«بريكست» والاعتداءات الإرهابية هاجس الناخبين البريطانيين

«بريكست» والاعتداءات الإرهابية هاجس الناخبين البريطانيين
TT

«بريكست» والاعتداءات الإرهابية هاجس الناخبين البريطانيين

«بريكست» والاعتداءات الإرهابية هاجس الناخبين البريطانيين

عقدت رئيسة الوزراء البريطاني تيريزا ماي آخر تجمعاتها، أمس (الأربعاء) تمهيداً لاقتراع يصعب التكهن بنتائجه، بعد حملة طغت عليها اعتداءات إرهابية مما أجبر الأحزاب الرئيسية على التوقف عن حملاتها مؤقتاً احتراماً للضحايا. وعلقت الحملة الانتخابية مرتين؛ الأولى بعد الاعتداء في مانشستر الذي أسفر عن سقوط 22 قتيلاً في 22 مايو (أيار)، والثانية غداة الاعتداء الذي أسفر عن سقوط سبعة قتلى السبت في لندن.
وتأتي الانتخابات في وقت تواجه البلاد تحدياً آخر، أي «بريكست»، الذي يصعب التكهن حول نتيجته، وأي منعطف سيأخذ خلال سنتين من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، الذي قررت بريطانيا الخروج منه. «بريكست» كان السبب وراء هذه الانتخابات المبكرة التي دعت إليها المحافظة تيريزا ماي من أجل «تقوية» يديها في المفاوضات مع بروكسل.
ويرى المحللون أنه من الصعب جداً التكهُّن بانعكاسات هذه الاعتداءات على نتائج الاقتراع. ويعتبر المحافظون في بعض الأحيان أكثر مصداقية بشأن القضايا الأمنية، خصوصاً في مواجهة زعيم عمالي يؤكد علناً مواقفه التي تفضل محادثات السلام في جميع مواطن النزاعات بدلاً من المجابهات، مثل جيريمي كوربن. لكن وقوع هجمات متكررة نفذها أشخاص جميعهم تقريباً معروفون من السلطات، والانتقادات لخفض عدد قوات الشرطة منذ 2010 لا تخدم مصلحة المحافظين.
وبدا كوربن البالغ من العمر 68 عاماً ومن قدامى حزب العمال، أنه خصم أقوى وأكثر حيوية مما كان يعتقده البعض، بما في ذلك في داخل معسكره. وقد خاض حملة تركزت خصوصاً على الصحة والمساعدة الاجتماعية واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وفي المناظرات التلفزيونية ظهر أقرب إلى الناس من رئيسة الوزراء البالغة من العمر 60 عاماً، التي تهربت من كل المواجهات المباشرة واكتفت بتكرار تصريحات بشكل آلي، كما قالت الوكالة الفرنسية في تحقيقها أمس حول الانتخابات. وارتكبت ماي عدداً من الأخطاء، فقد اضطرت للتراجع عن أحد إجراءات برنامجها الذي يقضي بزيادة مساهمة كبار السن في برنامج العناية الصحية، وهو موضوع بالغ الحساسية. كما رفضت ماي أي مناظرة مباشرة مع خصمها العمالي الذي تحداها للقيام بذلك.
واعترف المرشح المحافظ في يوركشير (شمال) على هامش زيارة أخيرة لماي بأن تبدُّل موقفها في برامج الميزانيات الاجتماعية أثار بلبلة. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «هذا أدى إلى تغيير خطة» حملة المحافظين. وعبر مرشحون محافظون آخرون للصحف دون أن يكشفوا أسماءهم عن استيائهم من الأخطاء التي ارتكبتها ماي طوال الحملة. وحاولت ماي إعادة ملف «بريكست» إلى صلب الحملة مع تقدم العماليين، لكن من دون جدوى إذ إن الاعتداءات أعادت مجدداً قضية الاقتطاعات في ميزانية الشرطة وبشكل أوسع في الوظائف الحكومية، إلى الواجهة.
وقال الخبير في استطلاعات الرأي جون كورتيس إن حزب العمال حصد أصواتاً بين أنصار «بريكست» ومعارضيه على حد سواء، موضحاً أن عملية المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي «لن تكون بالضرورة القضية الوحيدة التي يفكر فيها الناخبون (اليوم)».
ويأمل المحافظون في انتزاع أكبر عدد ممكن من الأصوات من حزب الاستقلال المعادي لأوروبا، ثالث قوة سياسية في البلاد في 2015، لكنه يواجه صعوبات منذ رحيل زعيمه نايغل فاراج الذي يتمتع بحضور قوي.
في الشمال، يأمل القوميون الاسكوتلنديون في الحزب الوطني الاسكوتلندي في الإبقاء على هيمنتهم في برلمان ويستمنستر لمواصلة الدعوة إلى استفتاء حول الاستقلال. أما الحزب الليبرالي الديمقراطي المعادي بشدة للخروج من أوروبا فيأمل في تحسين تمثيله (تسعة نواب) لكن دون أن ينجح في فرض نفسه ملاذاً لمعارضي «بريكست» خلال الحملة.
وأمس، استقبلت صيحات الاستهجان رئيسة الوزراء تيريزا ماي أثناء زيارتها أكبر سوق للحوم في لندن في ساعات النهار الأولى من اليوم الأخير للحملة الانتخابية.
وكانت ماي تزور سميثفيلد ماركت للحوم في وسط لندن برفقة زوجها فيليب عندما بدأ عدد من اللحامين بإطلاق صيحات الاستهجان والتهكم ويصيحون: «صوتوا للعمال»، كما لاحظت «رويترز» في تقريرها.
وكتبت ماي في تغريدة على «تويتر» وهي في السوق: «سوف أحافظ على اقتصادنا قوياً لمساعدة الشركات الصغيرة». ووعدت ماي بقيادة «قوية ومستقرة» خلال عملية مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، ولكن القضايا المحلية هيمنت على جزء كبير من حملتها الانتخابية.
واستمرت ماي بالابتسام بينما كانت تصافح لحامين آخرين كانوا يرتدون الأبيض ويقفون عند واحدة من منصات البيع الكثيرة في السوق. ودعت ماي إلى الانتخابات المبكرة في أبريل (نيسان) لزيادة هامش أغلبية حزبها في البرلمان وتعزيز موقفها في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لكن حملتها الانتخابية تعثرت في الأسابيع الأخيرة الماضية جراء سلسلة من الإخفاقات السياسية. وقبل سبعة أسابيع أعلنت ماي على نحو مفاجئ إجراء الانتخابات في الثامن من يونيو (حزيران) بهدف زيادة كتلتها البرلمانية قبل بدء مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكسب مزيد من الوقت للتعامل مع أثر قرار الانفصال.
لكن الحملة الانتخابية شهدت عدداً من الانعطافات غير المتوقعة من بينها أكبر هجوم دموي في بريطانيا منذ عام 2005، والتراجع الحاد لشعبية ماي وفق نتائج استطلاعات الرأي التي كانت تتفوق فيها بأكثر من 20 نقطة مئوية. وقالت ماي: «امنحوني دعمكم في مراكز الاقتراع غداً (اليوم) حتى أخوض معركة بريطانيا في بروكسل... إذا سارت المفاوضات على نحو خاطئ فستكون العواقب وخيمة». وقالت ماي مرارا إنها الوحيدة القادرة على إبرام صفقة ناجحة لبريطانيا، وإن خصومها سيلحقون أضراراً كبيرة باقتصاد البلاد خلال المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.
لكن إذا لم تستطع ماي تأمين 17 مقعداً، التي فاز بها سلفها ديفيد كاميرون عام 2015، فستكون قد خسرت مقامرتها الانتخابية وستضعف سلطتها سواء داخل حزب المحافظين أو خلال المحادثات مع باقي زعماء الاتحاد الأوروبي.
وعندما أذهلت ماي خصومها السياسيين وأسواق المال بدعوتها لانتخابات مبكرة، أظهرت نتائج استطلاعات الرأي أنها قد تحقق فوزاً كاسحاً يشبه ذلك الذي حصلت عليه مارغريت ثاتشر عام 1983 بأغلبية بلغت 144 مقعداً. لكن نتائج استطلاعات الرأي أظهرت تقلُّص شعبيتها على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية. وأظهرت أحدث استطلاعات أن حزبها متقدم بما يتراوح بين نقطة واحدة و12 نقطة مئوية.
أما خصمها اليساري جيريمي كوربن، فقال للناخبين إنهم لديهم «24 ساعة لإنقاذ خدمة الصحة الوطنية» التي تعرضت لخفض العمالة والخصخصة في الأعوام الماضية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...