ألمانيا تتجه لسحب جنودها من إنجيرليك بعد فشل زيارة غابرييل إلى تركيا

أنقرة وبرلين لم تبديا مرونة في أي من ملفات التوتر

وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو في مقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو في مقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة أمس (أ.ب)
TT

ألمانيا تتجه لسحب جنودها من إنجيرليك بعد فشل زيارة غابرييل إلى تركيا

وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو في مقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو في مقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة أمس (أ.ب)

فشلت تركيا وألمانيا، أمس، في التوصل إلى اتفاق حول زيارة مسؤولين سياسيين ألمان إلى قاعدة إنجيرليك الجوية لتفقد قوات تنشرها برلين، في سياق الحملة ضد تنظيم داعش في سوريا، بعدما أصرت أنقرة على منع هذه الزيارات.
وبعد مباحثات مع وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل، في مقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة، أمس، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: «حالياً، يمكنهم (الألمان) زيارة قاعدة حلف شمال الأطلسي في قونية (وسط)، وليس في إنجيرليك». وأضاف جاويش أوغلو: «قيمت مع نظيري الألماني هذه المسألة بكل تفاصيلها، واتفقنا مبدئياً على السماح للنواب الألمان بزيارة جنودهم العاملين في ولاية قونية، ومن ثم النظر في مسألة زيارة إنجيرليك».
وجاء الرد من وزير الخارجية الألماني أن ألمانيا ليس أمامها خيار سوى البدء في سحب قواتها من قاعدة إنجيرليك الجوية في تركيا، إذ إن الحكومة التركية لا تسمح لأي نائب ألماني بزيارة القوات هناك، وقال إن «تركيا أوضحت أنها لا يمكنها، لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، الموافقة على زيارات لأي من النواب»، وأضاف غابرييل أن أعضاء البرلمان يتعين أن يتمكنوا من زيارة القوات التي حظيت عملياتها بموافقة البرلمان، وأنه «يتعين على تركيا أن تفهم أننا في هذه الحال يجب أن ننقل الجنود الألمان من إنجيرليك (...) في هذه الحال، البوندستاغ (البرلمان الألماني) سيطلب من الحكومة إيجاد موقع آخر للجنود الألمان الموجودين في إنجيرليك».
كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد أعلنت بعد رفض تركيا زيارة النواب لقاعدة إنجيرليك، التي كانت مقررة في 15 مايو (أيار) الماضي، أن برلين قد تسحب جنودها (نحو 270 جندياً) وطائراتها (6 طائرات استطلاع وطائرة تموين في الجو) من إنجيرليك إلى قاعدة أخرى، وطرحت بدائل، منها الأردن.
وأفسحت برلين المجال أمام المفاوضات حول هذا الموضوع مع الجانب التركي حتى منتصف يونيو (حزيران) الحالي، ولذلك فإن زيارة غابرييل تعد حاسمة في القرار الذي ستتخذه برلين.
وتقول أنقرة إن هناك نواباً بالبرلمان الألماني يدعمون تنظيمات إرهابية تعمل ضد تركيا، وأشار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، عقب لقاء وصف بالمتوتر مع ميركل في بروكسل على هامش قمة «الناتو» في مايو الماضي، إلى أنه يمكن أن تسمح تركيا بزيارة النواب كما كان من قبل، لكن بشرط إرسال قائمة بأسمائهم إلى وزارة الخارجية التركية لتدقيقها أولاً.
وقال جاويش أوغلو، أمس، إن ألمانيا لم ترسل قائمة بأسماء النواب الذين طلبت برلين زيارتهم لجنودها (نحو 20 جندياً) في قاعدة «الناتو» في قونية حتى الآن، ولفت إلى أن تركيا وألمانيا تبذلان جهوداً مضاعفة لإعادة علاقاتهما إلى مستويات ما قبل الأزمات الأخيرة التي شابتها، وأنه بحث مع نظيره الألماني جميع الأزمات وسبل حلها.
وأضاف أن تركيا عبّرت عن استيائها من الاعتداءات المتكررة على المسلمين والأتراك القاطنين في ألمانيا، والفعاليات التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني المحظور في المدن الألمانية.
واستطرد: «الجانب الألماني يعترف بعدم صحة السماح لأنصار العمال الكردستاني وأتباع فتح الله غولن بالقيام بأنشطة في المدن الألمانية. ووجهنا دعوة للحكومة الألمانية لضرورة الحد من تلك الفعاليات التي تؤثر سلباً على علاقات البلدين».
وفي هذا الملف، وهو أحد أهم القضايا بالنسبة لتركيا، والذي ترهن به فتحها قاعدة إنجيرليك أمام النواب الألمان، عبّر غابرييل عن تضامن بلاده مع الحكومة التركية ضد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت العام الماضي، مشيراً إلى أن تركيا حليف لألمانيا في حلف الناتو، وأنهما يكافحان الإرهاب معاً. وأضاف أن تركيا تعد من أهم الشركاء الاقتصاديين، وأن حكومة برلين حريصة على مواصلة التعاملات التجارية مع الحكومة التركية، وستسعى لإيجاد السبل الكفيلة لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع أنقرة.
وبالنسبة لنشاط العمال الكردستاني، قال إن «هذه المنظمة لا تشكل تهديداً ضد تركيا فقط، بل تهدد أمن وسلامة ألمانيا لأن أنصارها يقومون بتجارة المخدرات والسلاح، ويمارسون العنف في المدن الألمانية. وهناك 4500 قضية بحقهم تنظر فيها المحاكم الألمانية، وإذا قضت بتسليمهم لتركيا، سيتم تسليمهم». وتابع: «سنلبي مطالب تركيا فيما يخص تسليم أنقرة المطلوبين من عناصر العمال الكردستاني».
أما بالنسبة لأتباع غولن الذين تقدموا بطلبات لجوء، والذين طالب جاويش أوغلو بإعادتهم إلى تركيا، فقال غابرييل إن المحاكم الألمانية تنظر في هذه الأمور «ونحن كحكومة نحترم القرارات التي ستصدر عن هذه المحاكم، فالمحاكم الألمانية تقيم جميع الأدلة المقدمة من الجانب التركي بخصوص تورط هؤلاء الأشخاص في محاولة الانقلاب الفاشلة. وفي حال ثبُت تورطهم، فإن عملية الإعادة ستتم»، لافتاً إلى أن المطلوب من تركيا هو أن تقدم أدلة قوية على إدانتهم.
وأشار إلى أن من تمت الموافقة على منحهم حق اللجوء جميعهم من حاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة، ويصل عددهم إلى نحو 40 عسكرياً من العاملين السابقين في «الناتو» في بروكسل، فروا إلى ألمانيا بعد فصلهم من جانب السلطات التركية مع أسرهم، وطلبوا اللجوء.
وفي ملف آخر، جدد جاويش أوغلو رفض الإفراج عن الصحافي الألماني من أصل تركي، مراسل صحيفة «ديفلت الألمانية»، دنيز يوجال، الموقوف في تركيا بتهمة الانتماء لمنظمة إرهابية. وقال أوغلو، في رده على سؤال في هذا الشأن، إن يوجال لم يتم توقيفه بسبب أنشطته الصحافية، إنما لتورطه بالإرهاب، وتشجيعه على الانضمام إلى المنظمات الإرهابية ضد تركيا، والمحكمة تنظر في ملفه، وسنحترم قرار المحكمة في هذا الشأن.
وقال إن «ألمانيا تعرف جيداً أننا لا نقوم بالقبض على الصحافيين بسبب ممارسة أعمالهم الصحافية، وإنما لضلوعهم في الإرهاب. وقد ألقينا القبض على صحافي قام بتصوير مواقع عسكرية، ونشر هذه الصور، فهل هذا من قبيل عمله الصحافي؟».
وأضاف وزير الخارجية التركي أنه تم في الفترة الأخيرة رصد توجه في أوروبا نحو استخدام أجهزة مخابرات لصحافيين كعملاء في تركيا، وأن الغرض من ذلك هو ممارسة نفوذ حال القبض على أحدهم، عبر شن حملات مثل «اعتقال صحافيين» أو «صحافيون في السجن». ولفت إلى أن قضية اعتقال يوجال حاضرة دائماً على جدول أعمال لقاءات ممثلي الحكومتين الألمانية والتركية، وقال: «نرى أن موضوع يوجال مهم للغاية بالنسبة لألمانيا، لكن الأمر الثابت الذي تعلمه ألمانيا جيداً أن الاتهامات المتعلقة بيوجال لا تتعلق بالصحافة، بل بالإرهاب»، مشيراً إلى استقلال القضاء التركي.
وأوقف يوجال على ذمة التحقيق في إسطنبول منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي بتهمة الترويج لتنظيم إرهابي، وإثارة الفتن، واتهمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأنه إرهابي وعميل ألماني.
وقد استقبل إردوغان وزير الخارجية الألماني عقب مباحثاته مع جاويش أوغلو، لكن رئيس الوزراء بن علي يلدريم ألغى اللقاء مع غابرييل، الذي كان مدرجاً سلفاً على جدول أعماله، بدعوى كثافة جدول الأعمال أمس.
وشارك يلدريم في اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد برئاسة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد ظهر أمس، وبعدها بساعات حضر نواب مأدبة إفطار مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم بالبرلمان بالعاصمة أنقرة.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.