ترمب: قطر ممول تاريخي للإرهاب... وعليها التوقف فوراً

تيلرسون قال إن واشنطن ملتزمة بمقررات الرياض ودعا إلى وقف التصعيد... وأبوظبي تعتبر التزام الدوحة بمراجعة سياساتها «الأساس الضروري لأي نقاش»

ترمب خلال مؤتمره الصحافي في واشنطن أمس (أ.ب)
ترمب خلال مؤتمره الصحافي في واشنطن أمس (أ.ب)
TT

ترمب: قطر ممول تاريخي للإرهاب... وعليها التوقف فوراً

ترمب خلال مؤتمره الصحافي في واشنطن أمس (أ.ب)
ترمب خلال مؤتمره الصحافي في واشنطن أمس (أ.ب)

دخلت الولايات المتحدة بقوة على خط الأزمة القطرية، بدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قطر أمس إلى وقف تمويل الإرهاب والجماعات المتطرفة، والترويج لتعاليم الكراهية، قائلاً إن الدوحة تعتبر «ممولاً تاريخياً للإرهاب على مستوى عال جداً».
وقال ترمب، في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض مع الرئيس الروماني كلاوس يوهانيس، إن إدارته ستعمل على حل هذه المشكلة، وهي أولوية أولى، وأضاف: «لا يمكن لأي بلد متحضر أن يقبل بهذا العنف، أو يسمح لهذا الفكر الخبيث أن ينتشر على شواطئه». ووجه الرئيس الأميركي رسالة شكر إلى المملكة العربية السعودية، والملك سلمان بن عبد العزيز الذي وصفه بالصديق، كما وجه الشكر لكل الدول التي شاركت في القمة الإسلامية الشهر الماضي في الرياض، ووصفها بأنها كانت قمة تاريخية لم يسبق لها مثيل، وقال: «أتمنى أن تكون هذه هي بداية النهاية لتمويل الإرهاب، وأقول لقطر: لا مزيد من الدعم المالي للتطرف والإرهاب».
وشدد ترمب على أن مشاركته في القمة العربية والخليجية والإسلامية في الرياض استهدفت تقوية التحالفات في المعركة ضد التطرف، وضد الآيديولوجيات الشريرة، وقال: لقد تحدثت مع قادة 50 دولة، واتفقنا على وقف أي دعم للتطرف، سواء عسكرياً أو مالياً أو أخلاقياً، وأضاف: «للأسف قطر كانت تاريخياً داعمة للإرهاب على مستوى عالٍ ولفترة طويلة، وقد تحدث معي قادة الدول حول ضرورة مواجهة قطر وتصرفاتها».
وأضاف ترمب: «كان علينا أن نتخذ تصرفاً صعباً، لكنه ضروري، وقد قررت مع وزير الخارجية والجنرالات في البنتاغون أن الوقت قد جاء لدعوة قطر لوقف تمويل الإرهاب، ووقف دعم آيديولوجيا التطرف، وترويج الكراهية وقتل الآخرين، وعليهم التوقف فوراً عن مساندة الإرهاب». وأكد الرئيس الأميركي قدرته على حل هذه الأزمة ومواجهة الإرهاب، وقال: «سنحل هذه الأزمة، وهذه هي أولويتي لأن واجبي كرئيس الحفاظ على أمن الأميركيين. وقد كانت قضية هزيمة (داعش) من الموضوعات التي ركزت عليها خلال حملتي الانتخابية، وأطلب من قطر وقف الدعم للتطرف والإرهاب، ووقف ترويج الكراهية، وأطلب من دول المنطقة القيام بالمزيد وبسرعة (في مكافحة التطرف والإرهاب)».
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي بمطالبة قطر بوقف دعمها للتطرف والإرهاب بعد أقل من ساعة من المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، وكرر فيه مطالبة أمير قطر بالقيام بالمزيد وبسرعة، مع مطالبته للدول العربية والخليجية بتخفيف الحصار على قطر.
ودعا تيلرسون، في مؤتمر صحافي طارئ بمقر الخارجية الأميركية أمس، الدوحة إلى الاستجابة لانشغالات جيرانها، وإلى «القيام بالمزيد، وبشكل أسرع» في مجال مكافحة الإرهاب، وأضاف أن «قطر أحرزت تقدماً في مجال القضاء على الدعم المالي، وطرد الإرهابيين من أراضيها، لكن عليها أن تقوم بالمزيد، وأن تقوم به بشكل أسرع». ووصف تيلرسون الوضع الحالي بالمقلق، وقال: «الوضع في الخليج مقلق للولايات المتحدة وللمنطقة وكل من هو معني ومتأثر بشكل مباشر»، مؤكداً التزام الولايات المتحدة بمقررات القمة العربية - الإسلامية – الأميركية، في الرياض، وروحها الهادفة إلى «توحيد الجهود لمكافحة الإرهاب عسكرياً وآيديولوجياً ومالياً».
وأشار وزير الخارجية الأميركي إلى تاريخ قطر في مساندة جماعات تحولت من النشاط السياسي إلى العنف والتطرف، مطالباً أمير قطر بالتحرك بسرعة في مجال وقف الدعم المالي للجماعات المتطرفة وطرد العناصر الإرهابية. كما أكد تيلرسون دعم الولايات المتحدة للوساطة التي يقوم بها أمير الكويت الشيخ صباح الجابر الأحمد الصباح، داعياً إلى الهدوء ووقف والتصعيد، وقال: «نتوقع إجراءات سريعة لخفض التصعيد»، مشيراً إلى أنه تحدث إلى قادة كثيرين، وقال لهم: «نعلم أنكم أقوى معاً»، وأكد تيلرسون أن عناصر حل الأزمة «متاحة»، مشدداً على ضرورة أن يحافظ الخليج على وحدته.
وقال تيلرسون: «إننا ندعو للهدوء والحوار بين الأطراف، ونسأل ألا يتم تصعيد الأمور بين الأطراف في الإقليم»، وأضاف: «ندعو المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر إلى تخفيف الحصار ضد قطر لأن هناك تأثيرات إنسانية لهذا الحصار، حيث نري عجزاً في الغذاء وتشتتاً في العائلات، وأطفالاً لا يذهبون إلى المدارس، وهناك تداعيات غير مقصودة، خصوصاً خلال شهر رمضان».
وشدد تيلرسون على مشاركة الرئيس ترمب في قمة الدول الخليجية منذ 3 أسابيع، التي استهدفت تأكيد الشراكة الأميركية مع المنطقة. وأعلن البيت الأبيض أن الرئيس ترمب تحدث هاتفياً مع نظيره المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي لمناقشة الأزمة مع قطر، والحاجة لوحدة خليجية. وقال البيت الأبيض إن الرئيسين اتفقا على أهمية التزام كل الدول بتنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في الرياض لمكافحة الإرهاب والتطرف، ووقف تمويل الجماعات الإرهابية، وشدد ترمب في حديثه للسيسي على أهمية الحفاظ على الوحدة بين الدول العربية.
وقد كلف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزير خارجيته ريكس تيلرسون بالقيام بدور الوساطة وتهدئة الأزمة الدبلوماسية بين الدول العربية والخليجية وقطر، بعد إعلان المملكة العربية السعودية وحلفائها قطع العلاقات مع قطر لدورها في دعم الجماعات المتطرفة.
وقالت هيذر نويرت، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية خلال المؤتمر الصحافي مساء الخميس، إن تيلرسون تعامل مع القادة القطريين لسنوات طويلة، خلال عمله مديراً تنفيذياً لشركة إكسون موبيل، وهو يتمتع بمهارة في التفاوض، وأكدت أن الرئيس ترمب يفضل أن تعمل جميع الأطراف على حل النزاع فيما بينهم. وقد جاء إعلان الخارجية الأميركية تولي تيلرسون مهام الوساطة بعد اجتماع الرئيس ترمب مع وزيري الخارجية والدفاع مساء الخميس، بالبيت الأبيض، لبحث أبعاد الأزمة الدبلوماسية والمقاطعة العربية والخليجية لقطر.
ورحبت الإمارات على لسان سفيرها في واشنطن يوسف العتيبة في بيان، مساء أمس، بـ«قيادة الرئيس ترمب لتحدي دعم قطر المقلق للتطرف». ورأت أن الخطوة المقبلة هي «اعتراف قطر بهذه المخاوف والتزام مراجعة سياساتها الإقليمية. وسيمثل هذا الأساس الضروري لأي نقاش». وشدد البيان على أن «قطر لا يمكن أن تستمر في اللعب على الجانبين. تمويل قطر ورعايتها الآيديولوجية يمكنان المتطرفين الذين يقاتلهم الأميركيون والإماراتيون وقوات أخرى في أرض المعركة. الرئيس محق... وقف تمويل التطرف يعني البدء بقطر».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».