاء لمئات الضحايا الذين غادروا شققهم وفقدوا كل ممتلكاتهم في الحريق.
ورافقت «الشرق الأوسط» عددا من المتطوعين المتجهين نحو كنيسة «سانت كليمنس»، حيث شكرهم موظفو الإغاثة وطلبوا منهم التبرع في مراكز أخرى محاذية بعد أن غطت الكنيسة حاجات الناجين اللاجئين لديها.
وقالت فاطمة، وهي بريطانية من أصول هندية تبرعت بملابس أطفال في مركز «إدوارد وودز» القريب: «سمعت صوت هليكوبتر قريباً من بيتي في وقت متأخر من الليل، لكنني اعتقدت أن الأمر يتعلق بمطاردة أحد اللصوص، كما هو الحال في هذه المنطقة أحيانا. لكنني صدمت صباح اليوم بصور الحريق على نشرة الأخبار الصباحية. وسارعت بتجميع أغراض للتبرع بها، وساعدتني والدتي التي تزورني من الهند في ذلك. فسكان البرج خسروا كل شيء، ولم يبقَ لديهم سوى القليل».
من جهتها، قالت بريطانية مسلمة، فضَّلَت التكتم عن اسمها، إنها اصطحبت أبناءها إلى المدرسة واعتذرت عن الذهاب إلى العمل، لدعم مراكز الإغاثة والمساعدة في تنظيم التبرعات وتوزيعها.
وعن احتياجات الضحايا، قالت جوتي وهي متطوعة مع المجلس المحلي لـ«الشرق الأوسط»: «إننا نعمل على إيواء الضحايا بأسرع وقت ممكن، ونجمع التبرعات المالية ونفرز التبرعات المادية من ملابس وغذاء». وتابعت جوتي التي كانت تتحدث من مركز «روغبي بورتوبيلو» أن «المركز يحوي حاليا نحو 100 شخص، وهناك نحو 3 مراكز أخرى. كما ينتشر 200 متطوع على الأقل».



أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).