غويتيسولو... أراد فتح بوابات العالم للمهمشين

أغمض عينيه بين يدي مراكش التي أحب

خوان غويتيسولو في مكتبه
خوان غويتيسولو في مكتبه
TT

غويتيسولو... أراد فتح بوابات العالم للمهمشين

خوان غويتيسولو في مكتبه
خوان غويتيسولو في مكتبه

لم يكن الموت ليخون الروائي والشاعر الإسباني الأشهر خلال الخمسين سنة الأخيرة خوان غويتيسولو فيعاجله في فضاء آخر غير الذي عشق، ليغمض عينيه يوم الأحد الماضي في مراكش بالمغرب، المدينة التي يهواها من دون كل المدائن، وحيث عاش جلّ الربع الأخير من حياته المديدة.
غويتيسولو الذي تصوَّر نفسه «خائناً إسبانياً» يفتح أسوار مدينته للغزاة العرب، اعتبر دائماً أشد منتقدي إسبانيا الشوفينيّة التي هي بالضرورة كاثوليكيّة بيضاء تُشرعن هويتها حول إلغاء المكوّن الأندلسي للبلاد، وكتب عشرات المقالات في صحف باريس ضد حكم الجنرال فرنكو الفاشي. «أنا فهمت اللغة الإسبانيّة فعلا عندما تعلمت العربيّة من الحكواتيين في ساحة جامع الفنا بمراكش». هذا الموقف المبدئي من الانفتاح على الآخر جعله يعيش وكأنه غجري بوهيمي وطنه العالم يتنقل بين فضاءات مكانية ملهمة تشبهه على نحو أو آخر: باريس وطنجة ومراكش، وتسبب ذلك بمنع كتبه من التداول في بلده الأم طوال حكم فرنكو الطويل، وتجاهل الأوساط الثقافيّة الأميركيّة الشماليّة له.
مشروع غويتيسولو الأدبي - المتناثر بين الرّوايات والقصائد والمقالات والمذكّرات ونصوص أخرى تائهة ما بين تلك الأنواع الأدبيّة كلّها - وكأنه ثورة تامة على كل مكونات الهويّة التي ولد بها: ثورة ضد عائلته وطبقته وتربيته وجنسيته وتاريخ بلاده الرسمي وحتى لغته ذاتها - فعاش ومات كآيرلندي روحه محاصرة بلغة مضطهديه كما وصفه أحد أصدقائه - ورغم عمره المديد وتجاربه الإنسانيّة الوافرة فإنه ظل عالقاً بتلابيب الحرب الأهليّة الإسبانيّة (1936 – 1939) وكأنه خرج من رحمها لا من رحم إسبانيا أو حتى أمه البيولوجية. تلك المرحلة شكلت وجدانه وكشفت عن مدى تصدّع روح بلاده التي رآها تعيش مأساة سرّية مستمرة منذ قرون. تلك الحرب أفقدته أمه إثر قصف طائرات اليمين الفاشي، على الرغم من إصرار والده المناصر لفرنكو أنها لقيت حتفها على يد المارقين الحمر - أي اليساريين الذين كانوا يقاتلون من أجل جمهوريّة جديدة. وبالفعل فإن تلك الحرب المؤلمة تبدو كهاجس مشترك يربط بين أعماله الروائيّة تحديداً والمتسمة جميعها بإحساس عميق واستثنائي بالتاريخ جعلته ينفذ إلى عمق الأشياء بعين صقر فلا يُفوّت يباس وجهٍ جائعٍ أو خوف طفل من رذاذ الرصاص.
ولد غويتيسولو لعائلة برجوازيّة كلاسيكيّة في برشلونة عام 1931. قتلت والدته بينما كان في السابعة، فكبر يتيماً ثالث أربعة أخوة اشتهر اثنان منهم في عالم الكتابة الأدبيّة: خوسيه (الذي صار شاعراً) ولويس (الذي يعتبر من أهم الروائيين الإسبان المعاصرين). أرسله والده لاحقاً إلى مدرسة رهبان متزمتة جعلته يكره التعليم المدرسي ويعادي رجال الدّين ويؤمن بالهرب طوال حياته. في الجامعة درس القانون قبل تحوله إلى الكتابة الأدبيّة فنشر أول رواياته عام 1954 (القتلة الصغار). لم يطق غويتيسولو العيش في ظل النظام القمعي فهاجر إلى فرنسا عام 1956. وعمل مراجعاً ومقيّماً للأعمال الأدبيّة بالإسبانيّة لدى دار غاليمار المعروفة. هناك تعرّف على رفيقته ولاحقاً زوجته - الروائية والمحرّرة - مونيك لانج (توفيت عام 1996) التي عرفته على نجوم الثقافة الفرنسيّة اليسارية آنذاك: جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو وجاي ديبور، كما التقى هيمنغواي. غويتيسولو كان يساريّاً بالفطرة، فهو رغم اطلاعه على أعمال كارل ماركس ولينين، ورغم قربه الشديد من الحزب الشيوعي الإسباني فقد اتخذ مسار التضامن مع المضطهدين والمهمشين فقط عندما عرف من وثائق عائلته أن ثروة جدّه الأكبر جمعها من خلال استغلال العبيد في مزارع السكّر بكوبا قبل الثورة، لكن اليسار اعتبره خائناً عندما كتب مقالة تنبأ فيها بسقوط نظام فرنكو ليس بسبب نضالات الشيوعيين، وإنما بفضل قوى السوق التي فتحت النوافذ لإسبانيا جديدة تسعى إلى العصرنة، وتعتاش من استقبالها الأجانب سائحين. وفعلا سقط نظام فرنكو، لكن قطار حياة هذا (الغجري الفخري) كان قد تجاوز محطته الإسبانية.
تأثر غويتيسولو بالقامات الأدبيّة الفرنسيّة التي تعرّف عليها، لكن جان جينيه بالذات تحول بالنسبة إليه مرشداً روحياً، وبوصلة أخلاقيّة شديدة الوضوح في انحيازها لمعذبي الأرض ومهمشيها، فرفع صوته عالياً في تأييد حرب الاستقلال بالجزائر ونضالات الفلسطينيين. جينيه المعروف بميوله الجنسيّة الشاذّة وكذلك فرنسا بأجوائها المتحررة أقله مقارنة بإسبانيا المتزمتة ربما يفسران دخوله إلى عالم المثليين، وهو عندما اعترف بذلك لزوجته لانج، أصيبت بخيبة أمل قاهرة لم تثنها عن البقاء إلى جانبه في علاقة مفتوحة، لكنه ظل دائماً شغوفا بها كحبيبته الوحيدة الأبدية.
تتجاوز كتب غويتيسولو الأربعين كتاباً، نشر أغلبها - ولحين وفاة فرنكو - عبر ناشرين في المكسيك والأرجنتين، وترجمت إلى كل اللغات الحيّة لكن أشهرها للناطقين بالإسبانيّة كان ثلاثيّة «علامات الهويّة» وفيها يتخيّل إسبانيا وقد تخلصت من كل التراث الموريسكي الأندلسي فلم يعد بها زراعة أو عمارة أو منسوجات أو موسيقى أو حتى أطباق طعام تقليديّة. هذا الهمّ الأندلسي تحول إلى طابع وسم معظم أعماله اللاحقة، معتبراً أن فرنكو نفسه ما هو إلا نتاج إسبانيا الصليبية التي أقصت مسلميها بلا رحمة بعد سقوط غرناطة «فذهبت إسبانيا بعدها في إجازة طويلة من التاريخ»، بل وصَدَم القوميين الإسبان بإصراره على أن سيرفانتيس نفسه كان يهوديّاً تكثلك، وأن (دون كيخوتيه)، روايته المؤسِسة للأدب الإسباني، تأثرت على نحو عميق بألف ليلة وليلة التي اطلع عليها سيرفانتيس في كتب الموريسكيين الإسبان. تطوّر نثره من أجواء الواقعيّة الجديدة في الخمسينيات إلى أجواء تجريب أدبي منذ الستينيات ولذلك أصبحت أعماله صعبة المراس ولا تقدّم أي تنازلات للقارئ العادي. يقول النقاد إن أعمق أعماله ربما تكون رواية «حالة حصار - 2002» التي استوحاها من أجواء حصار سراييفو. كما نشر مذكراته الشديدة الصراحة والإباحيّة في منتصف الثمانينات فأصاب المجتمع الإسباني المحافظ بالصدمة. تراجعت حظوظ الرواية عنده شيئا فشيئاً لمصلحة الشعر حتى أعلن رسميّاً توقفه عن تعاطي الرواية «لأنني قلت كل ما يمكن قوله، بينما الشعر يبقى أقرب لثقافة الحكي المسموع». غويتيسولو مغرم بثقافة الحكي هذه، وأفضل أيامه كانت تلك التي قضاها في ساحة جامع الفنا بمراكش يستمع للحكواتيين غريبي الأطوار وهم يسحرون الناس بقصصهم، وقد قاد حملة عالميّة لحماية أجواء الثقافة الشفاهيّة في فضاء ذلك الجامع الشهير تُوجت بإعلان اليونيسكو المكان كأول محمية عالميّة للتراث الشفاهي.
أوائل التسعينيات، وبتشجيع من صديقته الناقدة المعروفة سوزان سونتاج ذهب غويتيسولو إلى سراييفو المحاصرة، وكتب من هناك لصحيفة «البايس» الإسبانيّة العريقة تقارير أسبوعيّة تدمي القلب عن المذبحة التي كانت تجرى في قلب أوروبا المعاصرة وقضى ضحيتها أكثر من 120 ألف أوروبي مسلم. كانت حرب البوسنة بالنسبة له أشبه بالحرب الأهليّة الإسبانيّة في فظاعاتها، واعتبر أنها قضت على أوهام التفوق الأخلاقي الغربي نهائيّاً. «لقد جعلتني تلك الحرب متشائماً من البشر» يقول غويتيسولو: «نحن فعلاً أشبه ما نكون بحيوانات متعلمة، أو حتى حيوانات لا تتعلم فتعيد ارتكاب جرائمها كما هي تقريباً، دون تعديلات تذكر». وكتب لاحقاً من الشيشان ومن غزة، وأدان غزو بغداد وغطى عندما قارب الثمانينات من العمر ثورة الربيع في تونس وتنبأ بثورة مماثلة في مصر، لكنّه أخبر الشبان وهو يقف معهم على المتاريس بأن الديمقراطيّة عمليّة طويلة تستغرق وقتاً ودماءً كثيرة. «في إسبانيا مثلاً بين أول دستور عام 1812 واليوم مررنا بفترات طويلة من حكم شمولي، ثم ملكيّة دستوريّة، وثلاث حروب أهليّة وأربعة ديكتاتوريّات».
قدّم غويتيسولو برنامجاً وثائقيّاً عن الحضارة الإسلاميّة باللغة الإسبانيّة، وأنتج طارق علي الكاتب والسينمائي اليساري البريطاني المعروف فيلماً وثائقيّاً عن حياته في مراكش، حيث بدا وكأنه عمدة فخري للمدينة يعرفه الجميع ويطلبون مساعدته في قضاء أمورهم مع السلطات المحليّة. وقد عاندته نوبل - لأسباب غير مفهومة - لكنه حاز على أرفع الجوائز الأدبيّة في العالم الناطق بالإسبانيّة بما فيها خوان راؤول - الأهم المكسيك - في 2004 (وتسلمها حينها من غابرييل غارسيا ماركيز) وميغيل دي سيرفانتيس - الأهم في إسبانيا - عام 2014 بالإضافة إلى جائزة محمود درويش الذي كان نشر كثيراً من نصوص غويتيسولو المختارة بالعربيّة في مجلته الأدبيّة المرموقة «الكرمل».
قضى غويتيسولو سحابة عمره فريداً يبني جسراً بين عوالم متناقضة: عالم فيه العواطف متدفقة وتحكمه الكلمة المحكيّة، والسينمات المفتوحة على الهواء الطلق، والمهمشون المتجولون لكنه ينوء تحت الفقر المدقع، والمرض والجهل يقابله عالم آخر فيه انتخابات حرة، ولقاحات تحمي الأطفال من الموت المبكر، وكتب كثيرة لكنه يعاني من تخثر المشاعر. لقد كان يأمل بإكمال بناء ذلك الجسر المعلق في الغيم، ليعيد فتح بوابات العالم لكل المهمشين والمهزومين والمغيبين قسراً عن التاريخ، لكنه رحل دون أن يعبأ أحد فيما يبدو بإكمال تلك المهمة المستحيلة.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.