قراءة ثقافية متأخرة لما بعد النكسة

50 عاماً على هزيمة 67... ما الذي تغير ثقافياً؟ (2-2)

صدقي إسماعيل - سليمان فياض - أدونيس
صدقي إسماعيل - سليمان فياض - أدونيس
TT

قراءة ثقافية متأخرة لما بعد النكسة

صدقي إسماعيل - سليمان فياض - أدونيس
صدقي إسماعيل - سليمان فياض - أدونيس

نشرنا يوم أمس آراء عدد من المثقفين والأكاديميين والكتاب العرب حول أسباب هزيمة 67، وآثارها اللاحقة على حياتنا المعاصرة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً. وكان أغلب المساهمين في الملف قد اتفقوا على أن هذه الهزيمة لم تكن عسكرية فقط، بل نتاج لذهنيات وممارسات لا تزال مستمرة جوهرياً على أكثر من مستوى، وأن أسئلة النكسة لا تزال حاضرة بقوة على الرغم من مرور نصف قرن.

أنكسة هي أم هزيمة؟ وما الذي تبقى منها؟ كيف؟ وهي لم تزل فاعلة في واقعنا السياسي والاجتماعي حتى اللحظة... ولعلي لا أجانب الحقيقة لو قلت إن النكسة مستمرة وعلى وزن «الثورة مستمرة».
هي في نكسات متتالية ما زالت تتشظى شرقا وغرباً في الجغرافيا العربية، والواقع العربي المتردي حالياً لا يمكن تفسير حالته إلاّ على وقع تداعيات هذه «النكسة» التي تولدت منها هزائم صغرى وكبرى، مهولة ونصف مهولة، وبعد خمسين عاما على مرورها ما زال الجرح النرجسي العربي نازفاً وغير قادرٍ على الاعتراف بمعنى الهزيمة وما زالت طريقة التلطيف الممجوجة والإنكار التاريخي تصف الهزيمة بـ«نكسة» على أمل أن يأتي نهوض ما بعدها، لكن اللحظة التاريخية تصرّح بلا مواربة بأن النكسة لم يقل عثارها بعد، ولم يحدث النهوض الحضاري الإبداعي المأمول بل إنها الهزيمة المتوالدة ما زالت تنتج لنا الهزائم البنيوية المتعددة، والتجزئات الجغرافية والتعثرات التنموية المميتة، والخرائب منتشرة في كل رقعة عربية، على المستويات كلها سياسياً واقتصادياً وجغرافياً وفي الوعي الجمعي وأكثر ألماً في عمق الوعي الفردي المنقسم.
سأذهب في تفسير ما الذي تبقى من النكسة - الهزيمة إلى ملامسة واستكشاف ما تركته النكسة في عدة حالات للواقع المتداعي حتى الآن، ومن أهمها الحالة الثقافية والحالة الإبداعية مروراً بالحالتين الشعر - فكرية والفكرية.
في الحالة الثقافية ما قبل النكسة - الهزيمة وما بعدها نجدها حصيلة لعدة أوهام ما زلنا نسبح في بحيراتها، بل ما زالت مستقرة في البنية العقلية العربية اليومية وفي العقل العربي التاريخي.
* تجربة المأساة
وقد حدد المفكر والروائي السوري صدقي إسماعيل هذه الأوهام بشكلٍ جذري ودقيق في كتابه: (العرب وتجربة المأساة)، وبالرغم أن الكتاب نشر قبل النكسة بسنواتٍ، فإنه وضع أصبعه على مكن الارتكاسات الفكرية والنفسية والحضارية التي شرخت الواقع العربي المعاصر وفتتت وعيه الموضوعي بالمأساة التاريخية المزمنة فقادته إلى حالة مزمنة من الانهيار الرأسي والأفقي.
من جملة هذه الأوهام: وهم «تملّك الحقيقة المطلقة» والاطمئنان الذهني اللاتاريخي الكسول في فهم الصيرورة التاريخية المتحولة فكراً وواقعاً، وما ينتج عنه من غيابٍ للروح النقدية في نهاية المطاف.
ومنها أيضا وهم «المغالاة في مفهوم الاستقرار أو التماسك الكياني والقيّمي (وهو وهم) يصدر عن التخفي أمام الواقع والفرار من الحس بالمأساة».. وما يقود بالتالي إلى سديم انفعالي أكثر من كونه حقيقة ماثلة ومتغيرة.
ويقول صدقي: «من المسلمات المستقرة في بنية العقلية العربية أننا فرديون».. حين يأتي الحديث عن وهم الفردية وهو لا يتحدث عن الفردية البراغماتية كما عرفناها في الفلسفة السياسية الأميركية، بل يردّها إلى الموقف السلبي من الواقع والاعتداد بالعقل البدوي الذي يرى الأشياء والمكونات الطبيعية من حوله كحقيقة ثابتة لا تتغير وفي إطار من الخرافي - البطولي.. الفردي.
والنكسة ما زالت تنتج المزيد من الأحزان، كما المزيد من الأوهام بعد خمسين عاماً وما زال التفكير العربي يعاني من داء الفردية واللاتاريخية واللاعقلانية، عجز عن نقد ذاته وأخطائه ناهيك عن تجديد حياته العقلية، وإعادة استئنافها حضارياً.
ولعل من أسوأ ما أفرزته «النكسة» هي هذه التيارات المتطرفة من حاضنته الإسلام السياسي وفرخت من تربته طيور ظلام دموية تعمل بيننا كالأشباح.
قدمت نفسها في وقتٍ عصيب كبديل جاهز لإزالة آثار النكسة والتحقت بها جموع من الموهومين والمجروحين والمهزومين، بعضهم خلع رداءه الآيديولوجي القديم، وآخرون وجدوا ضالتهم - وهماً - في الخروج من حالة الخواء الفكري والوجداني.
* «أحزان حزيران»
في النظر إلى الحالة الإبداعية العربية المتأثرة بالأجواء الكابية التي تركتها «النكسة»، وجدت من الأنسب هنا أن أسترجع وأعيد قراءة قصة قصيرة بديعة للراحل القاص سليمان فيّاض بعنوان: «أحزان حزيران» لما تكتنزه من دلالات فنية وفكرية، كواحدة من حالات الإبداع العربي المحزون والمتفاعل مع الحدث - الكارثة وكما عبر عنها شعراً نزار قباني في واحدة من قصائده العلامات: «هوامش على دفتر النكسة».
يقول «عربي» بطل القصة العاطل نائماً على سريره في المستشفى: (ما زال الخامس من حزيران يتجمع في القلب) وكأنه يقولها على لساننا اليوم.
إحساسه بوطأة الهزيمة يدفعه بلا وعي إلى تمزيق ورقة الخامس من حزيران قبله بيوم من نتيجة الحائط - التقويم، كي يبعد عنه الذكرى التي كانت لم تزل طازجة، لكن وعيه الحارق يدلّه بأن نزع ورقة التقويم لا يزيل الأحزان، والهروب من ذكرى الحدث الثانية لا يزيل المرارة من الحلق ولن يلغى ذلك اليوم من الزمن.
إن الوعي الحقيقي ليس الهروب والعيش في الوهم بل إزالة المعنى الذي انطوت عليه النكسة، أي إزالة أسباب الهزيمة وتجفيف ينابيع تجددّها. وعندما يقول «عربي» لأمه: (الخامس من حزيران سيظل يأتي).. ما زال المعنى الذي ينطوي عليه باقياً بيننا ولم يبرح مخيلتنا التاريخية.. معنى الهزيمة ومعنى العيش في الوهم والعيش في الظلام الذي لا نهار بعده.
عند خروج العرب من حالة الكساح هذه كما رمز لها القاص: «بطل القصة فاقد لساقيه»، وحالة الذهول والجنون كما يعيشها زملاء عربي المحاربون الخمسة في المصحة، حينها نكون قد وعينا معنى الهزيمة لكي نزيل انكساراتها.
* النكسة في الحالة الشعرية
في الحالة: الشعر - فكرية، والفكرية كما تلمستها في عملين مهمين للشاعر الكبير أدونيس والفيلسوف السوري الراحل صادق جلال العظم، في «فاتحة لنهاية القرن» و«النقد الذاتي للهزيمة» سنعي مدى راهنية المؤثر الفكري والنفسي للنكسة وليس ما تبقى منها فقط. أصدر أدونيس: «بيان 5 حزيران 1967» بعد شهر من الهزيمة وكتبه بلغة شعرية - فكرية طارحاً أسئلة حارقة كيانية مثل: من أنا؟ وهل أعرف نفسي؟ حتى يصل إلى مقولة دالة ساخرة:
«ليس العدو المباشر هو من يغلبني، يغلبني العدو الآخر اللامباشر المستتر فينا»..
ويكشف عن الأقنعة الهائلة التي تدثّرت بها حياتنا العربية اليومية والعقلية بدءاً من المثقف والمفكر والسياسي وصولاً للعامل الكادح البسيط.
كتب أدونيس مرثاة شعر - فكرية تليق بالحدث نعى فيها الحياة العربية كلها كما كانت تتبدى، فكراً وثقافة، شعراً وإبداعاً وفناً، سياسة ومجتمعاً، وعياً وعقلاً، وبروح خالية من نكهة اليأس لمح إلى معنى التغيير الذي نحتاجه، التغيير من الداخل أولاً كي نخرج من هذه النتيجة الفاجعة لحدث 5 حزيران.
السؤال الذي طرحه أدونيس في استطرادات بيانه اللاحقة بعد ثلاثين عاماً:
* هل حدث هذا التغيير؟
هو رأى ببصيرة شعرية رهيفة أن ما حدث في الحياة العربية وعقلها هو تغيير قشري من خارج، وما نحتاجه هو التغيير الكياني العمقي والجذري الذي يزلزل الثوابت ويجترح المتحول والتحوّل، التغيير الذي نروم هو تغيير ذات الإنسان العربي في عقليته وتصوراته وقناعاته المتكلسة وصورة علاقته بالآخر..
إنه التغيير الكياني الذي يقصر المسافة بينه وبين الفعل الإبداعي والإبداع الحضاري.
النكسة في السياق الفكري
في السياق الفكري ذاته يمضي الفيلسوف الراحل صادق جلال العظم متوسماً عقلاً نقدياً جديداً، عقل ينقد ذاته كما ينقد خارجه الموضوعي المضطرب، عقل لا يتخفى وراء التبريرات والتلفيقات والتوفيقات العقلية، عقل يسمي الأشياء بأسمائها ولا يخجل من قول الحق.
ويذهب أبعد إلى نقد كل من قال في شكل يقيني غيبي إن هزيمة حزيران ليست إلا ظاهرة طبيعية كظاهرة الزلازل والأعاصير أو كظاهرة قدرية..!
ويمضي عميقاً إلى نقد ظاهرة التخلف التنموي المجتمعي التي ما زالت مستفحلة في زمننا المعاصر، بل يصف ما نمر به من شكل ظاهري تنموي ليس إلاّ تنمية للتخلف.
انتقاده الشجاع لهذه «القدرية المطلقة» في تفسير الظواهر في واقعنا العربي بما فيها الظواهر السياسية والعسكرية قاده إلى نتيجة فلسفية فهم في ضوئها معنى العجز العربي الجوهري التي تمثّلت في السياسات السلطوية وفي السياسات الاقتصادية «استراتيجية تنمية التخلف» وفي معنى غياب الحريات وحقوق الفرد الطبيعية غير مبتعدٍ عن نقد الالتماس إلى يقينيات غيبية وفوقية.
إن منطق نقد الذات الذي دافع عنه العظم بعد الحدث الحزيراني كان مفصلياً في تصوره الفكري للخروج من الأزمة.
نقد الذات هو نقد منطق التبريرات والتهرب من المسؤوليات والتبعات، نقد منطق الشطط الفكري والوجداني في تفسير ما حدث.
هل تخلصنا من هذا المنطق؟
هل ما زلنا بعيدين عن أجواء هذا المنطق في تحليل أسباب الهزيمة وأسباب النهوض؟
الذي تبقى من هزيمة 5 حزيران كثير جداً ما زلنا نراه على مرمى البصر..!!

* ناقد سعودي



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.