استقالة مستشارين اثنين لرئيسة وزراء بريطانيا

الصحافة اليمينية تتخلى عن ماي وتعطيها 6 أشهر في منصبها

نيك تيموثي وفيونا هيل المستشاران الخاصان لماي (رويترز)
نيك تيموثي وفيونا هيل المستشاران الخاصان لماي (رويترز)
TT

استقالة مستشارين اثنين لرئيسة وزراء بريطانيا

نيك تيموثي وفيونا هيل المستشاران الخاصان لماي (رويترز)
نيك تيموثي وفيونا هيل المستشاران الخاصان لماي (رويترز)

أعلن المستشاران الخاصان لرئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي استقالتهما، أمس (السبت)، بعد خسارة حزبها المحافظ الغالبية المطلقة في البرلمان إثر انتخابات قوضت سلطتها. واشترط كبار أعضاء الحزب المحافظ الحاكم رحيل مديري مكتبها نك تيموثي وفيونا هيل للسماح ببقاء ماي في الحكم بعدما أفقدتها انتخابات الخميس الأغلبية في البرلمان. ولكن استقالتهما ستشكل ضربة جديدة لرئيسة الوزراء التي اعتمدت على نصائحهما ودعمهما منذ كانت وزيرة للداخلية. وقال تيموثي إنه قدم استقالته الجمعة بعدما تأكدت نتيجة الانتخابات، محمِّلاً نفسه مسؤولية البرنامج الانتخابي الذي وضعه المحافظون خلال الحملة التي سبقت الانتخابات، بما في ذلك خطة أثارت جدلاً واسعاً تتعلق بالرعاية الاجتماعية لكبار السن. ولكنه كتب على مدونة «كونسرفاتيف هوم» المحافظة أن «سبب النتيجة المخيبة لم يكن غياب الدعم لتيريزا ماي والمحافظين بل الزيادة غير المتوقعة في حجم التأييد لحزب العمال». وأكد متحدث باسم الحزب أن هيل استقالت كذلك.
واتهم كل من تيموثي وهيل سابقاً بـ«تسميم» الأجواء في «داونينغ ستريت». وكانت مديرة اتصالات ماي السابقة، كاتي بيريور، تحدثت عن أجواء «رهيبة» سادت خلال الاجتماعات التي حضرها المستشاران، وقالت إنهما لم يبديا أي احترام لسائر الموظفين أو حتى الوزراء. وقالت بيريور التي استقالت قبل الانتخابات لإذاعة «بي بي سي»: «شعرت أن ما تحتاج إليه رئيسة الوزراء في وقت صعب مثل فترة التفاوض بشأن (بريكست) هو دبلوماسيون، لا مقاتلو شوارع».
وكانت صحيفة «ديلي تلغراف» المؤيدة للمحافظين حذرت من أنه «على السيدة ماي القبول بالنتيجة على أنها اتهام ناتج عن الطريقة التي تدير بها الأمور»، داعية إياها للسعي إلى الحصول على نصائح الوزراء والنواب «وتخفيف اعتمادها شبه الكلي على مجموعة صغيرة جدا من المستشارين». وألقي اللوم بشكل واسع على تيموثي لطرحه خطة الرعاية الاجتماعية التي اضطرت ماي إلى التراجع عنها في منتصف الحملة الانتخابية إثر مؤشرات إلى أنها تتسبب في نفور المؤيدين الأساسيين للحزب.
وأما هيل، فخلقت عداوات لنفسها بأسلوبها العدائي بحيث واجهت جميع من لم يبدوا الولاء لماي، بمن فيهم موظفون في مكتب رئاسة الوزراء ووزراء وصحافيون. وكان مذيع شبكة «سكاي نيوز» قرأ علناً رسالة نصية أرسلتها هيل إليه على الهواء مباشرة بعد تطرقه لصحة رئيسة الوزراء التي تعاني من مرض السكري. ودعت هيل المذيع في رسالتها إلى «مراقبة ما يقوله بشأن صحة مديرتي. لا أساس من الصحة (لما يقوله وهو) غير صادق. سنتقدم بشكوى رسمية».
وغيرت وسائل الإعلام، التي تنتمي لتيار اليمين في بريطانيا من لهجتها أمس بعد إعلان النتائج، مستشهدة بمخاوف من الطريقة التي أدارت بها الحملة، ومن شائعات من حدوث تحد لقيادتها. وجاء عنوان صحيفة «ديلي تلغراف» المحافظة: «تيريزا ماي تكافح للبقاء في (داونينغ ستريت) فيما يفكر الأعضاء البارزون في الحزب المحافظ في تحدي قيادتها».
وبعد اللقاء التقليدي ما بعد الانتخابات مع الملكة إليزابيث أعلنت ماي أنها ستشكل إدارة تجمع الدعم من الحزب الديمقراطي الوحدوي، وهو أكبر حزب في آيرلندا الشمالية، ليمنحها أغلبية هشة في البرلمان. وكانت نتيجة الانتخابات بمثابة صفعة قوية لرئيسة الوزراء، التي دعت إلى إجراء انتخابات مبكرة لتعزيز موقفها في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي التي من المقرر أن تبدأ في 19 يونيو (حزيران).
وفى مواجهة هذه الشائعات، أصرت رئيسة الوزراء على أنها تتمتع بـ«الشرعية» لمواصلة قيادة الحكومة على الرغم من خسارة 13 مقعدا في مجلس العموم. وأعطت النتائج النهائية حزب المحافظين 318 مقعدا مقابل 262 مقعدا لحزب العمال بقيادة جيريمي كوربن. وترفع العشرة مقاعد للحزب الديمقراطي الوحدوي مقاعد ماي إلى 328 مقعدا، بزيادة مقعدين عن عدد المقاعد المطلوبة لتشكيل أغلبية عاملة. ولكن المشكلات لاحت في الأفق على الفور لماي وسط مخاوف بشأن حليفها الجديدة، الحزب الديمقراطي الوحدوي، بخصوص البرنامج الاجتماعي للحزب.
وفيما كافحت ماي لتشكيل حكومتها وسط موارد مستنفدة، أوضحت ماي أنها لن تحدث تغييرات كبيرة. وسيظل وزير المالية فيليب هاموند، ووزير الخارجية بوريس جونسون، ووزيرة الداخلية أمبر رود، ووزير الدفاع مايكل فالون، ووزير الخروج من الاتحاد الأوروبي ديفيد ديفيس في مناصبهم. وكان الحديث ما قبل الانتخابات يشير إلى أن هاموند سيقال، وكذلك من المحتمل جونسون، إذا ما حصلت ماي على أغلبيتها الكاسحة المتوقعة.
وإذا كان بعض المحللين يعتبرون أن تيريزا ماي قد تخفف من لهجتها بعد نكستها الأخيرة في الانتخابات، فإنه لم تصدر بعد عنها أي إشارة تدل على ذلك. وبعد هذا الفشل الذريع التي اعتبر صفعة شخصية لتيريزا ماي، ارتفعت أصوات في صفوف حزبها تطالبها بالرحيل. إلا أن رئيسة الحكومة تذرعت بالحاجة إلى «الاستقرار» قبل أيام من بدء مفاوضات «بريكست» لرفض فكرة التنحي، وأعلنت أول من أمس (الجمعة) عزمها على تشكيل حكومة جديدة «ستقود بشكل جيد الخروج من الاتحاد الأوروبي».
وسيعقد البرلمان الجديد اجتماعه الأول الثلاثاء، قبل أن يعقد في التاسع والعشرين من الشهر الحالي اجتماعه الافتتاحي الرسمي الأول، والذي يتزامن مع اليوم الأول من إطلاق محادثات «البريكست».
وشددت صحف بريطانية كثيرة على الوضع الصعب لتيريزا ماي. وعنونت «الديلي تليغراف» المؤيدة لـ«البريكست»، «ماي تكافح للبقاء رئيسة للحكومة»، في حين عنونت «الديلي ميل»، «المحافظون أيضا يهاجمون تيريزا»، كما اعتبرت صحيفة «صن» أنه قد «قضي» على تيريزا ماي، وأنها لن تكون قادرة على الصمود أكثر من بضعة أشهر.
واعتبرت النائبة المحافظة هيدي ألن، أن رئيسة الحكومة باقية حاليا في منصبها فقط بسبب اقتراب موعد المفاوضات حول «البريكست»، قبل أن تضيف «إلا أنني لا أعتقد أنها ستصمد في منصبها أكثر من ستة أشهر».
ويضع التحالف المحتمل مع الحزب الوحدوي الديمقراطي في آيرلندا الشمالية على المحك حياد الحكومة المفترض من النزاع في آيرلندا الشمالية، وهي منطقة لا تزال تشهد كثيرا من التوتر بعد ثلاثين سنة على انتهاء «الاضطرابات» فيها. ويطالب الحزب الوحدوي الآيرلندي الشمالي أيضا بالخروج من السوق الموحدة، إلا أنه «يفضِّل تجنب سيناريو (عدم التوصل إلى اتفاق يبقى أفضل من التوصل إلى اتفاق سيئ)»، حسب ما يقول ستيفن بويد المحلل في مركز «أوبن يوروب» للتحليل. وسيكون الحزب الوحدوي الآيرلندي الشمالي متنبها جدا لمسألة الحدود بين آيرلندا الشمالية والجنوبية، وهي النقطة التي تبقى في أولوية اهتمامات الاتحاد الأوروبي.

الانتخابات البريطانية بالأرقام
> النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت في بريطانيا في 8 يونيو (حزيران)، والتي لم يتمخض عنها حزب بأكثرية يكون قادرا على تشكيل حكومة بمفرده. ويتألف مجلس العموم، الغرفة السفلى في برلمان ويستمنستر، من 650 مقعدا، لم يتمكن أي من الأحزاب المتنافسة من الحصول على 326 مقعدا، (أي 50 في المائة + واحد). لكن فاز حزب المحافظين بأكبر عدد من المقاعد، إلا أنه خسر بالمقابل الغالبية المطلقة التي كان يتمتع بها سابقا، إضافة إلى خسارته أحد معاقله في لندن لصالح حزب العمال، ومقعدا آخر في مدينة كانتبري بقي محافظا منذ 1918، زعيمة المحافظين، رئيسة الوزراء تيريزا ماي، شكلت حكومة أقلية معتمدة على 10 مقاعد لحزب الديمقراطيين الوحدويين في شمال آيرلندا.
الأرقام الواردة أدناه بين هلالين تمثل التقدم أو التراجع مقارنة بنتائج الانتخابات التشريعية السابقة التي جرت في 2015.
حزب المحافظين 318 (- 12)
حزب العمال 262 (+30)
الحزب الوطني الاسكوتلندي 35 (- 21)
الحزب الليبرالي الديمقراطي 12 (+4)
الحزب الوحدوي الديمقراطي 10 (+2)
الشين فين 7 (+3)
حزب ويلز 4 (+1)
حزب الخضر 1 (+0)
الحزب الاجتماعي الديمقراطي والعمالي 0 (- 3)
حزب ألستر الوحدوي 0 (- 2)
حزب استقلال المملكة المتحدة (يوكيب) 0 (- 1)
مستقلون 1 (+0)
نسبة المشاركة: 68.7 في المائة (+2.6)



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.