وصفة رايس لإنجاح الديمقراطيّة... نصف الكأس المملوء

وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تصدر كتابها الجديد في وقت حاسم

كوندوليزا رايس - غلاف الكتاب
كوندوليزا رايس - غلاف الكتاب
TT

وصفة رايس لإنجاح الديمقراطيّة... نصف الكأس المملوء

كوندوليزا رايس - غلاف الكتاب
كوندوليزا رايس - غلاف الكتاب

عندما يكون موضوع الحديث السياسة الخارجيّة للولايات المتحدة، لا سيما بعدما تولت فيه إدارة جديدة مقاليد السلطة في البلاد حاملة شعار «أميركا أولاً»، موحية بذلك بتحولات أساسيّة في صياغة علاقات الإمبراطورية العظمى بالعالم، تكون كوندوليزا رايس بالتأكيد واحدة من قلّة من الخبراء الذين يُعتد بهم في هذا المجال، ولذا يبدو موعد صدور كتابها الجديد «الديمقراطيّة: حكايا من الطريق الطويل نحو الحرية» وكأنه جاء بمواقيت حاسمة، إذ يقدم للإدارة الجديدة دفاعاً صارخاً مجيداً عن «الديمقراطيّة» كرسالة أخلاقية، ترى رايس أنه ينبغي لجهود السياسة الخارجية الأميركية الانضواء دائماً تحت رايتها مهما تغيرت الألوان الحزبية للقائمين على سلطة الحكم فيها.

كوندوليزا رايس، الأستاذة البارزة بجامعة ستانفورد المرموقة، وزيرة خارجية الولايات المتحدة خلال الولاية الثانية من عهد الرئيس جورج دبليو بوش، الدبلوماسية الأميركية البارعة، تقول في مقدمة كتابها إنها تنتمي إلى جيل عايش اندفاع شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينيّة للنضال لنيل الحريّة، وفي الوقت ذاته بزوغ حركة الحقوق المدنيّة على الساحة الأميركية «التي أعطت فرصاً لأشخاص مثلي»، وهي الأميركيّة من أصل أفريقي، وانتمت إلى الطبقة الأميركيّة الوسطى. وتضيف بنغمة شبه صوفية: «لا شيء أكثر إثارة للحماس من تلك اللحظة التي يحصل الناس فيها على حقوقهم، وينعموا بالحريّة».
مفاهيم «الحريّة» و«الديمقراطيّة»، كما تُتداول في الفضاء السياسي الأميركي، ارتبطت تقليدياً بالحزب الديمقراطي أكثر منها بالحزب الجمهوري، لكن جمهورية جورج دبليو بوش وجدت فيها سلاحاً هاماً لتجييش العالم حول نهج جديد في السياسة الأميركيّة بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ولاحقاً الحرب على أفغانستان والعراق. ومع أن نتائج التدخلات الخارجيّة الأميركيّة، المباشرة وغير المباشرة، منذ ذلك الوقت تحت شعارات «الحريّة» و«الديمقراطيّة» تلك أنتجت كوارث وخيبات أمل تامة من العراق إلى ليبيا، وتسببت في نزاعات أهليّة دمويّة، أو رِدّة للحكم الشمولي في أوكرانيا وسوريا ومصر، وصولاً إلى تركيا، إلا أن إيمان رايس لم يتزعزع أبداً في الأهمية الاستراتيجيّة لتوظيف هذه المفاهيم كإطار للسياسة الخارجيّة الأميركيّة الآن أكثر ربما من وقت توليها حقيبة خارجيّة السيد دبليو بوش، خلال العقد الأول من القرن الحالي. وهي تبرر تلك الخيبات المتكررة، وحتى الأخطاء - كما وصفت الترويج لتنفيذ انتخابات في الأراضي الفلسطينيّة المحتلة التي أفرزت وصول (متطرفين)، على حد تعبيرها - «بكون الترويج لتمكين الديمقراطيّة ليس بالأمر السهل، لكنّه بالتأكيد ليس مستحيلاً، أو غير أساسي». وتشير رايس إلى نصف الكأس المملوء محتفية بصفوف الناخبين الطويلة في كثير من الدّول الأفريقيّة التي لم تعد الانقلابات العسكريّة فيها الوسيلة الأهم لتعاقب الحاكمين، وتروي ضمن «حكاياها» قصص نجاح - ولو جزئي - لكن بالتأكيد ذات أهمية تاريخيّة لمصلحة الديمقراطيّة، كما في كولومبيا وتونس وكينيا وتنزانيا وساحل العاج.
رايس بالطبع ليست عندها أية أوهام بشأن الترويج لمفاهيم «الحريّة» و«الديمقراطيّة» في خدمة سياسة الدّولة الأعظم، فهذه المفاهيم لا شك أدوات لا غايةً بحد ذاتها، تضمن منح السياسة الخارجيّة الأميركيّة نوعًا من مغزى أخلاقي، بينما هي في الوقت ذاته أفضل حماية لمصالح الإمبراطوريّة، ونوعاً من قوة سائلة (ناعمة) هائلة تسهل مدّ مظلة الهيمنة الأميركيّة إلى مناطق نفوذ أوسع.
وصفة رايس لإنجاح عمليّات التحوّل إلى الديمقراطيّة، وفق كتابها، تكمن في تعزيز دور المؤسسات المحليّة عبر قطاعات القضاء والأمن والأحزاب السياسيّة والصحافة الحرّة، وعقيدتها أن تجذّر هذه المؤسسات في الديمقراطيّات الناشئة، وتقاطع مساهماتها عبر النطاق العام، هو تقريباً السبيل الوحيد للوصول لنقطة اللاعودة نحو تبني المجتمعات الناشئة للمنهج الديمقراطي، وأن الفشل بتأسيس ذلك على نحو مبّكر هو نوع من التحضير لخيبة أمل أخرى في تاريخ التحول إلى الديمقراطيّة.
لكن رايس تقول كذلك إن المساعدات الخارجيّة قد تكون حاسمة في بناء قدرة هذه المؤسسات المحليّة على التعامل مع التحديّات الكبرى التي قد تواجهها، وتصف أهمية ذلك من خلال جهود مؤسسة تحدي الألفيّة التي أطلقت إبّان الولاية الثانية للرئيس جورج دبليو بوش، وقدّمت حينها مساعدات كثيرة للحكومات التي تتعهد بتنفيذ إصلاحات لتمكين صيغِ حكم رشيد شفاف. وهي تضرب مثلاً في حكومة ليبيريا المنتخبة بعد حروب أهليّة طويلة، التي مكنتها مساعدات مؤسسة تحدي الألفيّة بالذات من تفعيل قدرة الحكومة المحليّة على مواجهة انتشار وباء الإيبولا القاتل عام 2014. وتذهب رايس إلى طرح حكايا موازية عن ضعف قدرة السلطات النيجيريّة على مواجهة سرطان الإرهاب في البلاد كعرض لفشل العمليّة الديمقراطيّة، وانتشار الفساد، وغياب الحكم الرّشيد.
لا شك أن خبرة رايس العميقة في صناعة التحولات إلى الديمقراطيّة تلقتها من خلال مشاركتها الفّعالة أولاً كخبيرة في الشؤون الروسيّة، ولاحقاً كأعلى أصوات السياسة الخارجيّة للإمبراطوريّة ضمن فريق دبليو بوش، بعد أن خبا نجم الصقور أمثال ديك تشيني ودونالد رامسفيلد. كان الاتحاد السوفياتي قد انتهى حينها إلى الزّوال، وتطلّب الموقف من السلطة الأميركيّة الشروع في اتخاذ بعض الخيارات الأساسيّة لصياغة السياسة الخارجيّة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. اختارت حينها الولايات المتحدة - رغم غياب (العدو) الاشتراكي - سياسة توسيع نطاق مناطق النفوذ الغربي، من خلال تبني الدعوة لنشر الديمقراطيّة كرسالة أخلاقيّة للرأسمالية الليبراليّة التي بدا وقتها أنها ستحقق نوعاً من «نهاية للتاريخ»، وتفرض «عولمتها» على أرجاء المسكونة في إطار نظام عالمي جديد. كانت رايس من أهم «العقول» التي صاغت سياسة الولايات المتحدة تلك، وهي سياسة تحولت بمثابة الإطار العام لثلاثة عهود متتالية - رغم فروقات شكليّة قليلة - سواء في أيام الولاية الثانية لجورج دبليو بوش، مروراً بأيام الرئيس كلينتون، وانتهاء بعهد الرئيس أوباما.
انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب - أقله في الأيام المائة الأولى من العهد الجديد - كشف النقاب عن توجه لتعديل منهج السياسة الخارجيّة الأميركيّة هذا نحو مسار أكثر انعزالاً، معادٍ لسياسات الانفتاح والعولمة، صدامياً ومؤْثراً المصالح الأميركيّة المباشرة على أي سياسات ذات طابع أخلاقي - نظري، مصحوباً بشيء من الفوضى وسيطرة القرارات التكتيكيّة قصيرة المدى على العمل الاستراتيجي الأميركي، على نحو أثار مخاوف أقرب حلفاء الولايات المتحدة قبل خصومها.
من هنا، يأتي سِفْرُ حكايا رايس الأخير - إحدى أهم معماريي النظام العالمي الجديد ما قبل ترمب - ليعيد طرح نظريّة الترويج «للديمقراطيّة» على صُنّاع القرار المستجدين بوصفها سلاحاً ماضياً، وسوراً عظيماً يحمي مصالح الإمبراطوريّة العتيدة. وكان قد أثبت فعاليّة دائمة في خدمة النّفوذ الأميركي، رغم كل التكاليف الباهظة إنسانياً واقتصادياً في المجتمعات المستهدفة، وأنه حتى لو كان شعار النظام الجديد «أميركا أولاً»، فإن منطق الأشياء يقول إن رفع شعارات الترويج للديمقراطيّة وحريّة الشعوب يخدم بالأساس أميركا أولاً، وربما أخيرًا أيضا. في الوقت ذاته يقّدّم السِفْرُ الرايسي نافذة هامة لكل معني بفهم تطور الفكر الأميركي السياسي المعاصر، حلفاء وضحايا» للاطلاع على وجهة نظر صانعي القرار في حكايا عرّافتهم ضمن سردها لأحداث عاشتها خلال تلك الطريق الطويل والشاق نحو «الحريّة»، بتعريفها الأميركي حصراً.



حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.