الانتخابات النيابية الفرنسية «تسونامي سياسي» يعزز حزب ماكرون

نسبة المقاطعة الأعلى في تاريخ الجمهورية الخامسة... والمعارضة تتخوف من هيمنة «الحزب الواحد»

الانتخابات النيابية الفرنسية «تسونامي سياسي» يعزز حزب ماكرون
TT

الانتخابات النيابية الفرنسية «تسونامي سياسي» يعزز حزب ماكرون

الانتخابات النيابية الفرنسية «تسونامي سياسي» يعزز حزب ماكرون

يتجه حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الوسطي، نحو الفوز بغالبية ساحقة في الجمعية الوطنية، ما سيعطيه تفويضا حاسما لتنفيذ إصلاحات اقتصادية واجتماعية وعد بها خلال حملته الانتخابية.
واكتسح حزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي أسسه ماكرون الحزبين التقليديين الأكبرين بحصوله على 32.3 في المائة من الأصوات، متقدما بفارق كبير عن حزب الجمهوريين اليميني (21.5 في المائة) وحزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف برئاسة مارين لوبن (13.2 في المائة) واليسار المنقسم بين تيارات مختلفة، بحسب النتائج النهائية.
ولعل المؤشر الأبلغ الذي يلخص الجولة الأولى من الانتخابات النيابية الفرنسية، يتمثل في هزيمة أمين عام الحزب الاشتراكي جان - كريستوف كمبادليس وعجزه عن التأهل للدورة الثانية. في المقابل، فاز مرشح حزب الرئيس إيمانويل ماكرون، منير المحجوبي، وزير الاقتصاد الرقمي وأصغر أعضاء الحكومة البالغ من العمر 34 عاما الذي يخوض أولى منافساته الانتخابية، بالمرتبة الأولى وبمقعد نيابي أكيد يوم الأحد القادم.
عكست نتائج الدورة الأولى عمق التحول الذي أحدثه ماكرون في المشهد السياسي الفرنسي. فبعد شهر واحد من وصوله إلى قصر الاليزيه، ها هو الرئيس الجديد يتسبب بـ«تسونامي سياسي» لم تعرفه الجمهورية الخامسة منذ تأسيسها في عام 1958، ويرجح أن يحصل «فرنسا إلى الأمام» مع نهاية الجولة الثانية على أكثرية ساحقة في البرلمان الجديد ما بين 400 إلى 455 مقعدا، من أصل 577 مقعدا، وهي الأوسع منذ ستين عاما. ذلك أن حزب ماكرون، المتحالف مع حزب «الحركة الديمقراطية» التي يرأسها وزير العدل فرنسوا بايرو حصل على 32.3 في المائة من الأصوات متقدما، بنسبة 11 في المائة على منافسه الأقرب، وهو حزب الجمهوريون المتحالف مع حزب اتحاد الديمقراطيين والمستقلين، فيما انهار الحزب الاشتراكي بشكل مريع.
وتفيد آخر الأرقام بأن الاشتراكيين وحلفاءهم من الراديكاليين اليساريين حصلوا على أقل من 10 في المائة من الأصوات، حيث تراجعوا إلى الموقع الخامس بين القوى السياسية الفرنسية، وهي أضعف نسبة لهم منذ أواخر خمسينات القرن الماضي. والحال أن الاشتراكيين كانوا يشغلون 284 مقعدا في البرلمان السابق. وإضافة إلى أمينه العام، فقد خرج من المنافسة منذ الدورة الأولى، مرشح الاشتراكيين للرئاسة بونوا هامون ووزراء سابقون بينهم أورلي فيليبي، وباسكال لامي، وإليزابيت غيغو، وماتياس فيكيل، وكريستيان أيكيرت.
جدير بالذكر أن الكثير من وجوه الحزب الاشتراكي، مثل رئيسي الحكومة السابقين برنار كازنوف وجان مارك أيرولت، امتنعوا عن الترشح بسبب الخوف من الهزيمة من جهة، وبسبب دخول قانون منع تراكم المناصب حيّز التنفيذ. وحدهم نجوا من العاصفة الوزراء الذين امتنع ماكرون عن ترشيح منافسين لهم من حزبه، أمثال وزيرة التربية السابقة نجاة فالو بلقاسم، ووزير الزراعة ستيفان لو فول، ورئيس الحكومة السابق مانويل فالس. لكن ليس جميع هؤلاء واثقين من العودة إلى الندوة البرلمانية. ووصف كمبادليس ما أصاب حزبه بأنه «تراجع لليسار لم يسبق له مثيلا».
ما يصح على الاشتراكيين، يصح أيضا على الأحزاب الأخرى التي لم تنج من مخالب «الجمهورية إلى الأمام». فاليمين المعتدل الذي كان يعتقد أنه سيفوز بالانتخابات بعد قلب صفحة مرشحه الرئاسي فرنسوا فيون، أصيب هو الآخر بنكسة كبيرة، حيث من المقدر له أن يخسر نصف عدد نوابه في البرلمان السابق. ولكن بحصوله على 21.5 في المائة من الأصوات، عاد «الجمهوريون» ليحتل الموقع الثاني على الخريطة السياسية بعد أن خسره لصالح حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف). وإذا ما حصل الأحد القادم على ما يتراوح ما بين 100 إلى 120 مقعدا، سيشكل نواب «الجمهوريون» قوة المعارضة الأساسية في البرلمان الجديد. لكن تمتع الرئيس ماكرون بالأكثرية الساحقة سيجعل دور هذه المعارضة هامشيا، ويدعها عاجزة عن التأثير على قرارات الحكومة وتدابيرها.
وفي أي حال، ليس من المؤكد أن يبقى «الجمهوريون» على حاله كحزب بسبب التشظي الداخلي الذي يعاني منه والتيارات المتجاذبة بين راغب في «الانفتاح» على العهد الجديد، وبين تيار عازم على المواجهة المباشرة معه لا بل التقرب من اليمين المتطرف.
عند الحديث عن اليمين الفرنسي المتطرف، ترد إلى ذهن مباشرة صورة «السقف الزجاجي» الذي يعني في التقليد السياسي الفرنسي أن الجبهة الوطنية لن تكون قادرة على الوصول إلى السلطة، لأن «التركيبة» الفرنسية لن تتيح لها ذلك ولأن المزاج العام لم يصبح بعد متقبلا لإيلائها المسؤولية. وتأكدت هذه النظرية مع الانتخابات الرئاسية، حيث عجزت مارين لو بن عن اختراق سقف الـ34 في المائة من الأصوات في الجولة الثانية. أما في انتخابات الأحد، فإن حزبها عاد للتراجع ولم يحصل إلا على 13.2 في المائة من الأصوات، وهو ما حصل عليه في عام 2012، وبالتالي فإن نواب الجبهة سيتراوح عددهم ما بين 2 إلى 10 نواب. وما أصاب اليمين المتطرف، ضرب أيضا اليسار المتشدد الذي يمثل ربما تقدمه على الحزب الاشتراكي في نسبة الأصوات عزاءه الوحيد. ذلك أن ميلونشون الذي اعترف الجميع بأن أداءه في الانتخابات الرئاسية كان «استثنائيا»، وحصل على أكثر من 19 في المائة من الأصوات، تراجعت حركته «فرنسا المتمردة» إلى 11 في المائة. ويرجح أن يتراوح عدد نوابه، مع النواب الشيوعيين، ما بين 10 إلى عشرين نائبا. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى أن حزب الخضر المنقسم أصلا إلى تيارات متناحرة فقد رؤوسه المعروفة منذ الجولة الأولى.
بيد أن الزلزال السياسي لا يتناول فقط تغير موازين القوى. ذلك أن الظاهرة المهمة كذلك تمثلت في نسبة مقاطعة الانتخابات، التي زادت على 51 في المائة، وهي نسبة لم تعرفها فرنسا في تاريخها الحديث.
وكان واضحا في الجدل السياسي الذي أعقب إذاعة النتائج، أن خصوم العهد الجديد سعوا لاستغلال المقاطعة المرتفعة للتقليل من أهمية انتصار حزب ماكرون، وللإشارة إلى أنه عمليا لم يحصل على أكثر من ستة ملايين صوت من أصل 47 مليون ناخب مسجل. وبالتالي، فإن الناخبين لم يمنحوه «شيكا على بياض».
أما التحذير الآخر فتركز على التنبيه من تحول «الجمهورية إلى الأمام» إلى حزب أوحد، كما في الدول الشيوعية السابقة، حيث تختفي المعارضة ويتحول المجلس النيابي إلى غرفة غرضها الموافقة على مشاريع القوانين والسياسات التي تقررها الحكومة. وقال الوزير اليميني السابق بريس هورتفو إن ناخبا واحدا من أصل سبعة ناخبين أعطى صوته لحزب ماكرون، ما يعكس ضعف قاعدته الشعبية.
هذه التحذيرات لم تمنع الصحافة الفرنسية مجتمعة من إبراز الظاهرة الاستثنائية التي تعيشها البلاد، إذ إن حركة سياسية أطلقت قبل 15 شهرا فقط وتحولت إلى حزب بعد الانتخابات الرئاسية نجحت في قلب الوضع السياسي في فرنسا رأسا على عقب. إنه عهد جديد وعالم جديد. لكن الامتحان الكبير سيبدأ بعد الجولة الثانية والأخيرة، والاختبار سيكون في قدرة العهد الجديد الذي سيتمتع باستقرار سياسي لمدة خمسة أعوام على تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وفي إعادة الأمل إلى الفرنسيين.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».