السعودية تخفض المزيد من شحنات النفط... والأسواق لم تتوازن حتى الآن

الفالح غير قلق من «الطفرة المؤقتة» للمخزونات

السعودية تخفض المزيد من شحنات النفط... والأسواق لم تتوازن حتى الآن
TT

السعودية تخفض المزيد من شحنات النفط... والأسواق لم تتوازن حتى الآن

السعودية تخفض المزيد من شحنات النفط... والأسواق لم تتوازن حتى الآن

بعد ثلاثة أسابيع متتالية من تسجيل أسعار النفط في نيويورك هبوطاً أسبوعياً، يبدو أن السعودية بدأت في أخذ خطوات أكبر من أجل التأكد من أن المخزونات النفطية العالمية ستهبط في الأشهر والأسابيع المقبلة.
حيث نقلت وكالة «رويترز» بالأمس عن مصادر مطلعة إن السعودية، أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، ستقيد كميات النفط الخام إلى بعض المشترين الآسيويين في يوليو (تموز)، بينما ستعمق خفض مخصصات النفط إلى الولايات المتحدة. ونقلت وكالة بلومبيرغ بالأمس كذلك أن التخفيضات للولايات المتحدة، حيث المخزونات النفطية لا تزال مرتفعة، قد تصل إلى 300 ألف برميل يومياً.
وحتى على مستوى التصريحات، فإن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح قد أكد هو ونظيره الروسي إلكساندر نوفاك يومي السبت والأحد للصحافيين في كازاخستان أن المخزونات النفطية متجهة للانخفاض خلال الأشهر المقبلة، مما يعني تحقيق اتفاق تخفيض الإنتاج بين 24 دولة من كبار المنتجين في العالم لأهدافه.
إلا أن واقع السوق لا يزال مختلفاً. ففي الأسبوع المنتهي في 2 يونيو (حزيران) الحالي، وبعد خمسة أسابيع من انخفاض المخزونات الأميركية، صعدت المخزونات بصورة مفاجئة بنحو 3.3 مليون برميل لتتسبب في هبوط أسعار النفط بنحو 4 في المائة. إلا أن الفالح قال للصحافيين في العاصمة الكازاخستانية آستانة إن ما حدث الأسبوع الماضي ليس بالأمر المقلق، حيث إن هذه مجرد طفرة مؤقتة وستعود المخزونات للانخفاض في الأسابيع المقبلة.
لكن كيف يمكن للمخزونات النفطية أن تهبط وتعود إلى مستواها الطبيعي والمقبول والذي تحدده الصناعة النفطية بمستوى متوسط الخمس سنوات؟
الأمر في غاية السهولة والصعوبة كذلك، فحتى تهبط المخزونات فإن على كل الدول الداخلة في اتفاق تخفيض الإنتاج الالتزام بالكمية التي أعلنوا عنها، والبالغة 1.8 مليون برميل يومياً، والمقسمة إلى 1.2 مليون برميل يومياً بالنسبة لدول منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) و558 ألف برميل يومياً للدول خارجها والتي من بينها روسيا.
إلا أن ما يحدث حتى الآن هو أن بعض الدول تقوم بتخفيض إنتاجها فيما تزيد من صادراتها، ولهذا تظهر معدلات الالتزام بصورة جيدة فيما تظل المخزونات عالمياً مرتفعة. والأمر الأخر الذي أضعف من فاعلية الاتفاق هو طريقة قياس الالتزام حيث تقوم ستة جهات خارجية تعرف باسم «المصادر الثانوية» بقياس الإنتاج لدول «أوبك» بناء على مسوح شهرية قد لا تكون دقيقة في الغالب. فيما لا تزال طريقة قياس الدول خارج «أوبك» لا تخضع لأي رقابة خارجية.
وفي ظل هذا الوضع كان من الطبيعي أن تزيد الواردات النفطية للولايات المتحدة والتي انعكست على مستوى المخزونات. ففي الأسبوع المنتهي في 2 يونيو أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن واردات أميركا من «أوبك» ارتفعت إلى 3.51 مليون برميل يومياً خلال الأسبوع من 2.98 مليون برميل يومياً في الأسبوع الذي سبقه.
وليست المفاجأة هنا، بل كانت في أن السعودية خفضت صادراتها إلى الولايات المتحدة بأكثر من النصف لتصل إلى 612 ألف برميل يومياً، فيما ضاعفت العراق صادراتها بما يقترب من خمسة أضعاف لتقفز إلى 1.14 مليون برميل يومياً من 293 ألف برميل يومياً.
هذا الأمر يعني أن ما تقوم به السعودية بمفردها من أجل توازن السوق قد لا يؤدي إلى نتيجة سليمة وواضحة طالما أن هناك دولاً أخرى لا تقوم بالتنسيق معها والالتزام بمستوى عالي من التخفيضات في التصدير وليس فقط في الإنتاج.
وترتفع مخزونات النفط الأميركية حالياً بنحو 123 مليون برميل عن متوسط الخمس سنوات. ويرى محللو شركة «بيرنستين» أن على المخزونات الأميركية أن تظهر سحوبات بمقدار 4 ملايين برميل أسبوعياً من الآن وحتى أواخر العام الحالي، حتى تعود لمستوى الخمس سنوات.
وبناء على تقرير صادر بالأمس من «بيرنستين»، فإن صادرات دول «أوبك» الأحد عشر الموقعين على اتفاق خفض الإنتاج انخفضت بنحو 500 ألف برميل يومياً منذ مطلع العام وحتى مايو (أيار). وإذا ما تم احتساب كمية الصادرات التي زادت من ليبيا ونيجيريا التي تم استثنائهما من الاتفاق بسبب ظروفهم السياسية والتشغيلية فإن صادرات «أوبك» لم تنخفض سوى بنحو 300 ألف برميل يومياً خلال الخمس الأشهر الأولى من العام، وهي كمية ليست كافية لإعادة التوازن للسوق.
ويقول محللو بيرنستين إن أحد الأسباب التي تؤدي للتساؤل حول مدى التزام دول «أوبك» بالاتفاق هو الزيادة الملحوظة في المخزونات عالمياً.
ويقدر التقرير حجم الزيادة في المخزونات النفطية في الدول الصناعية الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي من بينها الولايات المتحدة وكوريا واليابان، ارتفع بنحو 40 مليون برميل خلال الربع الأول من العام الحالي. ومن المحتمل أنها زادت بنحو 15 مليون إضافية في شهر أبريل (نيسان). ورغم احتمالية هبوطها في مايو، فإنها تظل مرتفعة بنحو 30 مليون برميل يومياً عن بداية العام.
وأصبحت مسألة زيادة صادرات «أوبك» واضحة للجميع، حيث أظهر تقرير من مصرف مورغان ستانلي الأسبوع الماضي أن صادرات الدول بحسب ما تظهر بيانات تتبع الناقلات قد زادت في مايو بنحو 2.2 مليون برميل يومياً عن مستوى أبريل.
وأمام كل هذه المعطيات لا تزال السعودية تعمل بمفردها من أجل دعم الأسعار التي لا ترضي أحداً. وقالت المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها لـ«رويترز» إن شركة النفط الحكومية السعودية «أرامكو» ستورد أيضاً جميع كميات النفط المتفق عليها لخمسة مشترين آسيويين على الأقل، وبشكل أساسي في شمال آسيا، وإنها ستخفض الإمدادات لبعض العملاء في الهند والصين وكوريا الجنوبية.
وأشارت المصادر إلى أن خفض مخصصات الخام إلى آسيا في يوليو سيكون أكبر بقليل من شهر يونيو. وأخطرت «أرامكو» مصافي آسيوية الشهر الماضي بأنها ستخفض إمدادات النفط إلى آسيا بنحو سبعة ملايين برميل في يونيو، وهو أول خفض لتلك المنطقة منذ بدء سريان اتفاق خفض الإنتاج الذي تقوده أوبك في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال مصدران إن مخصصات النفط إلى الولايات المتحدة جرى تخفيضها بدرجة كبيرة بيد أن «أرامكو» أبقت كميات أوروبا دون تغيير يذكر.
وبحسب خطط يوليو، ستخفض «أرامكو» إمداداتها للهند والصين، بينما ستورد الكميات المتعاقد عليها بالكامل للمشترين في اليابان وتايوان حسبما قال مصدر مطلع. كما جرى خفض الإمدادات لمصفاة في كوريا الجنوبية.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.