«معركة الرقة»... ثمن «الفيدرالية» الكردية

بتحريرها ينحسر «داعش» جغرافياً في سوريا ولا ينتهي آيديولوجياً

«معركة الرقة»... ثمن «الفيدرالية» الكردية
TT

«معركة الرقة»... ثمن «الفيدرالية» الكردية

«معركة الرقة»... ثمن «الفيدرالية» الكردية

تكتسب معركة «تحرير» مدينة الرقّة، بشمال وسط سوريا، أبعاداً سياسية وجيوستراتيجية على أكثر من صعيد. فهي التي ستكون محطة أساسية في تقليص وجود «داعش» جغرافياً، وستشكّل «ورقة» في يد «الفيدراليين» الأكراد الذين سيحجزون بتحريرها «فيدراليتهم» في خريطة سوريا المستقبلية. هذا أمر يزيد من قلق تركيا التي لطالما حذّرت من وصول حزب «الاتحاد الديمقراطي» إلى حدودها وهدّدت بالمواجهة بعد رفض أميركا الانصياع لرغباتها في تولي مهمة المعركة.
وفي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه «قوات سوريا الديمقراطية» إطلاق ما وصفتها بـ«المعركة الكبرى» أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن بلاده «ستردّ فوراً» إذا ما شكّلت عملية استعادة الرقة أي تهديدات لها. وأكّد «لن نسمح بأن تتضرر بلادنا من تعاون الولايات المتحدة مع وحدات حماية الشعب الكردية»، لافتاً إلى أن «أميركا تتعاون مع تنظيم إرهابي للقضاء على تنظيم إرهابي آخر، رغم تحذيراتنا».
تعتبر معركة تحرير مدينة في الرقّة من أهم العمليات العسكرية التي تحاول مختلف الأطراف والدول الراعية عبرها كسر الهيمنة الأساسية للتنظيم داخل الأراضي السورية. ويذكر أن المدينة الواقعة على نهر الفرات، والتي كانت منبعاً لأول نشاطاته وحملاته العسكرية و«عاصمة الخلافة» المزعومة، يمكن أن تفضي السيطرة عليها لانسحابات متتالية في المناطق المتبقية له على الأراضي السورية.
في المقابل، فإن انتصارات مسلّحي الأكراد الطامحين إلى الفيدرالية ما زالت تحتاج إلى تمكين، وفق ما يرى محللون، خصوصاً أنهم في حاجة إلى الضمانة الدولية الدائمة كما أنهم يثيرون غضب «الجارة» تركيا.

«داعش» في معركة الرقة وما بعدها
يرى الدكتور سامي نادر، مدير معهد المشرق للبحوث الاستراتيجية في العاصمة اللبنانية بيروت أن «معركة الرقّة هي المعركة ما قبل الأخيرة ضد التنظيم في سوريا»، معتبراً أن معركة مدينة دير الزور هي التي ستكون الحاسمة والأهم. ويشرح نادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قائلا: «تحرير الرقة قد يؤدي إلى انحسار (داعش) الذي قد ينتهي جغرافياً بخسارته الأرض، أو ما كان يعتبرها عاصمته، إنما لن ينهيه آيديولوجياً، واعتداءات لندن الأخيرة خير دليل على ذلك، في وقت تتطلب مواجهة آيديولوجيته خطة سياسية دقيقة شاملة وأكبر».
من ناحية ثانية، يقول مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن «إذا خسر (داعش) الرقة سينهار في كامل الأراضي السورية». وعلى الرغم من المعلومات التي تشير إلى أن ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) - ذات الغالبية الكردية - تجري مفاوضات مع التنظيم للانسحاب من الرقة، وهو ما سبق أن أكّده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يرى عبد الرحمن أن «(داعش) سيقاتل حتى النهاية في الرقة، إلا إذا قرر الانسحاب. وهو بات في مأزق كبير لأن التحالف الدولي يرصد منطقة دير الزور والطائرات الحربية الروسية ترصد البادية السورية». ويضيف «إن هناك أكثر من ألفي مقاتل متحصّنين داخل مدينة الرقة»، معرباً عن خشيته على حياة أكثر من 150 ألف مدني باتوا دروعاً بشرية للتنظيم وهم يتعرّضون لقتل شبه يومي من قبل طائرات التحالف الدولي في ظل غياب أي ممرّات آمنة لخروجهم».
وفي قراءة ثالثة، يتوقع الخبير والباحث السوري أحمد أبا زيد، أن تكون الخطوة المقبلة للتنظيم التموضع وتركيز العمليات على دير الزور والبادية السورية التي تعتبر المعركة الأساسية في المرحلة المقبلة لجميع الأطراف». ويتابع أبا زيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «أهمية الرقة بالنسبة إلى التنظيم أهمية رمزية وليست عسكرية، على اعتبار أنها كانت المدينة الأولى التي سيطر عليها، لكنها في الحقيقة ليست ذات ثقل عسكري بالنسبة إليه. ذلك أن عاصمته الفعلية ومركز ثقله كانت مدينة الموصل في العراق، والتحشيد العسكري الذي حصل في المرحلة الأخيرة في الرقة كان تحضيراً للمعركة».
جدير بالذكر، أن مدينة الرقة، التي تحوّلت في عام 2014 إلى أبرز معاقل «داعش» في سوريا، تتمتع بموقع استراتيجي في وادي نهر الفرات عند مفترق طرق مهم. وهي قريبة نسبياً من الحدود مع تركيا وتقع على بعد 160 كيلومتراً إلى الشرق من مدينة حلب وعلى بعد أقل من مائتي كلم إلى الغرب من الحدود العراقية. ولقد أسهم بناء سد الفرات على مستوى مدينة الطبقة - الواقعة إلى الغرب منها - في ازدهار مدينة الرقة التي لعبت دوراً مهماً في الاقتصاد السوري بفضل النشاط الزراعي.

مخاوف من «الفيدرالية» الكردية
على صعيد آخر، يرى الباحث الاستراتيجي اللبناني الدكتور خطار بودياب، أن «الثمن الذي قد يحصل عليه الأكراد سيكون في تكريس سيطرتهم على مناطق ذات غالبية كردية مثل القامشلي والحسكة وغيرها في شمال وشمال شرقي سوريا، إنما ليس الرقّة». ويوضح بودياب لـ«الشرق الأوسط»، أن «وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التي تشرف على معارك الرقّة عبر التحالف الدولي لن تسلّم هذه المنطقة إلى الأكراد، بل إنها ستشهد الرقة السيناريو نفسه الذي حصل في مدينة منبج (محافظة حلب) التي تسلمها (مجلس منبج المحلي)؛ إذ ستسلّم إلى «مجلس» للرقّة، وهو ما بدأ التحضير له».
وكانت ميليشيا «قسد» قد أعلنت بالفعل تشكيل «مجلس مدني» في أبريل (نيسان) الماضي، لإدارة المدينة وريفها فور استكمال طرد التنظيم منها. وصرحت الناطقة باسم عملية «غضب الفرات» جيهان شيخ أحمد بأن «المجلس المدني الذي انضم إليه أهالي الرقة بكل مكوّناتهم سيتسلم إدارة المدينة بعد تحريرها من (داعش)». وهنا، نشير إلى أنه على الرغم من الغالبية العددية للميليشيات الكردية، فإن ثمة فصيلاً عربياً يشارك حالياً في معركة الرقة، ويتوقّع البعض أنه يكون له دور ما بعد تحرير المدينة، وهو «قوات النخبة السورية» التابعة لـ«تيار الغد» الذي يتزعمه الرئيس السابق للائتلاف الوطني أحمد الجربا.
الدكتور نادر يصف معركة تحرير الرقة بـ«الورقة الجيوستراتيجية» بيد الأكراد «الفيدراليين»، موضحاً أنه «بعدما امتنعت أميركا عن إعطاء هذه الورقة لتركيا لم يعد أمام الأخيرة إلا تكريس نفوذها في الشمال بلعب دور حامي السنة، وبالتالي، إعادة النظر ببعض حساباتها»، وبخاصة مع روسيا بعد القمة العربية الإسلامية الأميركية. ويرى نادر أن «الثمن الذي سيحصل عليه الأكراد هو المزيد من الاستقلالية، وقد يصل الأمر إلى تحقيق حلمهم القديم والوعود التي حصلوا عليها بتأسيس دولتهم»، ويستطرد «وإذا لم يتحقق ذلك بشكل كامل، فإنهم سيحجزون لهم فيدرالية في خريطة سوريا المستقبلية تتمتع عملياً بكل مقوّمات الدولة».
في هذه الأثناء، يرى الدكتور فابريس بالانش، الخبير في الشؤون السورية بمعهد واشنطن في حوار مع وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) أن الفيدراليين الأكراد «يراهنون على أن السيطرة على الرقة ستضمن لهم دعماً دولياً طويل الأمد يتيح لهم بناء روج - آفا (غرب كردستان)». في حين يرى الخبير في الشؤون السورية في معهد «سانتشوري» سام هيلر للوكالة نفسها، أن «القيادة الكفء والموحدة» فضلاً عن «العداء الحقيقي للتنظيم» الذي تكنه الميليشيا الكردية (وحدات حماية الشعب، ومن ثم «قسد») من الأمور التي أتاحت لها تقديم نفسها على أنها الخيار الأمثل للتحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد داعش».
غير أن الدكتور بو دياب يعتقد أن هناك «بعض التناقضات في النظر إلى ما بعد الرقة»، مضيفا: «هناك من يقول: إن أميركا لن تنظر إلى الأكراد وتعود لترتب تحالفها مع تركيا، علما بأن لدى الأكراد علاقاتهم وتنسيقهم مع روسيا وأوروبا أيضا». وهذا من دون أن يستبعد في الوقت عينه «أن تستفيق الرقة» على ما أسماه بـ«خديعة اليوم التالي» عندما «سيكتشف الجميع أن تحريرها لا يعني نهاية الإرهاب ولا تنظيم داعش، إضافة إلى أن الوضع في سوريا اليوم بات كالرمال المتحركة، حيث إن مناطق النفوذ قابلة للتبدل والتغير على وقع استمرار المعارك في عدد من المناطق».
وفي سياق البعد الكردي أيضاً، يرى نوا بونسي، من مجموعة الأزمات الدولية، وفق كلامه لـ«أ.ف.ب» أنه «حتى الآن، منح الدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية بعض الحماية، لكن لا يمكننا افتراض أنه سيكون دعماً دائماً، حتى أنه قد لا يستمر إلى ما بعد العملية الحالية» لاستعادة الرقة. ويرى بونسي أن بين التحديات الأخرى «احتمال أن يسعى النظام إلى السيطرة على المناطق ذات الغالبية الكردية، فضلاً عن التوترات الداخلية في تلك المناطق نتيجة هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي».
ويرى بونسي أنه سيكون على القيادة الكردية «إظهار قدرتها على القبول ببعض التسويات الاستراتيجية التي ستضطر بموجبها إلى التخلي عن بعض طموحاتها لحماية إنجازاتها». ويضيف «إذا كانت قادرة على القيام بتسويات مع القوى الخارجية والتعامل أكثر مع الضغوط الداخلية، سيكون بمقدورها أن تحمي الكثير مما أنجزته».

قوة عسكرية حقيقية
لقد تحول أكراد سوريا «الفيدراليون» خلال سنوات قليلة، من أقلية مهمشة إلى قوة عسكرية حقيقية تقف في صف المواجهة الأول ضد «داعش» وتقود بدعم أميركي معركة طرده من الرقّة. واستغل هؤلاء تصاعد الأزمة وتنامي دورهم، ولا سيما بعد انسحاب قوات نظام دمشق في منتصف 2012 من المناطق ذات الغالبية الكردية محتفظاً ببعض المقار الرسمية، لبناء قوة عسكرية، وباتوا يسيطرون على مناطق واسعة في شمال وشمال شرقي سوريا. وأسسوا عام 2013 «إدارة ذاتية» في «مقاطعاتهم» الثلاث الجزيرة (في محافظة الحسكة)، وعين العرب- كوباني، وعفرين (في ريف حلب) التي أطلقوا عليها اسم «روج - آفا». وعمدوا منذ ذلك الحين إلى التعويض عن عقود من سياسة التهميش الذي اتهموا الحكومات السورية بممارسته، فبدأوا استخدام وتعليم اللغة الكردية وإطلاق أسماء كردية على مناطق سيطرتهم وأحياء تقاليدهم علناً، وبات حزب «الاتحاد الديمقراطي» الانفصالي وميليشياه «وحدات حماية الشعب» الكردية، بمثابة الحكومة والقوى الأمنية في «روج - آفا».
وكما آثار تقدم الميليشيات الكردية ميدانياً توتراً مع الفصائل المعارضة التي اتهمتهم بممارسة «التهجير القسري» بحق السكان العرب، فاقم هذا التقدم مخاوف أنقرة التي تخشى إنشاء حكم ذاتي كردي على حدودها، وتصنف الميليشيا الكردية كمجموعة «إرهابية» وتعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يقود تمرداً مسلحاً ضدها منذ عقود.

الرقة تحت سلطة «داعش»
يذكر أنه منذ سيطرة «داعش» على مدينة الرقة عام 2014 لجأ إلى فرض «قوانينه» الصارمة في المدينة - التي يبلغ عدد سكانها نحو 300 ألف، بينهم نحو 80 ألفا من النازحين خصوصا من منطقة حلب، بالإضافة إلى آلاف المقاتلين مع عائلاتهم، وعاقب كل من يخالفها، منفذاً الإعدامات الجماعية وقطع الرؤوس وعمليات الاغتصاب والسبي والخطف والتطهير العرقي وغيرها من الممارسات الوحشية.
وخلال ثلاث سنوات عانى سكان الرقة من صرامة التنظيم التي منعتهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، فبات التعليم خلف الأبواب الموصدة؛ إذ ألغى «داعش» الدراسة بالمنهج الحكومي، فمنع تعليم مواد الفيزياء والكيمياء واقتصرت مدارسه على تدريس الشريعة، وتركز حصص الحساب على الرصاص والقنابل والسلاح.
ويوضح أحد الأساتذة السابقين في الرقة، خلال حديث لـ«أ.ف.ب» أنه «بات درس الرياضيات عبارة عن عمليات حسابية لتعداد البنادق والمسدسات والقنابل والسيارات المفخخة... هناك مادة يطلق عليها العقيدة تشرح العمليات الانتحارية وطرقها ونتائجها». ولذا؛ رفض كثيرون من أهالي المدينة إرسال أبنائهم إلى مدارس تنظيم داعش لحمايتهم من الأفكار المتطرفة والوعود بـ«الجهاد»، وبدأ «التعليم بالسر» في المنازل وخلف الأبواب المغلقة.

محطات المعركة
في بداية أكتوبر (تشرين الأول) 2016، أعلن وزير الدفاع الأميركي (يومذاك) آشتون كارتر، بدء التحضيرات لعزل الرقة بالتزامن مع إطلاق القوات العراقية معركة للسيطرة على مدينة الموصل، معقل «داعش» في العراق. وفي الخامس من الشهر نفسه، أعلنت ميليشيا «قسد» بدء حملة «غضب الفرات» لطرد التنظيم من الرقة بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
ووفق مسؤولين أميركيين، كان هدف العملية أولا التركيز على تطويق المدينة وعزلها عبر قطع محاور الاتصال الرئيسية مع الخارج.
وبعد سيطرة «قسد» على مناطق واسعة في ريف محافظة الرقة الشمالي أعلنت يوم 10 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بدء المرحلة الثانية من الحملة لـ«تحرير» الريف الغربي حيث تقع مدينة الطبقة الاستراتيجية وسد الفرات. وبالفعل، سيطرت الميليشيا يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2017 على قلعة جعبر الأثرية التي تشرف على أكبر سجن يديره «داعش» قرب سد الفرات.
وفي إطار المعركة المستمرة، أعلنت «قسد» في نهاية يناير حصولها للمرة الأولى على مدرّعات أميركية، وتلقيها وعوداً من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من الدعم. كذلك أكدت واشنطن أن المدرّعات من طراز «إس يو في»، وأنها قدّمت إلى «الفصائل العربية» في الميليشيا ذات الغالبية الكردية. ويوم 4 فبراير (شباط)، أعلنت «قسد» بدء المرحلة الثالثة من حملة طرد «داعش» من ريف الرقة الشرقي.
ثم، بعد نحو أسبوعين، أعلنت «البنتاغون» أن قادة التنظيم بدأوا بمغادرة الرقة على وقع تقدم «قسد»، ويوم 6 مارس (آذار) قطعت الميليشيا طريق الإمداد الرئيسي لـ«داعش» بين الرقة ومحافظة دير الزور شرقاً والواقعة بالكامل تحت سيطرة التنظيم المتطرف.
بعد ذلك، في منتصف الشهر نفسه، أفاد مسؤول في «البنتاغون» بأن واشنطن تفكر في إرسال ألف جندي إضافي من أجل هجوم الرقة لتضاعف بذلك عدد العسكريين الأميركيين المنشورين في سوريا، البالغ عددهم حاليا ما بين 800 و900 عنصر. وفي 22 مارس، أعلن أن قوات أميركية وفرت دعماً نارياً وإسناداً جوياً لعملية عسكرية نفذتها «قسد» لاستعادة السيطرة على سد الفرات. وتحدثت «قسد» عن عملية إنزال جوي «ناجحة» نفذتها قوات أميركية وعناصر من «قسد» جنوب نهر الفرات تمهيدا لهجوم على مدينة الطبقة ومطارها العسكرية وسد الفرات.
وفي 26 مارس، استعادت «قسد» مطار الطبقة العسكري الذي كان يسيطر عليه «داعش» منذ أغسطس (آب) 2014 على بعد 50 كلم غربي الرقة.
في 10 مايو (أيار) 2017، سيطرت «قسد» على مدينة الطبقة وسدها، وإن وُجّهت إليها اتهامات في حينه «بالاتفاق» مع «داعش» على الانسحاب. وخلال يومين، يوم 12 مايو 2017، أعلنت الميليشيا أن الهجوم النهائي نحو الرقة سيكون على الأرجح في يونيو (حزيران)، لتعود بعدها وتعلن يوم 6 يونيو بدء «المعركة الكبرى» للسيطرة على الرقة، ودخلت بعد ساعات الجهة الشرقية من المدينة.
وللعلم، فإن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ومصادر عدّة أعلنوا أن هناك مفاوضات بين «قسد» و«داعش» تجري لانسحاب التنظيم من الرقة، وقال «تجمع الرقة تذبح بصمت» إن انسحاب التنظيم من الطرف الغربي ولا سيما سدّ البعث وبلدتي المنصورة وهنيدة تم نتيجة اتفاق بين الطرفين، وهو ما سيمهّد لتطبيق الاتفاق نفسه على مدينة الرقة في وقت لاحق وإخلائها من «داعش»، الأمر الذي ينفيه قياديون في «قسد» نفيا تاما ويؤكدون على الاستمرار في المعركة.

الرقة... من ازدهار العصر العباسي إلى احتلال «داعش»
* بلغت مدينة الرقة أوج ازدهارها في عهد الخلافة العباسية. ففي عام 722، أمر الخليفة المنصور ببناء مدينة الرافقة على مقربة من مدينة الرقة الحالية، واندمجت المدينتان في وقت لاحق.
وبين عامي 796 و809، جعل الخليفة هارون الرشيد الرقة عاصمة ثانية له بجانب بغداد، لوقوعها على مفترق طرق بين بيزنطية ودمشق وبلاد ما بين النهرين. وبنى فيها قصورا ومساجد... في عام 1258، دمر المغول مدينتي الرافقة والرقة على غرار ما فعلوا ببغداد.
في الرابع من مارس 2013 وبعد عامين من بدء حركة الاحتجاجات ضد النظام السوري، تمكن مقاتلو المعارضة من السيطرة على مدينة الرقة فباتت أول عاصمة محافظة في سوريا تخرج عن سلطة النظام. ويومها اعتقل مقاتلو المعارضة المحافظ وسيطروا على مقر المخابرات العسكرية في المدينة، أحد أسوأ مراكز الاعتقال في المحافظة، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان». كما جرى تدمير تمثال في المدينة للرئيس السابق حافظ الأسد، والد الرئيس الحالي.
إلا أن معارك عنيفة اندلعت بين «داعش» ومقاتلي المعارضة بينهم «جبهة النصرة» في بداية يناير عام 2014، وانتهت بسيطرة التنظيم على كامل مدينة الرقة يوم 14 من الشهر ذاته. ثم في يونيو 2014، أعلن «داعش» تأسيس «الخلافة» انطلاقاً من مساحة واسعة من الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا.
في 24 أغسطس من العام نفسه بات التنظيم يسيطر بشكل كامل على محافظة الرقة بعد انتزاع مطار الطبقة من قوات النظام.
وفي يونيو عام 2015، خسر «داعش» بعض البلدات في ريف المحافظة، أبرزها تل أبيض وعين عيسى التي سيطرت عليها ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية. ومن ثم تمكنت ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» – التي تشكل «وحدات حماية الشعب» عمودها الفقري - خلال الأشهر الماضية من إحراز تقدم نحو المدينة وقطعت طرق الإمداد الرئيسية للتنظيم من الجهات الشمالية والغربية والشرقية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.